لماذا إستغفرَ داودُ (ع) ربَّه في الآيةِ: (فظنَّ داودُ أنّما فتنّاهُ، وخرّ راكِعاً، وأنابَ)، هل إرتكبَ ذنباً؟ 

: سيد رعد

السّلامُ عليكم ورحمة الله: 

أقولُ: جوابُ هذا السّؤالِ يتّضحُ منَ المُحادثةِ التي جرَت بينَ الإمامِ الرّضا (عليه السّلام) وأحدِ أصحابِه وهو عليٌّ بنُ الجهمِ حينَما كانَ يتحدّثُ عَن عصمةِ الأنبياءِ عليهم السّلام، وجوابُ الإمامِ عليه السّلام في هذا الموضعِ، هوَ الذي يدينُ بهِ علماءُ الإماميّةِ سواءٌ أكانوا منَ المُتقدّمينَ أم منَ المُتأخّرينَ، إذ وردَ في عيونِ الأخبارِ ( 1/154 ) ، في بابِ مجلسِ الرّضا - عليه السّلام - عندَ المأمونِ معَ أصحابِ المللِ والمقالاتِ ، وما أجابَ بهِ عليّ بن الجهمِ في عصمةِ الأنبياءِ - صلواتُ اللَّه عليهم – في حديثٍ طويل ، يقولُ فيه الرّضا - عليه السّلام: وأمّا داودُ ، فما يقولُ مَن قبلكم فيهِ ؟ فقالَ عليّ بنُ محمّدٍ بنِ الجهم : يقولونَ : إنّ داودَ - عليهِ السّلام - كانَ يُصلَّي في محرابِه ، إذ تصوّرَ لهُ إبليسُ على صورةِ طيرٍ أحسنَ ما يكونُ منَ الطَّيورِ . فقطعَ داودُ - عليهِ السّلام - صلاتَه ، وقامَ ليأخذَ الطَّيرَ . فخرجَ الطَّيرُ إلى الدّارِ . فخرجَ في أثرِه، فطارَ الطَّيرُ إلى السّطحِ . فصعدَ في طلبِه . فسقطَ الطَّيرُ في دارِ أوريا بنِ حنان . فاطَّلعَ داودَ في أثرِ الطَّيرِ . فإذا بامرأةِ أوريا تغتسلُ . فلمّا نظرَ إليها ، هواها . وكانَ قد أخرجَ أوريا في بعضِ غزواتِه فكتبَ إلى صاحبِه أن قدِّم أوريا أمامَ التّابوت . فقدّم أوريا ، فظفرَ بالمُشركينَ . فصعبَ ذلكَ على داود . فكتبَ إليه ثانيةً أن قدّمهُ أمامَ التّابوت . فقدّمَ . فقتلَ أوريا . فتزوّجَ داودُ - عليهِ السّلام - بامرأتِه . قالَ : فضربَ الرّضا - عليه السّلام - بيدِه على جبهتِه ، وقالَ : إنّا للَّهِ وإنّا إليهِ راجعون ! لقد نسبتُم نبيّاً مِن أنبياءِ اللَّهِ إلى التّهاونِ بصلاتِه ، حتّى خرجَ في أثرِ الطَّيرِ ! ثمّ بالفاحشةِ ! ثمّ بالقتلِ ! فقالَ : يا ابنَ رسولِ اللَّه ، فما كانَت خطيئتُه ؟ فقالَ : ويحكَ ! إنّ داودَ إنّما ظنّ أنّ ما خلقَ اللَّهُ - عزّ وجلّ - خلقاً هوَ أعلمُ منه . فبعثَ اللَّهُ - عزّ وجلّ - الملكينِ « فتسوّروا المحرابَ فقالوا « خَصمانِ بَغى بَعضُنا عَلى بَعضٍ فَاحكُم بَينَنا بِالحَقِّ ولا تُشطِط واهدِنا إِلى سَواءِ الصِّراطِ إِنَّ هذا أَخِي لَهُ تِسعٌ وتِسعُونَ نَعجَةً ولِيَ نَعجَةٌ واحِدَةٌ فَقالَ أَكفِلنِيها وعَزَّنِي فِي الخِطابِ » . فعجلَ داودُ - عليه السّلام - على المُدّعى عليه ، فقالَ : « لَقَد ظَلَمَكَ بِسُؤالِ نَعجَتِكَ إِلى نِعاجِهِ » ولم يسأل المُدّعي البيّنةَ على ذلك ، ولم يقبَل على المُدّعى عليه فيقولُ له : ما تقولُ ؟ فكانَ هذا خطيئةُ رسمِ حكمِه، لا ما ذهبتُم إليه . ألا تسمعُ اللَّهَ - عزّ وجلّ - يقولُ : « يا داوُدُ إِنَّا جَعَلناكَ خَلِيفَةً فِي الأَرضِ فَاحكُم بَينَ النَّاسِ بِالحَقِّ ». فقالَ : يا إبنَ رسولِ اللَّه ، فما قصّتُه معَ أوريا ؟ 

قالَ الرّضا - عليه السّلام - : إنّ المرأةَ في أيّامِ داود كانَت إذا ماتَ بعلُها أو قُتلَ ، لا تتزوّجُ بعدَه أبداً . فأوّلُ مَن أباحَ ( 4 ) اللَّهُ - عزّ وجلّ - لهُ أن يتزوّجَ بامرأةٍ قُتلَ بعلُها ، داودُ . فتزوّجَ بامرأةِ أوريا ، لمّا قُتلَ ، وإنقضَت عدّتُها منه . فذلكَ الَّذي شقّ على النّاسِ مِن قبلِ أوريا. هذا هوَ الجوابُ عن سؤالِكم. ودمتُم سالِمين.