هل نشأت الاثنا عشرية في أواخر القرن الثالث الهجري؟

السؤال: ظهرت فرقة الاثني عشرية في مسرح التاريخ في أخريات القرن الثالث الهجريّ تقريباً، وهي تمثل الصورة الأخيرة التي انتهى إليها الفكر الشيعيّ الإماميّ. في حين تقول دائرة المعارف الإسلامية: (إنّ الاثني عشرية لم يسلّموا بترتيب أئمتهم المعهود إلّا منذ القرن الخامس الهجريّ). ويؤكد هذا أنّ تسميتهم بالاثني عشرية لم تكن موجودةً في الكتب الشيعية القديمة، ولا في كتب المقالات السنية والشيعية على السواء؛ فلم توجد حتى في المقالات والفرق للقمّيّ (ت ۲۹۹ أو ۳۰۱ هـ)، ولا في فرق الشيعة للنوبختيّ (ت ٣١٠هـ) ولا في مقالات الإسلاميين للأشعريّ (ت ۳۳۰ هـ). ولعلّ أول من ذكرها المسعوديّ (ت ٣٤٩ هـ) فهذه التسمية لم يكن لها وجودٌ حتى وجدت فكرة الإمام الثاني عشر الغائب بعد وفاة الإمام الحادي عشر سنة (٢٦٠هـ) [مسائل الاعتقاد عند الشيعة الاثني عشرية ص٣٩].

: الشيخ مروان خليفات

الجواب:

بسم الله الرحمن الرحيم

إنّ الزعم الوارد في السؤال: من أنّ الاثني عشرية ظهرت في أواخر القرن الثالث الهجريّ، غير صحيحٍ، وكلامه يدلّ على قلّة نظرٍ وتحقيقٍ، وهو متأثرٌ في الوقت نفسه بما يشيعه الخصوم من شبهاتٍ، فالاثنا عشرية هي أطروحة الإسلام، أسسها النبيّ (صلى الله عليه وآله) من خلال تبشيره وذكره الأئمة الاثني عشر (عليهم السلام)، أحياناً بعددهم، وأحياناً بأسمائهم.

وقد قام أولئك الأئمة (عليهم السلام) بدورهم في تثبيت عقائد الإسلام وشرائعه وبيانها للناس من أتباعهم، فعقائد الاثني عشرية كالنصّ على اثني عشر إماماً، والعصمة، وغيبة الإمام الثاني عشر، والتوحيد والعدل... كلّها ذكرها الأئمة (ع) قبل الغيبة الصغرى، ودوّنها أصحابهم في مصنفاتٍ تبلغ المئات، وقد تكفلت كتب الفهارس بذكر تلك الكتب مع أسانيد المحدثين إليها، وتلك الكتب وكتب الأحكام الشرعية أيضاً صارت مادةً لكتب الحديث المشهورة حالياً، فالمحدثون - كالكلينيّ والصدوق والطوسيّ وغيرهم - أخذوا من تلك المصنفات التي ترجع للقرنين الأول والثاني ومنتصف القرن الثالث الهجريّ.

أعود وأؤكد أنّ كتب أصحاب الأئمة (ع) قد حوت عقائد الاثني عشرية، وتفصيل تلك العقائد لا يسعه مقالةٌ ولا مقالتان.

أما زعم دائرة المعارف الإسلامية من أنّ (الاثني عشرية لم يسلّموا بترتيب أئمتهم المعهود إلّا منذ القرن الخامس الهجريّ)، فهو وهمٌ وقلة معرفةٍ، أو تعصبٌ يقصد منه توهين الطائفة المحقة، فإنّ جمهور الشيعة قالوا بإمامة الإمام الثاني عشر (ع) سنة 260 للهجرة حين استشهاد الإمام العسكريّ (ع) - وهو الإمام الحادي عشر -، واستقروا على ذلك.

وفي ذلك يقول الشيخ المفيد [ت413هـ]: (ولمّا توفي أبو محمد الحسن بن عليّ بن محمد (ع) افترق أصحابه بعده - على ما حكاه أبو محمد الحسن بن موسى النوبختيّ (رض) - أربع عشرة فرقةً: فقال الجمهور منهم بإمامة ابنه القائم المنتظر (ع)، وأثبتوا ولادته، وصححوا النصّ عليه، وقالوا: هو سميّ رسول الله ومهديّ الأنام، واعتقدوا أنّ له غيبتين: إحداهما أطول من الأخرى، والأولى منهما هي القصرى، وله فيها الأبواب والسفراء، ورووا عن جماعةٍ من شيوخهم وثقاتهم أنّ أبا محمد الحسن (ع) أظهره لهم وأراهم شخصه... وليس من هؤلاء الفرق التي ذكرناها فرقةٌ موجودةٌ في زماننا هذا - وهو من سنة ثلاث وسبعين وثلاثمائة - إلّا الإمامية الاثنا عشرية القائلة بإمامة ابن الحسن المسمّى باسم رسول الله (ص)، القاطعة على حياته وبقائه إلى وقت قيامه بالسيف حَسْب ما شرحناه في ما تقدّم عنهم، وهم أكثر فرق الشيعة عدداً وعلماً، ومتكلّمون ونظّارٌ، وصالحون وعبّادٌ، ومتفقّهةٌ وأصحاب حديثٍ، وأدباء وشعراء، وهم وجه الإمامية، ورؤساء جماعتهم، والمعتمد عليهم في الديانة) [الفصول المختارة ص318ـ321].

وقال أبو الحسن الأشعريّ [ت324هـ]: (فالفرقة الأولى منهم [أي من الشيعة]، وهم القطعية، وإنّما سمّوا قطعيةً لأنّهم قطعوا على موت موسى بن جعفر بن محمد بن عليّ، وهم جمهور الشيعة، يزعمون أنّ النبيّ (ص) نصّ على إمامة عليّ بن أبي طالب، واستخلفه بعده بعينه واسمه، وأنّ عليّاً نصّ على إمامة ابنه الحسن بن عليّ، وأنّ الحسن بن عليّ نصّ على إمامة أخيه الحسين بن عليّ، وأنّ الحسين بن عليّ نصّ على إمامة ابنه عليّ بن الحسين، وأنّ عليّ بن الحسين نصّ على إمامة ابنه محمد بن عليّ، وأنّ محمد بن عليّ نصّ على إمامة ابنه جعفر بن محمد، وأنّ جعفر بن محمد نصّ على إمامة ابنه موسى بن جعفر، وأنّ موسى بن جعفر نصّ على إمامة ابنه عليّ بن موسى، وأنّ عليّ بن موسى نصّ على إمامة ابنه محمد بن عليّ بن موسى، وأنّ محمد بن عليّ نصّ على إمامة ابنه عليّ بن محمد بن عليّ بن موسى، وأنّ عليّ بن محمد بن عليّ بن موسى نصّ على إمامة ابنه الحسن بن عليّ بن محمد بن عليّ بن موسى، وهو الذي كان بسامرّا، وأنّ الحسن بن عليّ نصّ على إمامة ابنه محمد بن الحسن بن عليّ، وهو الغائب المنتظر عندهم الذي يدّعون أنّه يظهر فيملأ الأرض عدلاً بعد أن ملئت ظلماً و جوراً) [مقالات الإسلاميين ص 17].

فهذا النقل عن أبي الحسن الأشعريّ كافٍ لهدم مزاعم دائرة المعارف.

وقال ابن حزم [ت456هـ]: (وثبت جمهورهم [أي الشيعة] على أنّه ولد للحسن بن عليّ ولدٌ فأخفاه) [الفصل في الملل والأهواء ج4 ص93]. وقال أيضاً: (وقالت القطيعية من الإمامية الرافضة كلّهم - وهم جمهور الشيعة، ومنهم المتكلّمون والنظّارون والعدد العظيم -: بأنّ محمد بن الحسن بن عليّ بن محمد بن عليّ ابن موسى بن جعفر بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب حيٌّ لم يمت، ولا يموت حتى يخرج فيملأ الأرض عدلاً كما ملئت جوراً، وهو عندهم المهديّ المنتظر) [المصدر السابق].

أما قول السائل: (ويؤكد هذا أنّ تسميتهم بالاثني عشرية لم تكن موجودةً في الكتب الشيعية القديمة ولا في كتب المقالات السنية والشيعية... فهذه التسمية لم يكن لها وجودٌ حتى وجدت فكرة الإمام الثاني عشر الغائب بعد وفاة الإمام الحادي عشر)، فهو يدلّ على سطحيةٍ شديدةٍ، فأقول نقضاً لكلامه: إنّ المذاهب السنية بأسمائها كالأشاعرة والماتريدية والسلفية والوهابية لم تكن موجودةً في زمن الرسول (صلى الله عليه وآله)، ولا في زمن الصحابة، ولا في زمن التابعين، بل ظهرت في قرونٍ لاحقةٍ، فهل يقبل السائل ما ارتضاه للاثني عشرية ويقول إنّ أهل السنة ظهروا في زمان الأشعريّ والماتريديّ وابن حنبل وابن تيمية؟! أم سيغرّد مدافعاً محاولاً إيصال عقائد هؤلاء بالسلف؟! حينها سيخصم نفسه ويثبت أنّ الأسماء لا تغير من حقيقة الاعتقادات ما دام لها امتدادٌ إلى القرون الأولى، وهكذا الاثنا عشرية أو الإمامية حالياً أو الجعفرية فإنّها أسماءٌ تعبّر عن حقيقةٍ واحدةٍ، وهي كونها تمثل نهج أهل البيت (ع).

في الختام أحيل القارئ المهتم لمراجعة كتاب: (عقائد الإمامية قبل الغيبة الصغرى تأصيلٌ وتوثيقٌ)، الصادر عن العتبة الحسينية المقدّسة، ففيه إثبات قدم عقائد الشيعة ووجودها قبل غيبة الإمام (ع) سنة 260هـ، خاصّة معرفة بعض أصحاب الأئمة بأسمائهم (عليهم السلام)، وتدوينهم ذلك في كتبهم.