شبهةُ أنّ التقيّةَ توجب الضلال !!

كيف يفتي الامام بغير الحق لمن يستفتيه خوفا وتقية أليس في هذا اضلال لمن استفتى؟ وايضا كيف اتيقن من أن رواية ما قيلت بسبب التقية من غير دليل واضح ؟ يعني هل يكفي أن الرواية مخالفة لعديد من الروايات الأخرى حتى نحملها على التقية؟

: الشيخ باسم الحلي

الجواب:

 

هذهِ الشبهةُ مبنيّةٌ على توهّمٍ مركّب ، حاصلهُ : إنَّ التقيّةَ تعني: تركَ المعصومِ بيانَ حكمِ اللهِ الواقعيّ ، الذي في اللوحِ المحفوظ ، والحُكمَ بغيرِه ، ممّا ليسَ في اللوحِ المحفوظ ..، ويترتّبُ على ذلك ، ضلالُ الشيعةِ تماماً ، ما دارَت شريعتُهم مدارَ أخبارِ التقيّة ، نصّاً وفتوى ..

 

قُلنا: يلزمُ بيانُ أمورٍ ، كالآتي :

 

الأمرُ الأوّل : بطلانُ الشبهةِ مِن رأس .

 

فمَن قالَ إنَّ أهلَ البيتِ عليهم السلام ، بعدَ عهدِ النبيّ صلّى اللهُ عليه وآله ، لم يبيّنوا للناسِ ، أو لشيعتِهم خاصّة، كلَّ أحكامِ اللهِ تعالى الواقعيّةِ في العقيدةِ والفروع؟!. بل مَن قالَ إنّهم عليهم السلام لم يُيبيّنوا ذلكَ لشيعتِهم ، حتّى في فرضِ التقيّة؟!!.

 

لم يفِه بهذا أحدٌ إطلاقاً ، لا أهلُ البيت عليهم السلام ، ولا أساطينُ التشيّعِ عبرَ القرون ، فهذهِ أصولنا الحديثيّةُ تشهدُ أنّ العترةَ عليهم السلام ، بيّنوا كلّ شيءٍ نزلَ به جبرائيلُ على محمّدٍ صلّى اللهُ عليهِ وآله ؛ فالتقيّةُ - آخرُ المطاف- لم تمنَعهم ، بطريقةٍ وأخرى ، مِن بيانِ ذلك .

 

الأمرُ الثاني : بيانُ كلِّ أصولِ الإسلامِ لعوامِّ الشيعة ، حتّى في فرضِ التقيّة !!

 

فهُم عليهم السلام ، حتّى في فرضِ التقيّةِ ، بيّنوا ، بطريقةٍ أو بأخرى ، كلَّ أصولِ الشريعةِ عقيدةً وفرعاً ، حتّى لعوامِّ شيعتِهم ، ناهيكَ عن فقهائِهم ، بل هوَ عندَ عوامّهم منَ الضروريّات .

 

والمقصودُ مِن أصولِ الشريعةِ في العقيدة : نصوصُ أصولِ الإمامةِ والنبوّةِ والمعادِ والعدلِ والتوحيد ، وفي الفروع : أصولُ الصومِ والصلاةِ والوضوءِ والميراث و...، ممّا هوَ منثورٌ في مصادرِنا الحديثيّةِ القديمة ؛ كالكتبِ الأربعةِ المعروفةِ لا أقل ؛ فالمعصومُ لم يُبقِ شيئاً إلاّ وبيّنَه بطريقةٍ وبأخرى للجميع، ما وسعَه ذلكَ عليهِ السلام .

 

فحتّى عوامُّ الشيعةِ وجهّالُهم وعجائزُهم، يعلمونَ ضرورةً ، أنّ النبيذَ حرام ، وأنّ الطلاقَ ثلاثاً بلفظٍ واحدٍ غيرُ واقعٍ، والتكتّفُ والتأمينُ بقصدِ الجُزئيّةِ مُبطلٌ للصّلاة، وأنّ غسلَ القدمينِ في الوضوءِ بدعةٌ ، والتراويحَ بدعةٌ ، والعولَ والتعصيبَ باطلانِ في الميراث ، وهكذا إلى كلِّ أصولِ الإسلامِ الضروريّةِ عقيدةً وفرعاً ، لا يجهلها أيُّ شيعيٍّ عامّيّ؛ فضلاً عن فقيههم .

 

والأخبارُ في ذلكَ متواترةٌ ، قطعيّةُ الصّدور ، مِنها : ما أخرجَهُ الكُلينيّ رضيَ اللهُ عنه قالَ: حدّثنا محمّدُ بنُ يحيى ، عن أحمدَ بنِ محمّدِ بنِ عيسى ، عن الحسنِ بنِ محبوب ، عن معاويةَ بنِ وهب قال: سمعتُ أبا عبدِ الله عليهِ السلام يقول : قالَ رسولُ الله صلّى اللهُ عليهِ وآله: إنّ عندَ كلِّ بدعةٍ تكونُ مِن بعدي ، يُكَادُ بها الإيمانَ ، وليّاً مِن أهلِ بيتي ، موكّلاً به ، يذبُّ عنه ، ينطقُ بإلهامٍ منَ الله ، ويعلنُ الحقَّ وينوّرُه ، ويردُّ كيدَ الكائدين ، يعبّرُ عن الضعفاءِ ، فاعتبروا يا أولي الأبصار ، و توكّلوا على الله.

 

قلتُ: قطعيُّ الصّدور ، وهذا الإسنادُ صحيحٌ ، والأخبارُ في هذا المعنى متواترة .

 

هذا في الضروريّاتِ الإسلاميّةِ ، عقيدةً وفرعاً ، أمّا الاجتهاديّاتُ فكذلكَ ، كالآتي:

الأمرُ الثالث : ضابطةُ التمييزِ بينَ ما هوَ تقيٌّة عن غيرِه، في الاجتهاديّات :

 

في غيرِ الضروريّاتِ التي يعلمُها ضرورةً حتّى عوامّهم ، يتعذّرُ على غيرِ الفقيهِ الجامعِ للشرائط، التمييزُ بينَ أخبارِ أهلِ البيتِ عليهم السلام الواردةِ في التقيّة، وبينَ غيرِها ممّا هيَ بيانُ حُكمِ اللهِ الواقعي.

 

وضعَ المعصومُ عليهِ السلام ضابطةً يقينيّةً ، للتمييزِ بينَهما ، تلقّاها أصحابُنا أجمعونَ بالقبول ، وهيَ قولهُ عليهِ السلام –واللفظُ لي-: (إذا تعارضَ الخبرانِ الصحيحان ، المرويّانِ عنّا ، يؤخذُ بما خالفَ العامّة، ويُتركُ ما وافقَهم ؛ فإنّ الرشدَ في خلافِهم) .

 

هذهِ الضابطةُ ، في كُبراها ، علاجٌ تامٌّ ، وقانونٌ عامّ ؛ لتمييزِ ما وردَ عَنهم عليهم السلام في التقيّةِ أو في غيرِ التقيّةِ ، ومِن ثمّ فهيَ صريحةٌ أنّ أهلَ البيت عليهم السلام ، لم يتركوا بيانَ حُكمِ اللهِ الواقعي ، ليترتّبَ عليهِ شبهةُ ضلالِ الأمّةِ أو الشيعة ، أو مناقضة حُكمِ اللهِ ورسولِه ؛ غايةُ الأمرِ يعسرُ على غيرِ الفقيهِ محاولةُ معرفةِ ما هوَ تقيّةٌ وما هوَ غيرُ ذلكَ مِن أخبارِهم ، وربّما يخطىءُ الفقيهُ أحياناً .

 

مسحُ القدمِ في الوضوء مثالاً لجريانِ الضابطة !!

 

هذا مثالٌ لبيان ، أنَّ تعاطي المعصوم التقيّة ، لا يعني إلغاءَ الحُكمِ الواقعيّ الذي نزلَ به جبرائيل عن النبيّ عليهِ السلام؛ فمعَ فرضِ التقيّةِ ، يتعيّنُ على المعصومِ عليهِ السلام ، بطريقةٍ وبأخرى ، بيانَ حُكمِ الله الواقعيّ ، ولو ضمنَ الأخبارِ الواردةِ على التقيّة ..

 

على سبيلِ المثال ، وردَ عن أهلِ البيت عليهم السلام ، بأسانيدَ صحيحةٍ عن الباقرِ والصّادقِ والرّضا وغيرِهم عليهم السلام ، كفايةُ مسحِ ظاهرِ القدمِ في الوضوء ، كما قد وردَ في المقابل ، في خبرِ سماعةَ عن الصّادق عليهِ السلام قال : (إذا توضّأتَ فامسَح قدميك ، ظاهرُهما وباطنهما) ..

قالَ الشيخُ الطوسي في الاستبصارِ والتهذيب ، بعدَ إيرادِ ذلك : فالوجهُ في هذا الخبر ، ما ذكرناهُ في البابِ الذي قبلَ هذا ، مِن حملِه على التقيّة.اهـ.

 

قلتُ: نفسُ حملِ الخبرِ على التقيّةِ في التعارض ، يستلزم ُقطعاً أنَّ المعصومَ عليهِ السلام ، بيّنَ حُكمَ اللهِ الواقعيّ فيما يقابلُهُ مِن أخبارِ الباب ، كما اتّضحَ أعلاه .

 

الزبدةُ :

 

شبهةُ أنَّ الالتزامَ بالتقيّةِ ، يقتضي ضلالَ الشيعةِ ، أو إلغاءَ حُكم اللهِ الواقعيّ ، أو نقصانَ الشريعة ، مبنيٌّ على توهّمٍ مردُّه إلى أنّ المعصومَ جاءَ بشيءٍ لم يأتِ به مُحمّد والقرآن ، أو أنّه عليهِ السلام لم يبيّن للشيعةِ قاطبةَ الشريعة ، وقد عرفتَ أنّ هذا ، لم يقُل به حتّى عوامُّ الشيعة ، فضلاً عن أساطينِهم ، ناهيكَ عن أئمّتِهم عليهم السلام .

 

الأمرُ الرابع : كيفَ يتّقي المعصومُ عليهِ السلام؟

 

اتّضحَ في الجملةِ أنّ المعصومَ عليهِ السلام، حتى في فرضِ التقيّةِ ، لا يسعُه إلاّ أن يبيّنَ للنّاسِ ما جاءَ به محمّدٌ صلّى اللهُ عليهِ وآله ، وهذهِ أخبارُهم منثورةٌ في أصولنا الحديثيّةِ القديمةِ ناطقةٌ جازمةٌ بذلك ، لكن كيفَ ذلك؟!.

 

قلنا: التقيّةُ عندَ جمهورِ أساطينِ التشيّعِ الأعظم ، وإن كانَت واجبةً إلى ظهورِ المهديّ عليهِ السلام، لكن لا يعني ذلكَ وجوبَها دائماً ، في كلِّ زمانٍ ومكان معَ عدمِ الضرورة ، وإنّما هيَ كذلكَ مع الضرورةِ ، أي: احتمالُ الضررِ والهلكةِ المُعتدِّ بهما ، منَ الأعداءِ والخصوم ، وإلّا فليسَت هيَ بواجبةٍ فيما عدا ذلكَ في كلِّ الأوقاتِ والأمكنة ؛ فقد تجبُ صباحاً ولا تجبُ ظهراً ، وقد تجبُ في هذا المكانِ دونَ ذاك .

 

لصحيحِ زُرارة ، عن أبي جعفرٍ عليهِ السلام قال : (التقيّةُ في كلِّ ضرورةٍ ، وصاحبُها أعلمُ بها حينَ تنزلُ به) ، وصحيحُه الآخرُ عن الباقرِ عليهِ السلام: (التقيّةُ ، في كلِّ شيءٍ يضطرُّ إليه ابنُ آدم ؛ فقد أحلّه اللهُ له).

 

فالقولُ بوجوبِ التقيّةِ إلى يومِ المهديّ عليهِ السلام ، لا يُنافي أن تكونَ هناكَ فسحةٌ ما ، لا تقيّةَ فيها ، في زمانٍ ما ، أو مكانٍ ما ، أو كليهما ، والمعصومُ يبيّنُ حُكمَ الله باهتمامٍ في تلكَ الفُسحة .

 

وقولُ الشيخِ الصّدوقِ رضيَ اللهُ عنه: التقيّةُ واجبةٌ ، لا يجوزُ رفعُها إلى أن يخرجَ القائمُ عليهِ السلام ، فمَن تركَها قبلَ خروجه ، فقد خرجَ عن دينِ الله ودينِ الإماميّة، وخالفَ اللهَ ورسولَه والأئمّة.اهـ. (الاعتقادات : 39)

 

قلنا: قولُ الشيخِ الصّدوق ، وقاطبةُ أخبارِ التقيّة ، محمولٌ على الضرورةِ ، وهيَ مُتحقّقةٌ في الجُملةِ إلى يومِ المهديّ ، لكنَّ هذا لا يُنافي انتفاءَ الضرورةِ والتقيّةِ أحياناً ، كما لو كانَ الإنسانُ في بيتِه وحدَه ، أو معَ أخصِّ أصحابه .

 

الأمرُ الخامس : لا تقيّةَ في أصولِ الإسلامِ الكُبرى ، عقيدةً وشرعاً :

كما لو شاءَ طاغيةٌ منَ الطغاة ، أن يستحلَّ نكاحَ المحارم ، فالتقيّةُ هيهنا ساقطةٌ ، والمستندُ فيه قصّةُ يحيى عليهِ السلام وإجماعُ أهلِ القبلةِ اليقينيّ .

 

ومِن ذلكَ استحلالُ المُسكر ، خمراً أم نبيذاً ، أو استحلالُ الرّبا ، ونحو ذلكَ ممّا كانَ الوجهُ فيه، إجماعُ أهلِ القبلةِ سنّةً وشيعةً وخوارج على اعتقادِه ؛ فالتقيّةُ في مثلِ الفرض منَ السالبةِ بانتفاءِ الموضوع.

 

وهوَ معنى ما وردَ في صحيحِ سعيدِ بنِ يسار ، عن الصّادقِ عليهِ السلام قال : (ليسَ في شربِ النبيذِ تقيّة) إذاً لا مجالَ للتقيّةِ معَ إجماعِ قاطبةِ المُسلمين وانتفاءِ الضرورة ، ولا عبرةَ بالشاذ .

 

ومِن ذلكَ عصمةُ النبيّ صلّى اللهُ عليهِ وآله في تبليغِ الأحكامِ عن اللهِ تعالى ، فلا تقيّةَ في الدّفاعِ عَنها والكفاحِ لها ، وإلّا انهدمَ الدينُ مِن رأسِه ..

 

والحمد لله رب العالمين.