معنى قول الإمام (ع): نحن أسماء الله الحسنى

السؤال: ما معنى الحديث الذي رواه الكُلينيّ بإسناده عن معاوية بن عمار، عن أبي عبد الله (ع) في قول الله عز وجل: {وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا} قال: «نحن - والله - الأسماء الحسنى التي لا يقبل الله من العباد عملاً إلاّ بمعرفتنا» [الكافي ج1 ص144] ؟

: السيد أبو اَلحسن علي الموسوي

الجواب:

بسم الله الرحمن الرحيم

اعلم - أيدك الله - أنَّ الاسم لغةً مأخوذ من السِّمَة، وهي العلامة، وهذا يعني أنّ الاسم هو: ما يدلّ على المسمّى؛ فلابدّ حينئذ أنْ يكون أحدهما غير الآخر، كما جاء ذلك في الرواية عن أبي عبد الله الصادق (عليه السلام) حيث قال: «الاسم غير المسمّى ، فمن عبد الاسم دون المعنى فقد كفر ولم يعبد شيئاً، ومن عبد الاسم والمعنى فقد أشرك وعبد اثنين، ومن عبد المعنى دون الاسم فذلك التوحيد» [الكافي ج2 ص114]، وبذلك يظهر لك فساد ما ذهب إليه علماء العامّة: من أنّ الاسم عين المسمى.

وإذا عرفت ذلك، فاعلم أنَّ معنى قول الإمام (عليه السلام) «نحن – والله – الأسماء الحسنى» قد ذُكرت له عدّة تفسيرات ومعانٍ، نوجزها بالبيان التالي:

المعنى الأوّل: أنْ يكون المراد بالأسماء الحسنى أسماؤهم (عليهم السلام)، وإنّما نسبها الله تعالى إليه لأنَّه هو الذي سمَّاهم بها قبل خلقهم كما دلَّ عليه بعض الروايات مثل ما جاء في كتاب «فرائد السمطين»، في حديثٍ قدسيٍّ طويلٍ، فيه إشارة إلى أصحاب الكساء سلام الله عليهم أجمعين، يقول عزَّ من قائل مخاطبا نبيَّه آدم (عليه السلام) : «هؤلاء خمسة شققت لهم أسماءً من أسمائي، لولاهم ما خلقت الجنة ولا النار ولا العرش ولا الكرسي ولا السماء ولا الأرض ولا الملائكة ولا الإنس والجن، فأنا المحمود وهذا محمد، وأنا العالي وهذا علي، وأنا الفاطر وهذه فاطمة، وأنا الإحسان وهذا الحسن، وأنا المحسن وهذا الحسين» [فرائد السمطين ج1 ص37].

وفي الأدعية المشهورة جاء: «إلهي بحق محمدٍ وأنت المحمود، وبحق عليٍّ وأنت الأعلى، وبحق فاطمة وأنت فاطر السماوات والأرض، وبحق الحسن وأنت المحسن، وبحق الحسين وأنت قديم الإحسان» [اللمعة البيضاء ص98].

وفي الحديث القدسي: «إنّي خلقت فاطمة وشققت لها اسماً من أسمائي، فهي فاطمة وأنا فاطر السماوات والأرض» [تفسير الإمام العسكريّ ص٢٢٠].

روى صاحب در الثمين في تفسير قوله تعالى: {فتلقَّى آدم من ربِّه كلماتٍ فتاب عليه} إنه رأى ساق العرش والأسماء عليه فلقنه جبرئيل وقال له: «قل يا حميد بحق محمد، يا عالي بحق علي، يا فاطر بحق فاطمة، يا محسن بحق الحسن، يا قديم الاحسان بحق الحسين» [منتخب الطريحيّ ص144].

المعنى الثاني: أو يراد بها ذواتهم القدسيَّة؛ فإنّها علاماتٌ ظاهرةٌ لوجود ذاته وصفاته، وصفاتهم النوريَّة بيّناتٌ واضحةٌ لتمام أفعاله وكمالاته، وإنّما وصفهم بالحسنى - مع أنَّ غيرهم من الموجودات أيضاً علاماتٌ وبيّناتٌ - لما وجد فيهم من الفضل والكمال، ولمع منهم من الشرف والجلال ما لا يقدر على وصفه لسان العقول ولا يبلغ إلى كنهه أنظار الفحول، فهم مظاهر الحق وأسماؤه الحسنى وآياته الكبرى، فلذلك أمر سبحانه عباده أنْ يدعوه ويعبدوه بالتوسل بهم والتمسّك بذيلهم ليخرجوا بإرشادهم عن تيه الضلالة والفساد ويسلكوا بهدايتهم سبيل الحق والرشاد، فهم مظاهر علمه وقدرته ورحمته وحلمه وسائر أسمائه وصفاته جلَّ وعلا، كما يشهد بذلك قوله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} [الأنبياء: 107]، فالنبيّ (صلّى الله عليه وآله) هو تجلّي لأسماء الله (الرحمن الرحيم والرؤوف)؛ ولذا وصفه جلّ وعلا بقوله: {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ} [التوبة: 128]، ومع أنّ الخلائق كلَّها من مظاهرِ أسماء الله الحسنى، إلا أنَّهم (عليه السلام) لمّا كانوا أكملَ خلقه تعالى فقد صاروا أجلى مظاهرِ أسمائه الحسنى.

المعنى الثالث: لا ريب في أنّ لأسمائه تعالى أسراراً عظيمة ليس من السهل لنا - نحن عوام البشريَّة -إدراكها والإحاطة بها، وهي جميعا تمثّل طرقاً موصلةً إليه جلّ شأنه، وإلى نَيل ما عنده من الرحمة والمغفرة، وحصول النعمة وقبول الأعمال وبلوغ مرضاته تعالى والفوز بجنّاته إلى غير ذلك من حوائج الدنيا والآخرة؛ ولذا قال عزّ من قائل: {وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا} [الأعراف: 180]، وحينئذٍ يكون المراد بذلك أنَّهم الحافظون لأسماء الله الحسنى، المحيطون بمعرفتها، فيكون قوله (عليه السلام): «نحنُ - واللهِ - الأسماءُ الحُسنَى» على تقدير محذوف، أي أنَّ الأسماء الحسنى متعلِّقٌ بمحذوف فكأنَّه قال: نحن المحيطون بأسماء الله الحسنى؛ لذلك لا يقبل الله تعالى عملاً إلا بهم (عليهم السلام) وبمعرفتهم؛ لأنَّهم واجدون لهذا المقام وهو مقام الإحاطة بمعرفة أسماء الله تعالى، أي: مقام المعرفة بالطرق الموصولة إليه تعالى.

ويؤيّد هذا المعنى: ما رواه الكُلينيّ عن أبي حمزة الثُماليّ عن الإمام الباقر (عليه السلام) قال: «يا أبا حمزة، يخرج أحدكم فراسخ فيطلب لنفسه دليلاً، وأنت بطرق السماء أجهل منك بطرق الأرض، فاطلب لنفسك دليلاً» [الكافي ج1 ص185]، فهم (عليهم السلام) محيطون بتلك الأسماء أي بتلك الطرق، فيكونون - حينئذٍ - هم الأدلاء عليه والموصلين إليه دون غيرهم من الخلائق بلا شكّ؛ ولذلك أناط قبول الأعمال بهم وبمعرفتهم وهذا ما جاء في كلام الصادق (عليه السلام) إذ يقول: «نحن الأدلاء على الله» [التوحيد للصدوق ص185].

يمكنكم مراجعة: [مرآة العقول ج2 ص116، شرح أصول الكافي ج4 ص221، الوافي ج1 ص491].

نكتفي بهذا القدر والحمد لله أوّلاً وآخراً.