سُئلَ الإمامُ الحُسينُ عليه السّلام عن الأدب؟ فقالَ: هوَ أن تخرجَ مِن بيتِك ، فلا تلقى أحداً إلّا رأيتَ لهُ الفضلَ عليك. ما معنى هذا الحديث؟  

: سيد رعد

السّلامُ عليكم ورحمةُ الله، 

هذا الحديثُ ذكرَه بعضُ أهلِ العلمِ مُرسلاً عن الإمامِ الحُسينِ (ع) كصاحبِ كتابِ (مِن أخلاقِ الإمامِ الحُسين ( ع )، لعبدِ العظيمِ المُهتدي البحراني، ص ٩٢) ، وكذلكَ صاحبِ كتابِ ديوانِ الإمامِ الحُسين (ع)، وغيرِهما)، لكنَّ بعضَ العامّةِ نسبَهُ إلى الحسنِ البصريّ كما في كتابِ (العقدِ الفريدِ لابنِ عبدِ ربِّه الأندلسيّ، ج ٢/ص ٢٠٢)، وبعضٌ منهم نسبَه إلى التابعيّ يوسف بنِ أسباط كما في كتابِ تاريخِ الإسلام، للذهبيّ، (ج ١٣/ص ٤٨٠). وممكنٌ أن يكونَ أصلُ الحديثِ عن الإمامِ الحُسين عليهِ السّلام وقد أخذَه هؤلاءِ عنه، وهوَ أمرٌ معروفٌ بينَ أهلِ العلم، ثُمَّ مهما يكُن مِن شيءٍ فإنّ هذا الحديثَ يحثُّ على التواضعِ في أعلى درجاتِه كما لا يخفى، وذلك لِـما للتواضعِ مِن تأثيراتٍ إيجابيّةٍ كثيرةٍ على المُجتمعِ في حالِ العملِ بها والرّجوعِ إليها والانتباهِ لخطورةِ تجاهلِها والبعدِ عنها. فالتواضعُ صفةٌ محمودةٌ تدلُّ على طهارةِ النفسِ وتدعو إلى المودّةِ والمحبّةِ والمساواةِ بينَ الناسِ ونشرِ الترابطِ ومحوِ الحسدِ والبُغضِ والكراهيةِ مِن قلوبِ الناس. لاسيّما أنّ مبدأ التواضعِ قد حثَّ عليهِ المولى عزّ وجلّ في كتابِه الكريمِ في أكثرِ مِن موضع، إذ قالَ تعالى:  

 (فَبِمَا رَحمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُم وَلَو كُنتَ فَظّاً غَلِيظَ القَلبِ لاَنفَضُّوا مِن حَولِكَ فَاعفُ عَنهُم وَاستَغفِر لَهُم وَشَاوِرهُم فِي الأَمرِ فَإِذَا عَزَمتَ فَتَوَكَّل عَلَى اللّهِ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ المُتَوَكِّلِينَ). [آلُ عمران: 159].   

وقال تعالى: (وَلاَ تَمشِ فِي الأَرضِ مَرَحاً إِنَّكَ لَن تَخرِقَ الأَرضَ وَلَن تَبلُغَ الجِبَالَ طُولاً). [الإسراءُ :37].  

وقالَ تعالى: (وَعِبَادُ الرَّحمَنِ الَّذِينَ يَمشُونَ عَلَى الأَرضِ هَوناً وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَاماً ). [الفرقانُ: 63].  

 وقالَ تعالى: (وَاخفِض جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ المُؤمِنِينَ). [المائدةُ :215].  

 وقالَ تعالى: و(َلَا تُصَعِّر خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمشِ فِي الأَرضِ مَرَحاً إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُختَالٍ فَخُورٍ). [لقمان: 18].  

ولكن ينبغي لمَن يريدُ أن يتواضعَ أن يُراعي الظرفَ الزمانيَّ والمكانيّ ومَن يتواضعُ له، إذ لا يحسنُ بالمرءِ العاقلِ الحصيفِ أن يتواضعَ في كلِّ وقتٍ وحين ولكلِّ شخصٍ، وإنّما عليهِ أن يُراعي مكانةَ مَن يتواضعُ له ومدى تأثيرِ ذلكَ عليه في قادمِ الزّمان، فلا يُحسنُ منه أن يتواضعَ عندَ المُتكبّرينَ والمُتجبّرين حتّى لا يزدادوا تكبّراً وتجبّراً في الأرض، إذ أنّ علاجَ هذا الصّنفِ منَ الناسِ إنّما يكونُ بالتكبّرِ عليهم، إذِ التكبّرُ على المُتكبّرِ تواضعٌ كما يروى عن أميرِ المؤمنينَ عليهِ السّلام، وأفضلُ الرّجالِ مَن تواضعَ عَن رفعةٍ، وزَهِدَ عَن قُدرة، وأنصفَ عن قُدرة. ودمتُم سالِمين.