هل العباس عم النبي(ص) مذموم؟

وردَ في زيارةِ النبيّ (صلّى اللهُ عليهِ وآله وسلّم) مِن بعد: « السلامُ على عمِّكَ العبّاسِ بنِ عبدِ المُطّلب »، فكيفَ يكونُ مذمومُ السيرة؟

: سيد عبدالهادي

السلامُ عليكُم ورحمةُ اللهِ وبركاتُه  لقد جاءَت رواياتٌ مُعتبَرةٌ في ذمّ العبّاسِ بنِ عبدِ المُطّلب، كما جاءَت رواياتٌ يُستفادُ مِنها حُسنُ حالِه، لكنَّ هذهِ الطائفةَ منَ الرواياتِ فيها مُناقشاتٌ في أسانيدِها ودلالاتِها.  قالَ المُحقّقُ المامقانيّ في [تنقيحِ المقال ج38 ص371ـ388]: « الأخبارُ في حقِّه مُختلفةٌ جدّاً، والذامّةُ مِنها أقوى دلالةً؛ لأنَّ ما عدّوهُ مدحاً مِنها لم يتضمّنُ مدحَ ديانتِه وتقواه، وإنّما تضمّنَ إصرارَ النبيّ (صلّى اللهُ عليهِ وآله) على إكرامِه وعدمِ هضمِه، ومنَ المُمكنِ أن يكونَ ذلكَ مِنه (صلّى اللهُ عليهِ وآله وسلّم) تأليفاً لقلبِه لتأخّرِ إسلامِه وحمايةً للحِمى، وإلّا فلولا إلّا عدمُ اهتمامِه في حفظِ حقِّ أميرِ المؤمنينِ (عليهِ السلام) في الخلافةِ وحقِّ سيّدةِ النساءِ (عليها السلام) في فدك، لكفى في عدمِ الوثوقِ به، ولولا اهتمّ في أمرِ الخلافةِ وفدك بمقدارِ ما اهتمّ في أمرِ قلعِ ميزابِه إلى المسجدِ لحفظِ الحقّينِ لِما هوَ عليهِ مِن سيادةِ بني هاشم وشيخوختِه، ولولا قولُ أميرِ المؤمنين: (بقيَت بجلفينِ جافّين: عبّاسٍ وعقيل) لكفى، وغايةُ ما يلزمُنا ـ إكراماً للنبيّ (صلّى اللهُ عليهِ وآله) السكوتُ في حقِّه، وأمّا الوثوقُ بأخبارِه فلا » ثمَّ سردَ الأخبارُ الذامّةُ والأخبارِ المادحةِ وعلّقَ عليها. ثمّ قالَ: « وبالجُملةِ، فمَن لاحظَ ما ذكرناهُ في حالِ العبّاس، والتفتَ بعدَ السبرِ للأخبارِ والتواريخِ إلى أنّه لم يطلُب شيئاً يتعلّقُ بالآخرةِ منَ النبيّ (صلّى اللهُ عليهِ وآله وسلّم)، وأنّ تمامَ همّه الدّنيا، بطلبِ البابِ، ثمَّ الميزاب، الكاشفُ عن شرفِه من رسولِ الله (صلّى اللهُ عليهِ وآله) تارةً، وطلبِ الأماكنِ الثلاثةِ أخرى، وأمثالُ ذلك، وكانَ على ذكرِ مِن قولِه تعالى: {ومَن كَانَ في هَذِهِ أَعمَى فَهُوَ فِي الآخِرَةِ أَعمَى وَأَضَلُّ سَبيلا}، لم يبقَ له وثوقٌ بتقواه، ولكِن حيثُ إنّ ألفَ عينٍ لأجلِ عينٍ تُكرَم، فغايةُ إكرامِنا له سكوتُنا في حقِّه، واللهُ العالمِ بالسرائر »، انتهى.  وقالَ السيّدِ الخوئيّ في [مُعجمِ رجالِ الحديث ج9 ص335] بعدَما أوردَ بعضَ الرواياتِ المادحةِ والذامّةِ: « ومُلخّصُ الكلام: أنَّ العبّاسَ لم يَثبُت لهُ مدحٌ، وروايةُ الكافي الواردةُ في ذمِّه صحيحةٌ السندِ، ويكفي هذا منقصةً له، حيثُ لم يهتمَّ بأمرِ عليٍّ بنِ أبي طالبٍ (عليهِ السلام) ولا بأمرِ الصدّيقةِ الطاهرةِ (عليها السلام) في قضيّةِ فدك مِعشارَ ما اهتمَّ في أمرِ ميزانِه »، انتهى.   ومنَ الأمورِ التي يُستفادُ مِنها المدح: أنّه وردَ السلامُ عليه في زيارةِ النبيّ الأكرمِ (صلّى اللهُ عليهِ وآله). وقد تعرّضَ لها السيّدُ الخُوئيّ، وأشكلَ عليها بإشكالين:  الإشكالُ الأوّل: أنّ هذهِ الزيارةَ أوردَها جُملَةٌ منَ الأعلامِ كالمُفيدِ وابنِ طاووس والشهيد، ولكنّها خاليةٌ عن ذكرِ الإسناد، بل وغير منسوبةٍ للمعصومِ (عليهِ السلام) فلا يُعلَمُ أنّها صادرةٌ عن الإمامِ (عليهِ السلام)، وهذهِ مُناقشةٌ صدوريّة.  الإشكالُ الثاني: أنّهُ يكفي في المُسلَّمِ عليهِ أن يكونَ مُسلّماً، ولا إشكالَ عندَنا في أنّ العبّاسَ كانَ مُسلِماً، فلا مانعَ منَ التسليمِ عليهِ كرامةً لرسولِ اللهِ (صلّى اللهُ عليهِ وآله)، وهذهِ مُناقشةٌ دلاليّة.  قالَ السيّدُ الخُوئيّ: « ومِنها: ما وردَ منَ التسليمِ عليهِ في زيارةِ رسولِ الله (صلّى اللهُ عليهِ وآله) مِن بعيد. ولكنَّ هذا أيضاً لا يتمُّ، فإنّه لا إشكالَ في إسلامِ العبّاس، فلا مانعَ منَ التسليمِ عليهِ كرامةً لرسولِ اللهِ صلّى اللهُ عليهِ وآله، على أنّه لم يثبُت صدورُ هذه الزيارةِ منَ المَعصومين (عليهم السلام) »، انتهى.