ما صحة روايةِ أنّ الإمامَ عليّاً (ع) رابعُ الخلفاء، والتي يُقصدُ منها خلفاءُ الأرض ؟

سؤالي حولَ روايةِ أنّ الإمامَ عليّاً (ع) رابعُ الخلفاء، والتي يُقصدُ منها خلفاءُ الأرض، وقد قرأتُ في جوابِكم عن هذا السؤالِ أنّها روايةٌ مُرقّعةٌ، فهل نفهمُ أنّها مرفوضةٌ أو تصحّ؟  

: سيد رعد

السلامُ عليكم ورحمة الله، 

إنّ أصلَ هذهِ الروايةِ قد أخرجَها الشيخُ الصّدوقُ (ره) في كتابِه (عيونُ أخبارِ الرّضا (ع) ) في الجُزءِ الثاني في الصّفحةِ (12) فيما جاءَ عن الرّضا عليه السّلام منَ الأخبارِ المنثورة، رقمُ الحديث (22) بإسنادِه إلى إبراهيمَ بنِ محمّدٍ بنِ هارون قالَ: حدّثنا أحمدُ بنُ الفضلِ البلخيّ قال: حدّثني خالي يحيى بنُ سعيدٍ البلخيّ عن عليٍّ بنِ موسى الرّضا (ع) عن آبائِه عن عليٍّ عليه السّلام قال: بينَما أنا أمشي مع النبيّ صلّى اللّهُ عليهِ وآله وسلّم في بعضِ طُرقاتِ المدينةِ إذ لقينا شيخٌ طويلٌ كثيفُ اللحيةِ بعيدُ ما بينَ المنكبين، فسلّمَ على النبيّ صلّى اللّهُ عليهِ وآله وسلّم، ثُمَّ التفتَ إليّ فقالَ: السلامُ عليكَ يا رابعَ الخلفاءِ ورحمةُ اللّهِ وبركاتُه، أليسَ كذلكَ هوَ يا رسولَ اللّه؟ فقالَ لهُ رسولُ اللّهِ صلّى اللّهُ عليهِ وآله وسلّم: بلى، ثمَّ مضى فقلتُ: يا رسولَ اللهِ ما هذا الذي قالَ لي هذا الشيخُ وتصديقُك له ؟ فقال : أنتَ كذلكَ والحمدُ للّه ، إنّ اللّهَ عزّ وجلّ قالَ في الكتابِ: إِنِّي جاعِلٌ فِي الأَرضِ خَلِيفَةً، والخليفةُ المجعولُ فيها: آدم ، وقالَ اللّهُ عزَّ وجل : يا داودُ إِنَّا جَعَلناك خَلِيفَةً فِي الأَرض فَاحكُم بَين النَّاس بِالحَق، فهو الثاني، وقالَ عزّ وجلّ حكايةً عن موسى حينَ قالَ لهارون : اخلُفنِي فِي قَومِي وأَصلِح، فهوَ هارونُ إذِ استخلفَه موسى في قومِه فهوَ الثالثُ، وقالَ عزّ وجلّ : وأَذانٌ مِنَ اللَّه ورَسُولِه إِلَى النَّاس يَوم الحَجِّ الأَكبَرِ، فكنتَ أنتَ المُبلّغَ عن اللّهِ وعنّي، وأنتَ وليّي ووصيّي ، وقاضي ديني والمؤدّي عنّي ، وأنتَ منّي بمنزلةِ هارونَ مِن موسى ، إلّا أنّه لا نبيّ بعدي ، فأنتَ رابعُ الخلفاءِ كما سلّمَ عليكَ الشيخ، أَوَ لا تدري مَن هو ؟ قلتُ: لا ، قالَ : هوَ الخضرُ عليهِ السّلام. (انتهى الحديث).  

ثُمَّ اعلَم أخي السائل أنّ لعلمائِنا الأعلامِ مناهجَ مختلفةً في تصحيحِ الأحاديث، إذ بعضُهم يذهبُ إلى أنّ صحّةَ الحديثِ متوقّفةٌ على العملِ به مِن قِبلِ أهلِ العلم، فإن وجدَ أهلُ العلمِ وخصوصاً المُتقدّمينَ منهم يعملونَ بحديثٍ ما، فيذهبُ إلى تصحيحِه والعملِ به حتّى إن كانَ إسنادُه ضعيفاً، وبعضُهم الآخر يذهبُ إلى أنّ صحّةَ الحديثِ تتوقّفُ على وجودِه في أحدِ الكتبِ الأربعةِ المُعتمدةِ لدى الطائفةِ المُحقّة، وثالثٌ يذهبُ إلى أنّ صحّةَ الحديثِ تتوقّفُ على أن يكونَ رواتُه منَ الثقاتِ المنصوصِ على وثاقتِهم مِن قبلِ أهلِ الجرحِ والتعديل، ورابعٌ يذهبُ إلى أنّ صحّةَ الحديثِ تتوقّفُ على وجودِ القرائنِ التي تحتفُّ به، فهذهِ مُجملُ المدارسِ وأشهرُها التي تعتمدُ أساساً مُعيّناً في صحّةِ الأحاديثِ المرويّةِ عن المعصومينَ عليهم السلام، فإذا لم يكُن الباحثُ مُلِـمّاً بذلكَ إلماماً كافياً فربّما سيحكمُ على الحديثِ بالضعفِ لجهالةِ بعضِ رواتِه أو لضعفِ بعضِ رواته، وهوَ لا يدري أنّ هناكَ وجهةَ نظرٍ أُخرى لعلماء آخرينَ في مسألةِ تصحيحِ الأحاديث، ورأيُهم جديرٌ بالتقديرِ وبالاحترام، لأنّهُ مُستندٌ إلى أدلّةٍ متينةٍ مُحرّرةٍ في محلّها في علمِ أصولِ الفقهِ وكتبِ الحديثِ والرّجال، وقد نوّهنا بذلكَ آنفاً.   

زِد على ذلكَ أنّنا نبّهنا أكثرَ مِن مرّةٍ على أنّ وثاقةَ الرّواةِ لا تعني بالضرورةِ صحّةَ الحديثِ دائماً، فكم مِن حديثٍ يكونُ رواتُه ثقاتاً ولكنّه منكرٌ مِن حيثُ المتن، والعكسُ صحيحٌ، فكم مِن حديثٍ رواتُه ضعافٌ وعليه العملُ بغيرِ خلاف، وهذا الأمرُ معروفٌ بينَ أهلِ العلمِ وعندَ جميعِ المذاهبِ الإسلاميّة، ولا ينكرُه إلّا جاهلٌ أو مُكابر.  

وعليه: فليسَ صحيحاً أن نُردّدَ بغيرِ علمٍ أنّ صحّةَ الأحاديثِ تتوقّفُ على وثاقةِ رواتِه، كما يفعلُ جُهّالُ الوهابيّةِ وغيرُهم، بحيثُ كلّما رأوا حديثاً فيه ضعفٌ أو جهالةٌ في بعضِ رواتِه حكموا بضعفِه!! لأنّنا إذا سلكنا هذا المسلكَ فنحنُ - مِن حيثُ لا نشعر - نُلغي آراءَ العلماءِ الآخرينَ الذينَ يقبلونَ الروايةَ إذا كانَت مُحتفّةً بالقرائنِ المُعتبرةِ أو كانَ العملُ بها مِن قِبلِ أهلِ العلمِ بغيرِ نكير، فإذا عرفتَ ذلكَ، فاعلَم أخي السّائل أنّ كتابَ (عيونِ أخبارِ الرّضا (ع)) يُعَـدُّ منَ الكُتبِ المُعتبرةِ بينَ أهلِ العلمِ، وهذهِ الروايةُ الواردةُ فيه قد استندَ إليها كثيرٌ مِن عُلمائِنا وأوردوها في كُتبِهم مُعتمدينَ عليها ولم يُنكِرها أحدٌ منهم، وإليكَ طائفةً منهم، لتعرفَ حقيقةَ ذلك.  

1-إثباتُ الهُداةِ بالنصوصِ والمُعجزات، ج ٣، الحرُّ العامليّ، ص ٣٠  

2- البرهانُ في تفسيرِ القرآن، ج ٢، السيّدُ هاشم البحرانيّ، ص ٧٣٥  

3-الصحيحُ مِن سيرةِ الإمامِ عليّ ( ع )، ج ٨،

السيّدُ جعفر مرتضى العامليّ، ص ٩١  

4-العوالمُ، الإمامُ عليّ بن أبي طالب ( ع )، ج ١، الشيخُ عبدُ اللهِ البحرانيّ، ص ٣١٣  

5-بحارُ الأنوار، ج ٣٦، العلّامةُ المجلسيّ، ص ٤٢٠  

6-تفسيرُ الصراطِ المُستقيم، ج ٥، السيّدُ حسينٌ بنُ محمّد رضا البروجرديّ، ص ٩٣  

 7-تفسيرُ كنزِ الدقائقِ وبحرِ الغرائب، ج ١، الشيخُ محمّدٌ بنُ محمّد رضا المشهديّ، ص382

8-تفسيرُ نورِ الثقلين، ج ١، الشيخُ الحويزيّ، ص ٥٣  

9-غايةُ المرامِ وحُجّةُ الخصامِ في تعيينِ الإمامِ مِن طريقِ الخاصِّ والعامّ، ج ٢، السيّدُ هاشِم البحرانيّ، ص ٧٩  

10-مجمعُ البحرين، ج ٥، الشيخُ فخرُ الدينِ الطريحيّ، ص ٥٦  

11-مناهجُ البيانِ في تفسيرِ القرآن، ج ١، محمّد باقِر الملكيّ الميانجيّ، ص ٢٠١  

وأمّا ما ذكرتَ في سؤالِك بأنّنا حكَمنا على هذهِ الرّوايةِ بأنّها مُرقّعةٌ فليسَ صحيحاً، ولم يصدُر هذا الحُكمُ مِن قِبلِنا، بل الصوابُ أنّ الروايةَ مُعتبرةٌ حسبَ موازينِ أهلِ العلم. ودمتُم سالمين.