هل نصّ الإسلامُ على زواج القاصر؟

سألنى ملحد لماذا كان فى القدم يتزوجون البنات فى سن صغير وقال إن الإسلام نص على هذا

: الشيخ معتصم السيد احمد

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته : أباحَ الإسلامُ زواجَ البنتِ إذا وصلَت سنَّ البلوغ، الأمرُ الذي يعني صحّةَ زواجِها شرعاً في حالِ وقوعِه في هذهِ السنِّ، ولم يجعَل ذلكَ على نحوِ الوجوبِ والإلزامِ وإنّما على نحوِ الإباحةِ فقط، وعليهِ فالقولُ إنَّ الإسلامَ أمرَ بتزويجِ البنتِ في سنِّ التاسعةِ قولٌ غيرُ دقيق. والأمرُ الآخرُ إنَّ مُهمّةَ الشارعِ المُقدّسِ هيَ بيانُ الأحكامِ الشرعيّةِ مثل الوجوبِ والحُرمةِ والكراهةِ والاستحبابِ، بينَما تنحصرُ مُهمّةُ المُكلّفِ في تحديدِ موضوعاتِ تلكَ الأحكام، فالشارعُ يحكمُ مثلاً بحُرمةِ أكلِ لحمِ الخنزير، ولكنَّه لا يُبيّنُ لنا ما هوَ وكيفَ هو شكلهُ؟ لأنَّ ذلكَ وظيفةُ المُكلّفِ بحسبِ ما يحكمُ بهِ العُرف، وعليهِ عندَما يحكمُ الشارعُ بجوازِ زواجِ البنتِ عندَ بلوغِها نجدُه يوكلُ تمييزَ البالغِ عن دونِها إلى العُرف، فسنُّ البلوغِ ( ونريد من البلوغ هنا صلاحية الفتاة للمعاشرة الزوجية لا البلوغ بمعناه الشرعي) ليسَت بالضرورةِ واحدةً عندَ جميعِ الفتيات، فهيَ مُختلفةٌ مِن زمانٍ إلى زمان ومِن بيئةٍ إلى بيئة، كما أنّها مُتأثّرةٌ بكثيرٍ منَ العواملِ مثل الجيناتِ الوراثيّةِ ونوعيّةِ التغذيةِ والسلامةِ منَ الأمراضِ وغيرِ ذلك، وعليهِ المعوّلُ في تحديدِ البلوغِ ليسَ السنَّ وإنّما العلاماتُ التي يُحدّدُها العُرف، وبناءً على أنَّ العُرفَ لهُ دخلٌ في تحديدِ الموضوعاتِ يمكنُ توسيعُ دائرتِه لتشملَ تحديدَ السنِّ التي تناسبُ تزويجَ الفتاة، بذلكَ يصبحُ عُرفُ العقلاءِ هوَ المسؤولَ عن تحديدِ مَن هيَ البنتُ البالغُ التي يناسبُها الزواجُ ومَن هيَ البنتُ البالغُ التي لا يناسبُها ذلك، ومنَ المؤكّدِ أنَّ عُرفَ العُقلاءِ يشملُ أهلَ الاختصاصِ مِن أطبّاءَ وعُلماء النفسِ وعلماء التربيةِ وعلماء الاجتماع، فإذا كانَ عُرفُ العُقلاءِ يرى ضرراً حقيقيّاً على المُستوى الجسديّ أو النفسيّ أو الاجتماعي في تزويجِ البنتِ وهيَ صغيرةٌ، فإنَّ الشارعَ المُقدّسَ لا يلزمُهم بتزويجِها مِن لحظةِ بلوغِها، وعليهِ فإنَّ الأمرَ موكولٌ إلى عُرفِ العُقلاءِ وليسَ على الذوقِ الشخصيّ للأفراد، وهذا بالضرورةِ قد يختلفُ باختلافِ الثقافاتِ والأزمانِ والأعراف، فقد يكونُ في زمنٍ ما وضمنَ بيئةٍ ثقافيّةٍ واجتماعيّة مُعيّنةٍ لا إشكالَ في تزويجِ البنتِ وهيَ صغيرةٌ، كما هوَ حالُ المُجتمعاتِ قديماً أو بعضِ المُجتمعاتِ المُنعزلةِ في زمانِنا الحاضر، وفي المُقابلِ قد يكونُ ذلكَ أمراً غيرَ مُتقبّلٍ في زمنٍ آخر وضمنَ ثقافةٍ اجتماعيّةٍ أخرى، والإسلامُ بدورهِ لم يُهمِل هذهِ الأعرافَ ولذلكَ وضعَ الحدَّ الأدنى على نحوِ الإباحةِ وليسَ على نحوِ الإلزامِ والوجوب، أي أنّه لم يُوجِب تزويجَ الفتاةِ منذُ لحظةِ بلوغِها بل أباحَ ذلكَ فقط، بمعنى أنّه لم يُحدِّد السنَّ القصوى للزّواجِ وإنّما حدّدَ السنَّ الدّنيا، فحرّمَ تزويجَ البنتِ والدخولَ بها وهيَ دونَ سنِّ البلوغِ حتّى وإن كانَ ذلكَ أمراً مُستساغاً في عُرفٍ منَ الأعراف. 

وعليهِ لا وجودَ لقاعدةٍ أو عُمرٍ مُحدّدٍ يجبُ فيهِ تزويجُ الفتاة، بل هناكَ الحدُّ الأدنى وهوَ بلوغُ البنتِ سنَّ النساء، فإن كانَت الأعرافُ قديماً تتقبّلُ تزويجَ الفتاةِ وهيَ صغيرةٌ فهذا لا يعني أنّها قاعدةٌ مُلزمةٌ للجميعِ وفي كلِّ الأوقاتِ، وإنّما هيَ منَ الأمورِ المُتغيّرةِ الخاضعةِ للظروفِ الخارجيّة، ومِن هُنا لو كانَ للعُقلاءِ في هذا العصرِ موقفٌ مُخالفٌ لتزويجِ البنتِ وهيَ في سنِّ التاسعةِ مثلاً لوجودِ مفسدةٍ في ذلكَ فحينَها يجبُ مراعاةُ ذلك.