هل كان الحجاج الثقفي مظلوماً؟

السؤال: أخرج أبو عبيد القاسم بن سلام: «حدَّثني أبو عبد الله الفزاري، عن مالك بن دينار، قال: «ما رأيت أحداً أبين من الحجاج، إنْ كان ليرقى المنبر، فيذكر إحسانه إلى أهل العراق، وصفحه عنهم، وإساءتهم إليه، حتى أقول في نفسي: والله إنّي لأحسبه صادقاً، وإنّي لأظنهم ظالمين له». فهل كان الحجاج والياً مظلوماً؟

: السيد أبو اَلحسن علي الموسوي

الجواب:

بسم الله الرحمن الرحيم

اعلم – أيدك الله– أنَّ الحجاج بن يوسف الثقفيّ عامل عبد الملك بن مروان الأمويّ على العراق له أثرٌ سيئٌ في تاريخ الأمويين، حيث أشتهر بالظلم وسفكه الدماء، ووَلَعه في القتل وتعديه حرمات الله (عز وجل) بأدنى شبهة، فهو أمويّ الهوى ينصب العداوة لأمير المؤمنين عليّ (ع) وشيعته، وهو الذي قتل من الشيعة كُميل بن زياد، وسعيد بن جُبير، وقنبر مولى عليّ (ع) وغيرهم.

قال الذهبيّ: (الحجاج بن يوسف الثقفيّ - أهلكه الله -: كان ظلوماً، ‌جباراً، ‌ناصبياً، ‌خبيثاً، سفاكاً للدماء، وكان ذا شجاعة، وإقدام، ومكر، ودهاء، وفصاحة، وبلاغة، وتعظيم للقرآن. قد سقت من سوء سيرته في تاريخي الكبير، وحصاره لابن الزبير بالكعبة، ورميه إياها بالمنجنيق، وإذلاله لأهل الحرمين، ثم ولايته على العراق والمشرق كلّه عشرين سنة، وحروب ابن الأشعث له، وتأخيره للصلوات إلى أنْ استأصله الله، فنسبه ولا نحبه، بل نبغضه في الله، فإنّ ذلك من أوثق عرى الإيمان. وله حسناتٌ مغمورةٌ في بحر ذنوبه، وأمره إلى الله، وله توحيد في الجملة، ونظراء من ظلمة الجبابرة والأمراء) [سير أعلام النبلاء ج4 ص343].

وقال ابن كثير: (كان ‌ناصبياً ‌يبغض ‌علياً ‌وشيعته، ‌في ‌هوى ‌آل ‌مروان ‌بني ‌أمية، وكان جباراً عنيداً مقداماً على سفك الدماء بأدنى شبهة..) [البداية والنهاية ج12 ص539].

وأما أصل هذه المقولة: «ما رأيتُ أحداً أبين من الحجاج.. إلى أخره»، فينسب تارةً إلى مالك بن دينار - كما في [غريب الحديث لابن سلام الهرويّ ج3 ص393، والأضداد لأبي بكر الأنباريّ ج1 ص344] -، وأخرى إلى الحسن بن يسار البصريّ - كما في غرر الخصائص الواضحة ج1 ص201] -.

وأمّا من حيث الدلالة، فإنّ القائل هنا يصف الحجاج بن يوسف الثقفيّ ببراعة البيان وفصاحة اللسان، حيث كان يخطب في أهل العراق، فيذكر إحسانه وصفحه عنهم وإساءتهم إليه، حتى ليظنُّ مَنْ لا يعرفه على حقيقته أنّه صادقٌ وأنّهم ظالمون له، نظراً لقوة حُجّته وبلاغته، رغم شدَّته المفرطة، فهو يصوّر نفسه المحسن المظلوم وأهل العراق بالمسيئين الظالمين، وَكَأَنَّهُ قد سحر السامعين بذلك، حيث كان لديه قدرة على قلب الحقائق ببيانه القويّ، حتّى وصل الأمر إلى أنّ أحد الزهاد وهو مالك بن دينار - حين سمع مقالته تلك - كان يُحدّث نفسه فيقول: والله إني لأحسبه صادقاً، وإني لأظنهم ظالمين له. فتأمّل ذلك.

وعليه فليس في هذه المقالة ما يدفع ظلمه للمسلمين عامةً، ولشيعة أمير المؤمنين خاصةً، إذْ إنّ سيرته في التاريخ الإسلاميّ قد كشفت بشكلٍ لا ريب فيه عن كونه رمزاً للظلم والاستبداد، حتى ضُرب به المثل في سفك الدماء والجور، حيث تذكر المصادر التاريخية أنَّ عدد الذين قتلهم الحجاج بلغ نحو 120 ألف شخص، هذا فضلاً عن حصاره مكة وضربها بالمنجنيق، وأنّه عند هلاكه، ذُكر أنّه وُجد في سجونه نحو 50 ألف رجلٍ، و30 ألف امرأة، وكانت السجون مساحاتٍ مكشوفةً بلا أسقف تحميهم من حرِّ الشمس، أو برد الشتاء.

نكتفي بهذا القدر، والحمد لله أولاً وآخراً.