هل الصفا والمروة شعيرة جاهلية أم عبادة إلهية؟

السؤال: رجلٌ اسمه صفا، وامرأةٌ اسمها مروة زنيا داخل الكعبة فدفنا على جبل الصفا والمروة، وصنع لهما تمثالين ليزدري الحجاج فعلهما الشنيع. ثم جاء محمدٌ باعتبار الصفا والمروة من مشاعر الحج المقدَّسة! والناس تتبرَّك بهما حتى اليوم! ويقال: صنمان وضعهما عمرو بن لُحَيٍّ على الصفا والمروة، وكان يذبح عليهما تجاه الكعبة، فكان أهل الجاهلية يطوفون بين الصفا والمروة؛ تعظيماً للصنمين ويتمسحون بهما.

: السيد أبو اَلحسن علي الموسوي

الجواب:

بسم الله الرحمن الرحيم

إنّ المسألة ليست كما طرحت في السؤال، فإنّ السؤال مليء بالأغلاط والمغالطات، وتوضيح الأمر في النقاط التالية:

أوّلاً: لا خفاء أن الحنيفية الإبراهيمية في مكة - والتي قامت على أساس التوحيد - تعرّضت فيما بعد وفيما يعرف بفترة الجاهليَّة إلى التحريف والتغيير ودخول الشرك والوثنية مع بقاء بقايا من دين إبراهيم وإسماعيل (عليهما السلام)؛ كتعظيم البيت الحرام والطواف به، والحج والعمرة، وغير ذلك، وقد نسب بعضهم مبدأ الانحراف إلى «عمرو بن لحيٍّ الخزاعيّ»؛ إذ يقال بأنّه أوّل من أدخل الأصنام إلى شبه الجزيرة العربيَّة من الشام لتعبد من دون الله تعالى.

وثانياً: طالت - آنذاك - مظاهر الشرك والوثنيَّة بيت الله الحرام واختلطت مناسك الحج بها، إلى أنْ جاء الإسلام وطهّر مكّة المكرمة والبيت الحرام ومناسك الحج من جميع ذلك، وبيَّن شروطه وضوابطه ومناسكه الحقة.

وثالثاً: في ذات السياق يذكر أهل التاريخ والسير: أنَّ من جملة الأصنام التي كانت في فترة الجاهليَّة صنمين باسم «إساف ونائلة»، وقد كان شائعاً عند العرب أنَّهما في الأصل لشخصين مسخهما الله تعالى إلى حجرين بعد ممارستهما الفاحشة داخل الكعبة المشرفة، فأبقتهما العرب جوار الكعبة للاتعاظ بحالهما، ولما عُبدت الأصنام عُبدا معها، وصارت القرابين تذبح وتنحر عندهما. وقيل: بل تمَّ إخراجهما من جوار البيت الحرام إلى الصفا والمروة ونصبا عليهما؛ ليكونا عبرةً للناس، ولما كان ما كان من أمر «عمرو بن لحيٍّ الخزاعيّ»، قام بنقلهما إلى الكعبة ونصبهما على زمزم، فطاف الناس بالكعبة وبهما حتى عُبدا [ينظر: السيرة لابن إسحاق ص60، الأصنام للكلبيّ ص8].

ورابعاً: تطرّقت مروياتنا عن أهل البيت (عليهم السلام) إلى خبر الصنمين «إساف ونائلة» بشيءٍ مماثلٍ لما ذكر في كتب التاريخ والسير، فقد روى الشيخ الكلينيّ عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنه قال: «سُئِل أمير المؤمنين (عليه السلام) عن إساف ونائلة وعبادة قريش لهما، فقال (عليه السلام): نعم، كانا شابين صحيحين، وكان بأحدهما تأنيث، وكانا يطوفان بالبيت، فصادفا من البيت خلوةً، فأراد أحدهما صاحبه، ففعل، فمسخهما اللَّه، فقالت قريش: لولا أنّ اللَّه رضي أنْ نعبد هذين معه ما حوّلهما عن حالهما» [الكافي ج4 ص546].

وخامساً: من واضحات الإسلام نبذه الوثنية ومظاهر الشرك، والدعوة إلى التوحيد الخالص، وقد كان من المهام الأساسية التي عمل عليها النبيّ (صلَّى الله عليه وآله) تطهير مكة والبيت الحرام ومناسك الحج من جميع ذلك، كما استمر عمله (صلَّى الله عليه وآله) على ذلك إلى فترةٍ متأخرةٍ من حياته؛ إذ أرسل أمير المؤمنين (عليه السلام) سنة تسعة للهجرة لتبليغ المشركين سورة براءة ونهيهم عن أن يطوف في البيت الحرام بعد ذلك اليوم مشرك أو عريان [ينظر: تفسير العياشيّ ج2 ص73، مصنف ابن أبي شيبة ج4 ص420، السيرة لابن هشام ج2 ص546].

وبهذا يتبيّن كثرة الاشتباهات الواقعة في السؤال، فالشخصان اسمهما (إساف ونائلة) لا (صفا ومروة)، وقد تم مسخهما لا أنَّهما دفنا على الجبلين، وتشعير الصفا والمروة قديمٌ وليس حادثاً بحدوث الإسلام؛ ولذا كان أهل الجاهلية يطوفون بينهما، والسعي بينهما ناشئٌ من الأمر الإلهيّ بذلك، وليس من باب تعظيم الصنمين؛ إذ كان تعظيم الجبلين قبل حادثة (إساف ونائلة) بقرونٍ متماديةٍ، ثم الناس تتبرّك بشعائر الله، لا بالصنمين، فالسؤال من أسّه وأساسه مبنيٌّ على أغلاطٍ ومغالطاتٍ.