متى بدأ العمل بالتقية في الإسلام؟

السؤال: متى بدأ تحديداً العمل بالتقيَّة في الإسلام؟

: السيد أبو اَلحسن علي الموسوي

الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم

اعلم - أيّدك الله - أنَّ العمل بالتقيَّة بدأ منذ فجر الدعوة الإسلاميَّة في مكة، حيث انعقدت مشروعيَّتها الفعليَّة مع اشتداد وطأة التنكيل بالرعيل الأول من المستضعفين، وقد جرى تنصيص الشارع المقدَّس على ترخيص إبداء الكفر وإضمار الإيمان صيانةً للنفوس المحترمة من التلف، وهو ما استظهره جملةٌ من المفسرين كمعاذٍ ومجاهدٍ بقولهما: (إنَّ التقيَّة كانت في جدّة الإسلام، وقبل أنْ يستحكم القوام وتشتد شوكة المسلمين) [تفسير القرطبي ج4 ص57].

وقد أشار القرآن الكريم لذلك في عدة آياتٍ منها:

1ـ قوله (عز وجل): {لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ} [آل عمران: 29].

هذه الآية نزلت في الحجاج بن عمرو وكهمس بن أبي الحقيق وقيس بن زيد -وهؤلاء كانوا من اليهود ‌يباطنون ‌نفراً ‌من ‌الأنصار ‌ليفتنوهم عن دينهم -فقال رفاعة ابن المنذر وعبد الله بن جبير وسعيد بن خيثمة لأولئك النفر: اجتنبوا هؤلاء اليهود واحذروا لزومهم ومباطنتهم لا يفتنوكم عن دينكم، فأبى أولئك النفر إلَّا مباطنتهم وملازمتهم، فأنزل الله تعالى هذه الآية [أسباب النزول ص102].

2ـ قوله (عز وجل): {مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [النحل: 106].

هذه الآية نزلت في عمار بن ياسر وأصحابه، فقد أخرج ابن سعد وعبد الرزاق وغيرهما بالإسناد إلى أبي عبيدة بن محمد بن عمّار بن ياسر، في قوله: {إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ} قال: «أخذ المشركون عمّاراً، ‌فلم ‌يتركوه، ‌حتَّى ‌سبّ رسول الله (ص)، وذكر آلهتهم بخير، فلما أتى رسول الله (ص) قال: ما وراءك؟ قال: شرٌّ، يا رسول الله، ما تُرِكتُ حتَّى نلتُ منك، وذكرتُ آلهتهم بخير، فقال رسول الله (ص): فكيف تجد قلبك؟ قال: أجد قلبي مطمئناً بالإيمان، قال: فإنْ عادوا، فعد» [الطبقات الكبرى ج3 ص249، تفسير عبد الرزاق ج2 ص360، جامع البيان ج 14 ص182، حلية الأولياء ج1 ص 140، المستدرك ج2 ص389].

3ـ قوله (عز وجل): {إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلآئِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُواْ فِيمَ كُنتُمْ قَالُواْ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالْوَاْ أَلَمْ تَكُنْ أرضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا فَأُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءتْ مَصِيرًا * إِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاء وَالْوِلْدَانِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلاَ يَهْتَدُونَ سَبِيلاً} [النساء: 97ـ98].

هذه الآية نزلت في أناسٍ تكلّموا بالإسلام من أهل مكة، فخرجوا مع عدوِّ الله أبي جهل.. عذَرهم الله فاستثناهم، فقال: {فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَن يَعْفُوَ عَنْهُمْ ۚ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا} قال: وكان ابن عباسٍ يقول: كنتُ أنا وأمي من الذين لا يستطيعون حيلةً ولا يهتدون سبيلاً [تفسير الطبري ج9 ص108].

وقد أباحت السنة المحمديَّة بعد إباحة القرآن التقيَّة للأمة رخصةً ترفع عنهم العسر والحرج، فقد رُوي: أنَّ مسيلمة الكذاب أخذ رجليْن فقال لأحدهما: ما تقول في محمدٍ؟ قال: رسول الله. قال: فما تقول فيَّ؟ فقال: أنت أيضاً. فخلاّه [أي أطلق سراحه]. وقال للآخر: ما تقول في محمدٍ؟ قال: رسول الله. قال: فما تقول فيَّ؟ فقال: أنا أصمّ، فأعاد عليه ثلاثاً، فأعاد ذلك في جوابه، فقتله. فبلغ رسول الله (ص) خبرهما فقال: أما الأوّل فقد أخذ برخصة الله تعالى، وأما الثاني فقد صدع بالحقّ فهنيئاً له» [تفسير الكشاف ج2 ص637، تفسير الرازي ج20 ص275].

والمحصّل: أنَّ العمل بالتقيَّة قد تقرر شرعاً وتطبع فعلاً منذ الرعيل الأول لبزوغ شمس الرسالة الخاتمة؛ وذلك رعايةً لحال الاستضعاف الذي أحاط بجماعة المؤمنين في مستهل الدعوة، وتحصيناً للنفوس من بطش الخصوم في ظرفٍ كانت فيه القلة العدديَّة والضعف المادي هما السمة الغالبة على المشهد الإيماني وقد أشارت إليه النصوص القرآنيَّة والسنة المحمديَّة.

نكتفي بهذا القدر، والحمد لله أولاً وآخراً.