هل صحيحٌ ما يتردّدُ حولَ أنّ السيّدةَ الزهراءَ (عليها السلام) كانَت حاملاً بالسيّدةِ زينب (عليها السلام) في حديثِ الكساء؟

: سيد عبدالهادي

السلامُ عليكُم ورحمةُ اللهِ وبركاتُه،إنَّ القولَ بأنّ السيّدةَ الزهراءَ (عليها السلام) كانَت حامِلاً بالسيّدةِ زينب (عليها السلام) في حديثِ الكساء، لم نعثُر عليهِ في روايةٍ أو أثر، كما لم نعثُر عليه في كلماتِ العُلماء، فهذا القولُ أشبهُ بالاستنتاجِ مِن قضيّتين، الأولى: تاريخُ ولادةِ السيّدةِ زينب (عليها السلام)، والأخرى: تاريخُ وقوعِ حادثةِ الكساء، فينبغي الكلامُ حولَ هاتينِ القضيّتين:  أمّا القضيّةُ الأولى ـ تاريخُ ولادةِ السيّدةِ زينب (عليها السلام) ـ: فقد اختلفَت كلماتُ العلماءِ والمُحقّقين في ذلك..  وقد ذكرَ العلّامةُ الشيخُ جعفر النقديّ في [زينب العقيلة ص17 ـ 18]: « كانَت ولادةُ هذه الميمونةِ الطاهرةِ زينب (عليها السلام) في الخامسِ مِن شهرِ جُمادى الأولى، في السنةِ الخامسةِ أو السادسةِ للهجرةِ على ما حقّقَه بعضُ الأفاضل، وقيلَ: في شعبانَ في السنةِ السادسةِ للهجرة، وقيلَ: في السنةِ الرابعة، وقيلَ: في أواخرِ شهرِ رمضان في السنةِ التاسعةِ للهجرة، وهذا القولُ باطلٌ، لا يمكنُ القولُ بصحّتِه... والذي يترجّحُ عندَنا هوَ أنّ ولادةَ زينب كانَت في الخامسةِ منَ الهجرة، وذلكَ حسبَ الترتيبِ الواردِ في أولادِ الزهراءِ (عليها السلام)، أضِف إلى ذلك... إلى آخرِ كلامه ».  إذن: هناكَ خلافٌ في تحديدِ تاريخِ ولادةِ السيّدةِ (عليها السلام)، والذي يُرجّحُه بعضُ الأعلامِ هوَ أنّها في السنةِ الخامسةِ أو السادسةِ للهجرة.  أمّا القضيّةُ الثانية ـ تاريخُ حصولِ حادثةِ الكساء ـ: فقد تعدّدَت الرواياتُ الواردةُ في شأنِ نزولِ آيةِ التطهير، في أنّها نزلَت في بيتِ السيّدةِ الزهراء (عليها السلام) ـ كما هوَ مُقتضى حديثِ الكساءِ اليمانيّ المشهورِ بينَ الإماميّة في هذهِ الأعصار ـ، أو أنّها نزلَت في بيتِ السيّدةِ أمّ سلمة (رضوانُ اللهِ عليها)، أو أنّها نزلَت في بيتِ عائشةَ بنتِ أبي بكر، أو غيرِ ذلك.. والظاهرُ أنّ حادثةَ الكساءِ تكرّرَت في هذهِ البيوتِ وتكرّرَ نزولُ الآيةِ المُباركة، والكساءُ وُصفَ تارةً بأنّه يمانيّ وأخرى بأنّه خيبريّ وثالثة بأنّه فدكيّ.  ولا يُعلمُ بالتحديدِ تاريخُ نزولِ الآيةِ المُباركة وحصولُ حادثةِ الكساء، ولكِن منَ الظاهرِ أنّ توصيفَ الكساءِ بالفدكيّ والخيبريّ يدلُّ على أنّ الحادثةَ حصلَت بعدَ غزوةِ خيبر التي حصلَت في السنةِ السابعةِ للهجرة، ففي بعضِ الرواياتِ ـ كما في [مُسندِ أبي يعلى ج12 ص344] ـ عن أمّ سلمة (رضوانُ اللهِ عليها) أنّها قالت: « فألقى عليهم رسولُ الله (صلّى اللهُ عليهِ وآله وسلّم) كساءً كانَ تحتي خيبريّاً، أصبناهُ مِن خيبر »، وهوَ واضحٌ أنّ الحادثةَ حصلَت بعدَ غزوةِ خيبر.  وقد وردَ في خُطبةٍ للإمامِ الحسنِ المُجتبى (عليهِ السلام) ـ كما في الأمالي للشيخِ الطوسي ص565 ـ: « وقد قالَ اللهُ تعالى: { إِنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُذهِبَ عَنكُمُ ٱلرِّجسَ أَهلَ ٱلبَيتِ وَيُطَهِّرَكُم تَطهِيرًا }، فلمّا نزلَت آيةُ التطهيرِ جمعَنا رسولُ اللهِ (صلّى اللهُ عليهِ وآله) أنا وأخي وأمّي وأبي، فجلّلنا ونفسَه في كساءٍ لأمّ سلمةَ خيبريّ، وذلكَ في حُجرتِها وفي يومِها، فقالَ: اللهمَّ هؤلاءِ أهلُ بيتي، وهؤلاءِ أهلي وعترتي، فأذهِب عنهم الرجسَ وطهّرهم تطهيراً، فقالت أمُّ سلمة (رضيَ اللهُ عنها): أأدخلُ معهم يا رسولَ الله؟ فقالَ لها (صلّى اللهُ عليهِ وآله): يرحمُكِ الله، أنتِ على خيرٍ وإلى خيرٍ، وما أرضاني عنك، ولكنّها خاصّةٌ لي ولهم. ثمّ مكثَ رسولُ الله (صلّى اللهُ عليهِ وآله) بعدَ ذلكَ بقيّةَ عُمرِه حتّى قبضَه اللهُ إليه، يأتينا كلَّ يومٍ عندَ طلوعِ الفجر فيقولُ: (الصلاةُ يرحمُكم الله، إنّما يريدُ اللهُ ليذهبَ عنكُم الرجسَ أهلَ البيت ويطهّرَكم تطهيراً) ». وهذه الروايةُ يستفادُ مِنها أنّ النبيّ (صلّى اللهُ عليهِ وآله) كانَ يأتي ـ بعدَ نزولِ آيةِ التطهير وحادثةِ الكساء ـ إلى بابِ بيتِ عليٍّ وفاطمة (عليهما السلام) كلّ يومٍ عندَ طلوعِ الفجر ويقرأ الآيةَ الشريفة.  وقد جاءَت آثارٌ عديدةٌ في المصادرِ في تحديدِ الفترةِ التي كانَ يأتي فيها النبيُّ (صلّى اللهُ عليهِ وآله) لبابِ عليٍّ وفاطمة (عليهما السلام)، ففي روايةٍ: أربعينَ صباحاً، وفي روايةٍ: ستّةَ أشهر، وفي روايةٍ: ثمانيةَ أشهر، وفي روايةٍ: سبعةَ عشرَ شهراً، وهذهِ أكثرُ مُدّةٍ عثرنا عليها.  ومُقتضى ذلك: أنّ الآيةَ نزلَت في السنةِ التاسعةِ أو العاشرةِ للهجرة.  هذا ما يمكنُ أن يُقالَ بخصوصِ تحديدِ زمانِ نزولِ آيةِ التطهير وحادثةِ الكساء.إذن: إنّ القولَ بأنّ السيّدةَ الزهراءَ (عليها السلام) كانَت حامِلاً بالسيّدةِ زينب (عليها السلام) في حادثةِ الكساء، لم نعثُر له على دليلٍ يدلُّ عليه، ولا برهان يقتضيه، ولا شاهد يؤيّدُه، بل توجدُ شواهدُ على أنّ الحادثةَ في بيتِ أمّ سلمة حصلَت بعدَ غزوةِ خيبر التي حصلَت في السنةِ السابعةِ للهجرة، وأنّها حصلَت في أواخرِ حياةِ النبيّ الأكرمِ (صلّى اللهُ عليهِ وآله) ـ بدالّةِ مجيءِ النبيّ (صلّى اللهُ عليهِ وآله) لبابِ عليٍّ وفاطمة (عليهما السلام) كلَّ صباح ـ.وهذا لا ينسجمُ معَ القولِ بأنّ السيّدةَ زينبَ (عليها السلام) وُلدَت في السنةِ الرابعةِ أو الخامسةِ أو السادسة ـ كما عليهِ بعضُ المُحقّقينَ ـ، وإنّما قد يتلاءمُ معَ القولِ بأنّها ولدَت في السنةِ التاسعةِ للهجرة، إلّا أنّ هذا القولَ ـ كما أفادَ المُحقّقُ النقديّ ـ باطلٌ، لا يمكنُ القولُ بصحّتِه؛ لأنّ فاطمةَ (عليها السلام) توفّيَت بعدَ والدِها في السنةِ العاشرةِ أو الحاديةِ عشرَ للهجرة ـ على اختلافِ الروايات ـ، فإذا كانَت ولادةُ زينبَ في السنةِ التاسعة، وهيَ كُبرى بناتِها، فمتى كانَت ولادةُ أمّ كلثوم؟ ومتى حملَت بالمُحسنِ وأسقطَته لستّةِ أشهر؟ لأنّ المدّةَ الباقيةَ مِن ولادةِ زينب على هذا القولِ إلى حينِ وفاةِ أمّها غيرُ كافيةٍ، والذي يترجّحُ عندَنا هوَ أنّ ولادةَ زينب كانَت في الخامسةِ منَ الهجرة.. إلى آخرِ كلامِه.  نعم، ربّما أمكنَ أن يقال: يَحتمَلُ أنّ حادثةَ الكساءِ حصلَت في بيتِ السيّدةِ الزهراء (عليها السّلام) في السنةِ الرابعةِ أو الخامسةِ للهجرة مثلاً قبلَ غزوةِ خيبر، ثمّ تكرّرَت بعدَ ذلكَ بسنواتٍ في بيتِ عائشة وأمّ سلمة في أواخرِ حياةِ النبيّ الأعظمِ (صلّى اللهُ عليهِ وآله)، وبناءً على هذا الاحتمالِ يمكنُ القولُ بأنّ السيّدةَ الزهراءَ (عليها السلام) كانَت حامِلاً بالسيّدةِ زينب (عليها السلام) آنذاك.  ولكنَّ هذا مُجرّدُ احتمالٍ، لم نعثُر له على برهانٍ يدلُّ عليه، ولا على شاهدٍ يؤيّدُه، ولهذا لا يمكنُ البناءُ عليه والأخذُ به، بل هوَ مُجرّدُ احتمالٍ مُجرّدٍ عن القرائنِ والشواهد.  قد يُقالُ: لو كانَت السيّدةُ زينب (عليها السلام) موجودةً لأدخلَها النبيُّ (صلّى اللهُ عليهِ وآله) تحتَ الكساء.  أقولُ: لا نعلمُ الحكمةَ والعلّةَ في عدمِ إدخالِ السيّدةِ زينب (عليها السلام) تحتَ الكساء، ولا شكَّ أنّ السيّدةَ زينب (عليها السلام) معَ علوِّ درجتِها ومرتبتِها وشرافةِ محلّها ومنزلتِها، لا تصلُ إلى مقامِ ومرتبةِ الخمسةِ أصحابِ الكساءِ (عليهم السّلام)، فإنّهم خيرُ الخلقِ أجمعين.