مسألةُ أنّ الإمامَ المعصومَ لا يُغسّلُه ويكفّنُه إلّا المعصومُ

علي شمه السلام عليكم نحن نعلم ان المعصوم (عليه السلام) لا يكفنه ولا يدفنه الا المعصوم (عليه السلام) ، فهل هذه القاعدة تشمل البدن والرأس ؟ واذا كانت تشمل الراس والبدن فكيف نوجه سيل الروايات التي تنقل على إن -معاذ الله معاذ الله- راس مولانا وسيدنا ابو عبد الله الحسين (صلوات الله عليه) مدفون عند قبر المولى روحي فداه ابو الحسن (صلى الله عليه واله) ؟ وجزاكم الله خيرا

: سيد رعد

السّلامُ عليكُم ورحمةُ اللهِ وبركاته 

أوّلاً: وردَت رواياتٌ كثيرةٌ حولَ مسألةِ أنّ الإمامَ المعصومَ لا يُغسّلُه إلّا المعصومُ، فمنها: 

 1- في بحار الأنوار ( 27/288) قالَ الإمامُ الرّضا (عليه السّلام) لهرثمة: فإنّهُ سيشرفُ عليكَ المأمونُ ويقولُ لكَ: يا هرثمة أليسَ زعمتُم أنّ الإمامَ لا يُغسّلُه إلّا إمامٌ مثله؟ فمَن يغسلُ أبا الحسنِ عليّاً بنَ موسى، وإبنَه مُحمّداً بالمدينةِ مِن بلادِ الحجازِ ونحنُ بطوس؟ فإذا قالَ ذلكَ: فأجِبهُ، وقُل لهُ: إنّا نقولُ: إنَّ الإمامَ يجبُ أن يغسلَهُ الإمامُ، فإن تعدّى مُتعدٍّ فغسلَ الإمامَ لَم تبطُل إمامةُ الإمامِ لتعدّي غاسلِه ولا بطلَت إمامةُ الإمامِ الذي بعدَه بأن غلبَ على غسلِ أبيه، ولو تركَ أبا الحسنِ عليّاً بنَ موسى بالمدينةِ لغسلَه إبنُه محمّدٌ ظاهراً مكشوفاً ولا يغسلُه الآنَ أيضاً إلّا وهوَ مِن حيثُ يخفى.  

 2- في بحار الأنوار (27/288)، روايةُ إبراهيم بنِ أبي سمال قالَ كتبتُ إلى أبي الحسنِ الرّضا عليهِ السّلام: إنّا قَد روينا عَن أبي عبدِ اللهِ عليهِ السّلام أنَّ الإمامَ لا يغسله إلّا الإمامُ وقَد بلغنا هذا الحديثُ، فما تقولُ فيه؟ فكتبَ إليَّ: إنَّ الذي بلغكَ هوَ الحقُّ، قالَ: فدخلتُ عليهِ بعدَ ذلكَ فقلتُ له: أبوكَ مَن غسلَه؟ ومَن وليَه؟ فقالَ: لعلَّ الذينَ حضروهُ أفضلُ منَ الذينَ تخلّفوا عنهُ، قلتُ: ومَن هُم؟ قالَ: حضروهُ الذينَ حضروا يوسفَ عليه السّلام ملائكةُ اللهِ ورحمتُه.. 

 3- فراجِع بحارَ الأنوار (27/389) عنِ الحُسينِ بنِ محمّدٍ عَن المُعلّى عَن محمّدٍ بنِ جمهور عَن يونسَ بنِ طلحةَ قالَ: قلتُ للرّضا عليهِ السّلام: إنَّ الإمامَ لا يغسلُه إلّا الإمامُ، فقالَ: أما تدرونَ مَن حضرَ يغسله قَد حضرَه خيرٌ ممَّن غابَ عنه: الذينَ حضروا يوسفَ في الجبِّ حينَ غابَ عنهُ أبواهُ وأهلُ بيتِه.  

 4- في بحار الأنوار (27/290) عَن أبي بصيرٍ قالَ الصّادقُ عليهِ السّلام: فيما أوصاني بهِ أبي عليهِ السّلام أن قالَ: يا بُني إذا أنا متُّ فلا يغسلني أحدٌ غيرُك، فإنَّ الإمامَ لا يغسلُه إلّا إمام.  

 5-إسماعيلُ بنُ سهلٍ، عَن بعضِ أصحابِنا، قالَ: كنتُ عندَ الرّضا (عليهِ السّلام) فدخلَ عليهِ عليٌّ بنُ أبي حمزةَ وإبنُ السّرّاجِ وإبنُ المكارةِ فقالَ عليٌّ بعدَ كلامٍ جرى بينَهم وبينَه (عليهِ السّلام) في إمامتِه: إنّا روينا عَن آبائِك (عليهم السّلام) أنّ الإمامَ لا يلي أمرَه إلاّ إمامٌ مثله، فقالَ لهُ أبو الحسنِ فأخبرني عنِ الحُسينِ بنِ عليّ (عليهما السّلام) كانَ إماماً أو كانَ غيرَ إمام؟ قالَ: كانَ إماماً، قالَ: فمَن وليَ أمرَه؟ قالَ: عليٌّ بنُ الحسينِ (عليهما السّلام)، قالَ: وأينَ كانَ عليٌّ بنُ الحسينِ؟ كانَ محبوساً في يدِ عُبيدِ اللهِ بنِ زياد! قالَ: خرجَ وهُم كانوا لا يعلمونَ حتّى وليَ أمر أبيهِ ثمّ إنصرفَ. فقالَ لهُ أبو الحسنِ (عليه السّلام) إنّ هذا الذي أمكنَ عليّاً بنَ الحُسينِ (عليهما السّلام) أن يأتي كربلاءَ فيليَ أمرَ أبيهِ فهوَ يمكّنُ صاحبَ الأمر. فراجِع موسوعةَ شهداءِ المعصومينَ (عليهم السّلام). وغيرها منَ الأخبار في هذا الصّدد. 

 وأمّا توجيهُ العُلماءِ لِما وردَ في دفنِ رأسِ الحُسينِ عليهِ السّلام، فلهُم في المقامِ قولان: 

القولُ الأوّلُ: رجوعُ الرّأسِ إلى كربلاءَ المُقدّسة 

إنّ الرّأيَ القائلَ بإلحاقِ الرّأسِ بالجسدِ الشّريفِ قد ذكرَه كلٌّ من: الشّيخِ الصّدوقِ، والسّيّدِ المُرتضى، والسّيّدِ إبنِ طاووسَ ـ قدّسَ اللهُ أسرارَهم ـ وغيرِهم، عَن غيرِ المعصومِ، ويُفهمُ مِن كلامِ إبنِ نما الحلّي ـ كما سيأتي ذكرُه ـ إشتهارُه لدى الشّيعةِ الإماميّةِ، ونستعرضُ فيما يلي ما وردَ في هذا المجال. 

1-أوردَ الصّدوقُ (قدس) في الأمالي: ص231 : بإسنادِه عَن فاطمةَ بنتِ عليٍّ، قالَت: ثمّ إنّ يزيدَ ـ لعنَهُ اللهُ ـ أمرَ بنساءِ الحُسينِ عليه السّلام ، فحُبسنَ معَ عليٍّ بنِ الحُسينِ عليهما السّلام في محبسٍ لا يكنُّهم مِن حرٍّ ولا قرّ؛ حتّى تقشّرَت وجوههم، ولم يُرفَع في بيتِ المقدسِ حجرٌ عَن وجهِ الأرضِ إلاَّ وُجدَ تحتُه دمٌ عبيط، وأبصرَ النّاسُ الشّمسَ على الحيطانِ حمراء، كأنّها الملاحفُ المُعصفرةُ، إلى أن خرجَ عليٌّ بنُ الحسينِ عليهما السّلام بالنّسوةِ، ورُدَّ رأسُ الحسينِ إلى كربلاء. 

 2-سُئلَ السّيّدُ المُرتضى قدّس سرُّه : هَل ما رويَ مِن حملِ رأسِ مولانا الشّهيدِ أبي عبدِ اللهِ عليهِ السّلام إلى الشّامِ صحيحٌ؟ وما الوجهُ في ذلك؟ فأجابَ قدّسَ سرّه : ((هذا أمرٌ قد رواهُ جميعُ الرّواةِ والمُصنّفينَ في يومِ الطّفِّ، وأطبقوا عليهِ، وقد رووا أيضاً أنَّ الرّأسَ أعيدَ بعدَ حملِه إلى هناكَ، ودُفنَ مع الجسدِ بالطّف)) [رسائلُ المُرتضى: ج3، ص130].

3-ذكرَ إبنُ نما الحلّي قدّس سرّه : ((والذي عليهِ المعوَّلُ منَ الأقوالِ أنّه [أي الرّأسُ الشّريف] أعيدَ إلى الجسدِ بعدَ أن طيفَ بهِ في البلادِ، ودُفنَ معه)) [ينظر: مثيرُ الأحزانِ،ص85].  

4-ذكرَ السّيّدُ إبنُ طاووسَ أنّ عملَ الطّائفةِ على هذا المعنى ـ وهوَ ردّ الرّأسِ الشّريفِ إلى الجسدِ الطّاهرِ في كربلاءَ، أضِف إلى ذلكَ أنّهُ عدَّ التّساؤلَ عَن كيفيّةِ ضمِّ الرّأسِ الشّريفِ إلى الجسدِ فيهِ نوعٌ منَ الجهلِ وسوءِ الأدبِ، كالسّؤالِ عَن كيفيّةِ إحيائِه بعدَ شهادتِه. [ينظر: اللّهوفُ على قتلى الطّفوفِ، ص114].. 

القولُ الثّاني: دفنُ الرّأسِ في النّجفِ الأشرفِ عندَ مشهدِ أميرِ المؤمنينَ عليه السّلام

إنّ أهمَّ ما وردَ حولَ موضعِ أو مدفنِ الرّأسِ الشّريفِ عندَ أميرِ المؤمنينَ عليه السّلام عبارةٌ عَن مجموعةٍ منَ الرّواياتِ الواردةِ في الكتبِ المُعتبرةِ، وهيَ كالتّالي: 

1-في كتابِ الكافي للكُلينيّ (ره) (ج4/ص1157)، رقمُ الحديثِ (8119)  بإسنادِه عَن أبي عبدِ اللهِ عليهِ السّلام روايةٌ تصرّحُ بأنّ الرّأسَ الشّريفَ دُفنَ عندَ مشهدِ أميرِ المؤمنينَ عليه السّلام. ورواها إبنُ قولويه في كاملِ الزّيارات. 

2-في كتابِ كاملِ الزّياراتِ (ص86-87): وقد ذُكرَت فيهِ جملةٌ منَ الرّواياتِ الدّالّةِ بصريحِها على أنّ الرّأسَ قَد دُفنَ عندَ أمير المؤمنينَ عليه السّلام.  

3ـ في كتابِ تهذيبِ الأحكامِ (ج6/ص777)، رقمُ الحديثِ (7076): وقَد ذُكرَت فيهِ روايتان، إحداهُما تصرّحُ بدفنِ الرّأسِ عندَ أميرِ المؤمنينَ عليه السّلام أيضاً. 

ولذا ترى آراءَ العُلماءِ في موضعِ أو مدفنِ الرّأسِ الشّريفِ مُتعدّدةً تبعاً لتعدّدِ المنقولِ، وهيَ تؤكّدُ ـ على الأقلِّ ـ أنّ هذا الموضعَ هوَ موضعُ تقديسٍ وإهتمامٍ مِن قِبلِ الأئمّةِ عليهم السّلام والعلماءِ، وأنّهُ مكانٌ يُزارُ منهُ الإمامُ الحسينُ عليهِ السّلام. ودمتُم سالِمين.