نزول الله تعالى إلى السماء الدنيا

السؤال: في حديثٍ عن الإمام الصادق (عليه السلام) بمسألة نزول الله للسماء الدنيا، يسأله السائل: «أنَّه ينزل إلى السماء الدنيا؟ قال أبوعبدالله (ع): نقول ذلك؛ لأنَّ الروايات قد صحَّت به والأخبار. قال السائل: فإذا نزل أليس قد حال عن العرش، وحؤوله عن العرش صفةٌ حدثت؟ قال أبوعبدالله (ع): ليس ذلك منه ما يوجد من المخلوقين الذي تنتقل باختلاف الحال عليه، والملالة، والسأمة، وناقلةٍ ينقله ويحوله من حالٍ الى حالٍ، بل هو تبارك وتعالى لا يحدث عليه الحال، ولا يجري عليه الحدوث، فلا يكون نزوله كنزول المخلوق الذي متى تنحَّى عن مكانٍ الى مكانٍ خلا منه المكان الأول، ولكنَّه ينزل إلى السماء الدنيا بغير معاناةٍ وحركةٍ؛ فيكون كما هو في السماء السابعة على العرش، كذلك هو في السماء الدنيا، إنَّما يكشف عن عظمته ويرى أولياءه نفسه حيث شاء، ويكشف ما شاء من قدرته، ومنظرُهُ في القرب والبعد سواء». ما معنى هذا الحديث؟ وما معنى النزول إذا كان كلُّ شيءٍ لله بالقرب والبعد سواء؟

:  الشيخ أمير الخزاعي

الجواب:

بسم الله الرحمن الرحيم

يقع الكلام في هذا الحديث في نقطتين:

النقطة الأولى: سند الحديث ومصدره:

فإنَّ الحديث المنقول في السؤال، هو مقطعٌ من حديثٍ طويلٍ نقله الشيخ الصدوق في كتاب التوحيد، ولا بدَّ من التوقّف عند نقطتين ترتبطان بسنده ومصدره:

أمّا أوّلًا: من جهة السند:

فالحديث مرويٌّ بالسند الآتي: (عليّ بن أحمد بن محمّد بن عمران الدقّاق، قال حدّثنا أبو القاسم العلويّ، قال حدّثنا محمّد بن إسماعيل البرمكيّ، قال حدّثنا الحسين بن الحسن، قال حدّثني إبراهيم بن هاشم القمّيّ، قال حدّثنا العبّاس بن عمرو الفقيميّ، عن هشام بن الحكم).

ويلاحظ على هذا السند اشتماله على جهتين إشكاليتين، وهما (الحسين بن الحسن)، وهو الدينوريّ، و(العبّاس بن عمرو الفقيميّ)؛ إذ لم يرد لهما ذكرٌ ولا ترجمةٌ في كتب الرجال، فهما مجهولان. ومن ثمَّ فإنَّ السند، من هذه الجهة، لا يثبت اعتباره، لجهالة راويين من رواته.

وأمّا ثانياً: من جهة المصدر:

فإنَّ هذا الحديث منقولٌ عن كتاب التوحيد للشيخ الصدوق، غير أنَّ العبارة محلَّ الاستدلال لم تثبت في جميع نسخ الكتاب، وإنَّما وردت في نسخةٍ واحدةٍ فقط، وهي نسخةٌ مطبوعةٌ طبعةً حجريَّةً، وأثبتها محققّ الكتاب في الهامش لا في المتن الأصليّ، وقد نبّه على هذه الملاحظة العلّامة المجلسيّ عند نقله هذا الخبر، حيث قال: (أقول: من قوله: «قال السائل، إلى آخر كلامه»، لم يكن في أكثر النسخ، وليس في الاحتجاج أيضاً) [بحار الأنوار ج3 ص332].

وبناءً على هاتين النقطتين، يتبيّن أنَّ الحديث يعاني من ضعفٍ في السند، ومن جهة المصدر، الأمر الذي ينعكس مباشرةً على قيمة الاستدلال به قبل الدخول في بحث دلالته ومضمونه.

النقطة الثانية: دلالة الحديث:

وأمّا من حيث الدلالة، فيمكن البحث فيها من جهتين:

الأولى: إنَّ الحديث بظاهره مخالفٌ لقطعيَّات المذهب، بل لقطعيَّات الدين، القاضية بنفي المكان والزمان عن الله تعالى، وقد ذكر الشيخ الصدوق في نفس الكتاب، في الباب الثامن والعشرين الذي سمّاه بـ(باب نفي المكان والزمان والسكون والحركة والنزول والصعود والانتقال عن الله عزّ وجلّ)، ما يقرب من عشرة أحاديث تدلّ على هذا المعنى دلالةً واضحةً، كما ورد ذلك في غير هذا الكتاب أيضاً.

فقد روي عن الإمام الصادق (عليه السلام)، في حديثٍ طويلٍ، أنَّه ذكر عنده قومٌ يزعمون أنَّ الله تبارك وتعالى ينزل إلى السماء الدنيا، فقال (عليه السلام): «إنَّ الله لا ينزل ولا يحتاج إلى أن ينزل، إنَّما منظره في القرب والبعد سواءٌ، لم يبعدْ منه قريبٌ، ولم يقربْ منه بعيدٌ، ولم يحتجْ إلى شيءٍ، بل يحتاج إليه، وهو ذو الطّول، لا إله إلا هو العزيز الحكيم. أمّا قول الواصفين: إنَّه ينزل تبارك وتعالى، فإنَّما يقول ذلك من ينسبه إلى نقصٍ أو زيادةٍ، وكلّ متحرّكٍ محتاجٌ إلى من يحرّكه أو يتحرّك به، فمن ظنّ بالله الظنون هلك..» [الكافي ج1 ص125].

وقد ورد في نفس الباب أحاديث كثيرةٌ أخرى، تكاد تبلغ حدّ الاستفاضة.

الثانية: وعلى فرض قبول صدور الحديث، فإنَّ ظاهره قابلٌ للتوجيه والتأويل، بأن يقال: إنَّ النزول ليس بمعنى الانتقال المكانيّ أو قطع المسافة، بل المراد به نزول الأمر الإلهيّ إلى السماء الدنيا.

وأمّا قوله: «يري أولياءه نفسه»، فليس المقصود به رؤية الذات الإلهيَّة، بل المراد إظهار عجائب قدرته وبديع صنعه، وقد جرتْ عادة الناس أنْ يقولوا عن السلطان إذا أبرز قوّته وجنده وخيله ورجله: «قد أظهر نفسه». فيحمل الكلام على هذا المعنى المجازيّ، الدالّ على تجلّي القدرة الإلهيَّة وعظمة الخلق دلالةً عرفيَّةً.

وقد أشار إلى هذا التأويل والتفسير العلّامة المجلسيّ، نقلاً عن الشيخ الصدوق، حيث قال: (وقوله: «في النزول» ليس بمعنى الانتقال وقطع المسافة، ولكنّه على معنى إنزال الأمر منه إلى سماء الدنيا؛ لأنَّ العرش هو المكان الذي تنتهي إليه أعمال العباد من السدرة المنتهى إليها، وقد يجعل الله (عزّ وجلّ) السماء الدنيا في الثلث الأخير من الليل، وفي ليالي الجمعة، مسافة الأعمال في ارتفاعها أقرب منها في سائر الأوقات إلى العرش) [بحار الأنوار ج3 ص334].

ويؤيّد هذا التفسير، بل يدلّ عليه دلالةً صريحةً، ما ورد في مصادر متعدّدةٍ، وفي نفس كتاب التوحيد، عن الإمام الرضا (عليه السلام). فقد سأله الراوي قائلاً:

«قلت للرضا (عليه السلام): يا ابن رسول الله، ما تقول في الحديث الذي يرويه الناس عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) أنَّه قال: إنَّ الله تبارك وتعالى ينزل كلّ ليلةٍ إلى السماء الدنيا؟ فقال (عليه السلام): لعن الله المحرّفين الكلم عن مواضعه، والله ما قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) كذلك، وإنَّما قال: إنَّ الله تبارك وتعالى ينزل ملكاً إلى السماء الدنيا كلّ ليلةٍ في الثلث الأخير، وليلة الجمعة في أوّل الليل، فيأمره فينادي: هل من سائلٍ فأعطيه؟ هل من تائبٍ فأتوب عليه؟ هل من مستغفرٍ فأغفر له؟ يا طالب الخير أقبلْ، يا طالب الشرّ أقصرْ. فلا يزال ينادي بهذا حتّى يطلع الفجر، فإذا طلع الفجر عاد إلى محلّه من ملكوت السماء» [التوحيد ص176].

وهذه الرواية صريحةٌ في بيان المراد من الحديث، ومبيّنةٌ لمعناه الحقيقيّ، بحيث ترفع كلّ شبهةٍ في حمله على النزول المكانيّ أو الحركة والانتقال، فهي تفسّر النزول بنزول الأمر الإلهيّ بواسطة الملك، لا بنزول الذات الإلهيَّة تعالى عن ذلك علوّاً كبيراً.

و يمكن توجيه وتفسير الرواية من وجهٍ آخر من خلال دراسة عدّة الروايات، ونقول:

إنَّ المراد بالنزول يمكن فهمه من هذه العبارة الواردة في الرواية: «هو في السماء السابعة على العرش، وكذلك هو في السماء الدنيا»، فإنَّها تمثّل مفتاح فهم المراد من هذا الحديث؛ إذ تلغي حقيقةَ المسافات المكانيَّة، وتؤكّد أنَّ حضور الله تعالى حضورٌ قيّوميٌّ شاملٌ، قائمٌ بالعلم والقدرة والإحاطة، لا يحدّه حيّزٌ ولا يقيّده مكانٌ.

فالنزول الوارد في هذا الحديث إنَّما هو تعبيرٌ عن رحمةٍ إلهيَّةٍ تقترب من العباد، وتكشف لهم من عظمة الخالق فهو أسلوبٌ بيانيٌّ، لا يراد به المعنى الحقيقيّ بل المعنى المجازيّ، وأريد به تقريب المعنى إلى ذهن الإنسان، فجاءت الروايات بلغة «النزول» لتعلّمنا أنَّ الله العظيم المتعالي، الذي يعبّر عنه بالعلوّ والعرش، هو نفسه الإله القريب المجيب، الذي يسمع دعاء عباده ويفيض عليهم رحمته من غير أن يحدّه مكانٌ أو جهةٌ.