هل صح عند العامة معرفة أمير المؤمنين (ع) بقاتله؟
السؤال: قيل: إنَّ الروايات التي تقول بأنَّ علياً قال عن ابن ملجم كيف أقتل قاتلي قد رواها عبد الرزاق الصنعانيّ، وهو من رواة الشيعة، وله مناكير وغرائب، فهل صحَّ عند العامة أنَّ أمير المؤمنين (عليه السلام) كان يعرف قاتله؟
الجواب:
بسم الله الرحمن الرحيم
في البداية، لا يخفى أنَّ أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) كان على درايةٍ بأنَّ خاتمة حياته ستكون بالشهادة قتلاً؛ وذلك لما أخبره به النبيّ الأعظم (صلَّى الله عليه وآله)، كما كان (عليه السلام) عالماً بشخص قاتله، وأنَّه أشقى الآخرين عبد الرحمن بن ملجم (لعنه الله تعالى)، وقد دلَّت على هذه الحقيقة روايات الفريقين، نكتفي بذكر قسمٍ منها رغبةً في الاختصار، وخشية التطويل.
1ـ روى أحمد بسندٍ صحيح عن فضالة بن أبي فضالة الأنصاريّ، -وكان أبو فضالة من أهل بدر -، قال: «خرجتُ مع أبي عائداً لعليّ بن أبي طالبٍ من مرضٍ أصابه ثقلٌ منه، قال: فقال له أبي: ما يقيمك في منزلك هذا؟ لو أصابك أجلك لم يلك إلَّا أعراب جهينة، تحمل إلى المدينة، فإنْ أصابك أجلك ولِيك أصحابُك وصلُّوا عليك؟ فقال عليٌّ: إنَّ رسول الله (صلَّى الله عليه [وآله] وسلَّم) عَهِد إليَّ أنْ لا أموت حتَّى أؤمَّر ثمَّ تخضَّب هذه ـ يعني لحيته ـ من دم هذه ـ يعني هامته ـ فقتل، وقتل أبو فضالة مع عليٍّ يوم صفِّين» [مسند أحمد ج1 ص515، تحقيق أحمد شاكر].
2ـ وروى أبو داوود الطيالسيّ بسنده إلى زبيد بن وهب قال : «جاء رأس الخوارج إلى عليِّ فقال له: اتق الله، فإنك ميِّت، فقال: لا والذي فلق الحبَّة وبرأ النسمة، ولكني مقتولٌ من ضربةٍ من هذه، تخضب هذه وأشار بيده إلى لحيته، عهدٌ معهود، وقضاءٌ مقضى، وقد خاب من افترى» [مسند أبي داوود ص23]. إلى غيرهما من الروايات الدالَّة على أنه (عليه السلام) مقتولٌ شهيد.
معرفته بقاتله:
وأمَّا معرفته (عليه السلام) بقاتله، فإنَّ إخبار النبيّ الأعظم (صلَّى الله عليه وآله) له بأنَّ قاتله هو أشقى الآخرين يدلُّ على إخباره بشخصه وهويته، كما هو بيِّن. مضافاً إلى ما سوف يأتي من التصريح باسمه وأنه عبد الرحمن بن ملجم.
1ـ فقد روى ابن سعد بسنده إلى أبي بكر بن عبيد الله بن أنس، أو أيوب بن خالد أو كليهما، أخبرنا عبيد الله «أنَّ النبيّ قال لعلي: يا علي، من أشقى الأوَّلين والآخرين؟ قال: الله ورسوله أعلم، قال: أشقى الأوَّلين عاقر الناقة، وأشقى الآخرين الذي يطعنك يا علي، وأشار إلى حيث يُطعن» [الطبقات الكبرى ج3 ص 32].
قال الألبانيّ: (أخرجه ابن سعد في «الطبقات» عن موسى بن عبيدة، عن أبي بكر بن عبيد الله بن أنس، أو أيوب بن خالد أو كليهما: أخبرنا عبيد الله أنَّ النبيّ (صلَّى الله عليه [وآله] وسلَّم) قال لعلي: يا علي، من أشقى الأوَّلين والآخرين؟ ... إلى قوله: لكنَّ الحديث صحيح، فقد جاءت له شواهد كثيرة عن جمعٍ من الصحابة منهم علي نفسه، وعمار بن ياسر، وصهيب الروميّ) [سلسلة الأحاديث الصحيحة ج3 ص78].
2ـ وروى أحمد بسندٍ حسنٍ إلى عمار بن ياسر، قال: «كنت أنا وعلي رفيقين في غزوة ذات العشيرة، فلما نزلها رسول الله (صلَّى الله عليه [وآله] وسلَّم)، وأقام بها، رأينا أناساً من بني مدلج يعملون في عينٍ لهم في نخل، فقال لي علي: يا أبا اليقظان، هل لك أنْ نأتي هؤلاء، فننظر كيف يعملون؟ فجئناهم، فنظرنا إلى عملهم ساعة، ثمَّ غشينا النوم ... إلى قوله: قال رسول الله الله (صلَّى الله عليه [وآله] وسلَّم) لعلي: يا أبا تراب، لما يرى عليه من التراب. قال: ألا أحدِّثكما بأشقى الناس رجلين؟ قلنا: بلى يا رسول الله. قال: أحيمر ثمود الذي عقر الناقة، والذي يضربك يا علي على هذه، يعني قرنه، حتَّى تبل منه هذه، يعني لحيته» [مسند أحمد ج30 ص256، تحقيق شعيب الأرنؤوط].
وقال الحاكم النيسابوريّ عنه: (هذا حديث صحيح على شرط مسلم) [المستدرك على الصحيحين ج3 ص151].
3ـ وروى الطبرانيّ بسنده إلى سماك، عن جابر الأنصاريّ (رضي الله عنه) قال: قال رسول الله (صلَّى الله عليه [وآله] وسلَّم) لعلي (رضي الله عنه): «من أشقى ثمود؟ قال: من عقر الناقة. قال: فمن أشقى هذه الأمَّة؟ قال: الله أعلم، قال: قاتلك» [المعجم الكبير ج2 ص247]. إلى غير ذلك من الروايات الدالَّة على علمه (عليه السلام) بقاتله، وأنه أشقى الآخرين (لعنه الله تعالى).
إذا بان هذا واتَّضح، فلنعقد الكلام في مقامين:
المقام الأوَّل: في ترجمة الصنعانيّ:
هو أبو بكر عبد الرزاق بن همام بن نافع الحِمْيريّ الصنعانيّ، كان من أكابر المحدِّثين، وكان يُنقل عنه أنه يُفضِّل أبا بكر وعمر على أمير المؤمنين (عليه السلام)، وكان يترحَّم عليهما وعلى عثمان، ويقول: من لم يحبهم فما هو مؤمن، وأنَّ أوثق أعماله حبُّه إياهم، ولذلك أثنى عليه العديد من أعلامهم.
نعم، روى في فضائل عليٍّ (عليه السلام)، كما روى في مثالب القوم والتعريض بمعاوية، ولذلك ذمَّه البعض، ووصفوا أحاديثه بالمنكرات. ومع ذلك فقد برَّأه جمعٌ من علمائهم كيحيى بن معين وأحمد بن حنبل من ذلك وأصرُّوا على الأخذ بحديثه ولو كان مرتداً عن الدين [يُنظر: تهذيب التهذيب لابن حجر ج6 ص310 ـ 315].
ومن هنا يتَّضح أنَّ الرجل لم يكن من رواة المنكرات، وإنما رمي بذلك لبعض الروايات التي رواها مما لا تروق لكثيرٍ من علماء العامة.
المقام الثاني: فيما رواه الصنعانيّ:
روى عبد الرزاق الصنعانيّ في موضعين من كتابه، الأوَّل منهما عن ابن سيرين، قال: «كان عليٌّ إذا رأى ابن ملجم المراديّ قال: أريد حياته ويريد قتلي .. عذيرك من خليلك من مراد» [المصنَّف ج9 ص321]، والآخر عن ابن سيرين، عن عبيدة قال: «كان عليٌّ إذا رأى ابن ملجم المراديّ قال: أريد حياته ويريد قتلي .. عذيرك من خليلك من مراد» [المصنَّف ج9 ص331]. مما يعني أنه (عليه السلام) كان عالماً بقاتله، وإنما أعرض عن قتله لعدم جواز القصاص قبل الجناية، كما هو واضح.
ثمَّ إنَّ الصنعانيّ لم ينفرد بذلك، وإنما رواه الكثير من علمائهم، مرسلين له إرسال المسلَّمات، فلاحظ مثلاً [مصنَّف ابن أبي شيبة ج5 ص274، الزهرة لأبي بكر الظاهريّ ص230، البدء والتاريخ ج5 ص231، مقاتل الطالبيين ص45]، وغيرها من المصادر الكثيرة.
بل روى ابن أبي الدنيا بيان السبب في عدم قتله (عليه السلام) لابن ملجم (لعنه الله تعالى) أيضاً.
فقد روى بسنده إلى أبي الحثحاث قال: «أخبرتُ علياً بقدوم ابن ملجم فتغيَّر وجهه ثمَّ أتيته به، فلما رآه عليٌّ قال: أريد حباءه ويريد قتلي .. عذيري من خليلك من مراد. فقال: سبحان الله لم تقول هذا يا أمير المؤمنين؟ قال: هو ذاك. ثمَّ قال له علي: إني سائلك عن ثلاث، هل مرَّ بك رجل وأنت تلعب مع الصبيان فقعدك ثمَّ قال شقيق عاقر الناقة؟ قال سبحان الله لم تقول هذا يا أمير المؤمنين. قال: بقيت خصلتان هل كنت تُدعى وأنت صغير ابن راعية الكلاب؟ قال سبحان الله ما رابك إلى هذا. قال: بقيت خصلة هل أخبرتك أمك أنها تلقفت بك وهي حائض؟ فغضب وقام، فدعا له عليٌّ بثوبين وأعطاه ثلاثين درهماً. فقيل له: لو قتلته؟ فقال: يا عجباً، تأمروني أنْ أقتل قاتلي» [مقتل عليٍّ ص80]. وقريبٌ منه ما رواه أبو سعد الآبي في [نثر الدر في المحاضرات ج1 ص204]، وابن عبد البر في [الاستيعاب ج3 ص1127]، وابن الطقطقي في [الفخري في الآداب السلطانيَّة ص105]، وغيرهم من أعلام العامة.
والنتيجة النهائيَّة من كلِّ ذلك، أنَّه قد صحَّ عند العامة بأنَّ أمير المؤمنين (عليه السلام) كان يعرف قاتله، وأنَّه هو أشقى الآخرين، لا لما رواه الصنعانيّ وحسب، وإنما لما استفاض في أمَّات كتبهم ومصادرهم كما تبيَّن.. والحمد لله ربِّ العالمين.
اترك تعليق