هل أسماء الملائكة التي نعرفها هي أسماؤها الحقيقية في عالم الغيب؟

السؤال: جبريل وميكائيل وإسرافيل وعزرائيل، هذه كلُّها كلماتٌ ذات أصلٍ عبريّ/آراميّ، فلفظ جبريل (גַבְרִיאֵל) متكوِّنٌ من مقطعين: جبرا وتعني قوَّة، وإيل وتعني الله، فجبرائيل تعني قوَّة الله. ميكائيل أو ميخائيل، (מִיכָאֵל) وهو رئيس الملائكة في اليهوديَّة والمسيحيَّة، اسمه متكّونٌ من مقطعين ويعني: "من مثل الله؟" إسرافيل والراجح أنَّه تحريفٌ لرافائيل (רָפָאֵל) ومتكونٌ من مقطعين: رافا وتعني يشفي، وإيل وتعني الله، فرافائيل/إسرافيل تعني الله الذي يشفي. عزرائيل هو ملك الموت في اليهوديَّة، رغم أنَّه لا يظهر في التوراة ولا في التلمود، بل في تقاليد يهوديَّةٍ لاحقةٍ وفولكلور، وهو متكونٌ من مقطعين: "عزر" أي "أعان" وإيل هو الله، فمعناه: الذي يعينه الله. هذه بعض أسماء الملائكة الكبار في الديانات الإبراهيميَّة، والسؤال هنا: لماذا تحمل أسماءً عبريَّةً؟ أعيد طرح السؤال بطريقةٍ أُخرى: من المفترض أنَّ هذه الملائكة مخلوقةٌ قبل وجود اليهود، وقبل أنْ توجد اللغة العبريَّة أصلاً، فما هي أسماؤها الأصليَّة؟ مع العلم أنَّ اليهود يعتقدون أنَّ العبريَّة لغة أهل الجنَّة، وانتقلت هذه الإشاعة إلى الأحاديث في الإسلام فأصبحت العربيَّة لغة أهل الجنَّة أيضاً، لكن لنظلَّ في موضوعنا: كيف تحمل هذه الملائكة أسماءًعبريَّةً رغم أنَّها من المفترض مخلوقةٌ قبل وجود الإنسان وقبل وجود العبريَّة أصلاً؟ فإذا أجابنا أحدهم قائلاً: كان لها أسماءٌ لكن ترجمها الله إلى العبريَّة حين أنزل التوراة، فحينها نسأل إذن لماذا لم يترجم أيضاً أسماءها إلى العربيَّة حين أنزل القرآن؟ وإنَّما أبقى على المعنى والأصل العبريّ؟ يتساءل مراقبون.

: الشيخ معتصم السيد احمد

الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم

هذا السؤال أو الإشكال مبنيٌّ على افتراضٍ خفيٍّ، وهو أنَّ هذه الأسماء هي الأسماء الأصليَّة الذاتيَّة للملائكة في عالم الغيب قبل وجود البشر واللغات؛ ولذا كان سؤاله: كيف تكون هذه الأسماء "عبريَّةً" وهي سابقةٌ على العبريَّة أصلاً؟ بينما هذا الافتراض نفسه لا دليل عليه، بل هو إسقاطٌ لطبيعة التسمية البشريَّة على عالم الغيب.

فالذي نعرفه من النصوص الدينيَّة هو أنَّ هذه الأسماء وردت في لغات البشر التي نزل بها الوحي، أي أنَّ هذه الأسماء هي صياغاتٌ لغويَّةٌ بشريَّةٌ لما أُخبِرنا به عن تلك الموجودات.

وبعبارةٍ أوضح: نحن لا نصل إلى الملائكة مباشرةً، بل نصل إليها عبر اللغة، واللغة بطبيعتها تُلبس المعاني ألفاظاً من بيئة المخاطَبين {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ} أي بلغةٍ يفهمها الناس، وليس بلغةٍ غيبيَّةٍ مجهولةٍ.

من هنا يتَّضح أنَّ قولنا "جبريل" بالعربيَّة، أو "Gabriel" بالعبريَّة، ليس نقلاً حرفيّاً لاسمٍ غيبيٍّ، بل هو تمثيلٌ لغويٌّ لمعنىً أو لاسمٍ عُلِّم للأنبياء بما يناسب لغتهم.

ومن الواجب التنبيه إلى أنَّ هذه الأسماء ليست أسماءً جامدةً، بل تحمل معانٍ وصفيَّةً فجبريل مرتبطٌ بالقوَّة، وميكائيل مرتبطٌ بالتعظيم الإلهيّ … وهذا يشير إلى أنَّ التسمية أقرب إلى "تعريفٍ بالوظيفة أو الصفة" منها إلى "اسم علمٍ اعتباطيّ"، وهذا أمرٌ مألوفٌ حيث تحمل الأسماء معانٍ وصفيَّةً.

أما السؤال: لماذا لم تُترجم هذه الأسماء إلى العربيَّة في القرآن؟

فالجواب أنَّ القرآن لم يتعامل مع هذه الأسماء بوصفها "نصوصاً عبريَّةً يجب ترجمتها"، بل بوصفها أسماء أعلامٍ معروفةً في التراث الدينيّ السابق، فحافظ على صيغتها القريبة (جبريل، ميكائيل)، مع تعريبها صوتيّاً لتناسب العربيَّة، وهذا يشبه تماماً "إبراهيم" و"موسى" و"عيسى"، وهي أسماءٌ ذات أصولٍ ساميَّةٍ قديمةٍ، ولم تُترجم إلى معانيها، بل نُقلت بوصفها أعلاماً، فلو تُرجمت "جبريل" إلى "قوَّة الله"، لانتقلنا من "اسم علمٍ" إلى "وصفٍ"، وضاعت هويَّة الاسم.

ويبقى السؤال: هل هذا يعني أنَّ للملائكة أسماءً أخرى في عالم الغيب لا نعرفها؟

هذا ما لا يمكن الإجابة عنه بشكلٍ قطعيٍّ؛ لأنَّ عالم الغيب لا يخضع لقوانين لغتنا البشريَّة، والذي يهمُّنا دينيّاً ليس الاسم في ذاته، بل المعنى الذي نُعرَّف به هذا الكائن ودوره ووظيفته. فسواءٌ كان اسمه في عالم الغيب مختلفاً، أو كان له اسمٌ لا نعلمه، فهذا لا يؤثِّر على جوهر الإيمان به.

وفي المحصَّلة، هذه الأسماء ليست دليلاً على أنَّ الملائكة يهوديَّة الهويَّة، بل هي دليلٌ على أنَّ الوحي يخاطب الناس بلغاتهم، ويستخدم الألفاظ المشتركة في العائلة اللغويَّة الساميَّة.