توريث الحكم سنة علوية أو أموية؟

السؤال: تقول العامّة: إنّ عليّاً (ع) ورّث الحكم لابنه الإمام الحسن (ع) قبل توريث معاوية ليزيد، وأنّ عليّاً (ع) هو الذي سنّ هذه السنّة في الإسلام. فما الجواب في المقام؟

: الشيخ حسين العابد

الجواب:

بسم الله الرحمن الرحيم

نظام الملكيّة الوراثيّة: نظامٌ يقوم على انتقال الحكم بين أفراد عائلةٍ واحدةٍ على أساس النَّسب، كانتقال الممتلكات الشخصية من الشخص إلى ورثته، ويكون فيه الوصول إلى الرئاسة عبر التوريث. [ينظر: النظم السياسية الدولة والحكومة لمحمد كامل].

وأول من أدخل هذا النظام إلى الحكم في الإسلام هو معاوية بن أبي سفيان؛ فهو أول من سنّ ذلك في الأمة، وجعل شكل الحكومة هرقليةً وكسرويةً؛ إذ نقل الحكم لابنه يزيد، ولم يكتفِ بأنْ أوصى له، بل أخذ البيعة له في أيام حياته، بالرغم من انتقادات ورفض الكثير من أبناء الصحابة من المهاجرين والأنصار، وما يمثله ذلك من نقضٍ صارخٍ لبنود المعاهدة المعقودة مسبقاً مع الإمام الحسن (ع). [ينظر: تاريخ الطبريّ ج5 ص322، تاريخ البلاذريّ ج3 ص287، الكامل في التاريخ ج3 ص349، التداول على السلطة التنفيذية للصلابيّ ص167].

وتعتبر هذه القضية من تاريخ معاوية واحدةً من جملة الجرائر الكثيرة التي تعدّها الإمامية على شخصيته، ومن جهتين: الأولى: من جهة عدم الاكتفاء بسلب أهل البيت (ع) حقهم في الحكم، بل وتحويل الحكم إلى ملكيةٍ وراثيةٍ. والثانية: من جهة شخص المورَّث، وجعل أعناق الأمة وزمام أمرها بيد واحدٍ مخمورٍ كيزيد؛ الذي لا يخفى على أحدٍ حاله.

وفي هذا السياق حاول بعضهم - وكأنّه للتعمية على فعال معاوية - النقض على الإمامية بأمرين:

الأول: أنّ أول من سنّ سنة التوريث في الحكم هو أمير المؤمنين (ع)؛ إذ أوصى لابنه الإمام الحسن (ع) كما تعتقد الإمامية.

الثاني: أنّ أمر الدين فضلاً عن الحكم عند الإمامية قائمٌ على مبدأ التوريث؛ إذ تعتقد بانتقال الإمامة من الإمام عليّ (ع) إلى أبنائه الأحد عشر (ع)، والإمامة عندهم لا تقتصر على الحكم والسلطة التنفيذية، بل تتسع لتشمل بعداً دينياً؛ وهو الوصاية على الدين، وحصر تلقي معارف الدين والشريعة الإسلامية منهم (ع)، فمبدأ التوريث عند الإمامية آكد وأعمق.

إلّا أنّ كلا الإشكالين يعبّران عن عدم الوقوف على حقيقة الإمامة عندنا، وسنحاول أنْ نوضح الخلط الحاصل من خلال ما يلي:

أولاً: الإمامة – عندنا – جعليةٌ من قبل الله تعالى، ومنصبٌ إلهيّ؛ كالنبوة، وتعيينها بفردٍ في الخارج إنّما هو تابعٌ لتحديد الشارع المقدّس، أي: جعل الله سبحانه وإرادته واختياره، فما قام به أمير المؤمنين (ع) من الوصاية إلى الإمام الحسن (ع) ليس من التوريث في شيءٍ، وإنّما هو تطبيقٌ لأمر الله تعالى وإرادته. وهكذا الأمر نفسه بالنسبة لاعتقادنا في انتقال الإمامة من الإمام الحسن (ع) إلى الإمام الحسين (ع)، ومنه (ع) إلى أبنائه التسعة (ع) من بعده.

وثانياً: بعدما عرفت أنّ الإمامة – عندنا - جعليةٌ من قبل الله تعالى؛ كالنبوة، لا يبقى معنىً للقول بأنّ أمر الدين والحكم عندنا قائمٌ على أساس التوريث لمجرد أنّ الإمامة محصورةٌ في الإمام عليّ وأبنائه (ع)، وإلّا لسرى الإشكال إلى نبوة أبناء نبيّ الله إبراهيم (ع)، بل وإلى جميع النبوات والمناصب الإلهية السابقة باعتبار أنّ الجميع من ذرية نبيّ الله آدم (ع)، ويلزم منه الإشكال على فعل الله تعالى واتهامه بالمحاباة سبحانه وتعالى عن ذلك علوّاً كبيراً؛ بل فعله سبحانه إنّما قائمٌ على أساس الحكمة، واختياره تعالى لصاحب المنصب مبنيٌّ على الاتصاف بصفاتٍ وملكاتٍ وأهليةٍ خاصةٍ؛ وهذا الأمر من الواضحات، لكن مع ذلك نبّه عليه القرآن الكريم في آياتٍ عديدةٍ، منها: قوله سبحانه: {وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ} [السجدة: 24]، وقوله تعالى: {وَإِذَا جَاءَتْهُمْ آيَةٌ قَالُوا لَن نُّؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ} [الأنعام: 124]. وقوله - في آية الإمامة الإبراهيمية -: {وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ} [البقرة: 124]. وفي هذه الآية بيانٌ واضحٌ أنّ المناصب عنده سبحانه وتعالى ليست قائمةً على أساس التوريث.

وثالثاً: وأخيراً نضيف ها هنا شيئاً بخصوص حكومة الإمام الحسن (ع)؛ وهو وإن كنّا نعتقد بأنّ انتقال الإمامة بما تضمنه من معنى الرئاسة من الإمام عليّ (ع) إلى الإمام الحسن (ع) أمرٌ معيّنٌ من قبل الله تعالى؛ لأنّ الإمامة عندنا بالتنصيب الإلهيّ بطبيعة الحال، لكن في ذات الوقت يجدر أنْ نشير إلى أنّه قد حصلت - آنذاك – وبعد شهادة أمير المؤمنين (ع) بيعةٌ شعبيةٌ تلقائيةٌ للإمام الحسن (ع)؛ حيث قامت الناس بمبايعته من تلقاء نفسها، إذ لم تجد فوق أديم الأرض أفضل منه لتتحلّق حوله، ما يعني أنّه وحتى على مباني العامّة في مفهوم الإمامة وحصر معناها في الحكومة والسلطة، وأنّ أمرها بيد الناس شورى بينهم، وأنّها أشبه بالعقد بين الناس والحاكم، لا يكون ما حصل آنذاك من انتقال الحكم من الإمام عليّ (ع) إلى الإمام الحسن (ع) من قبيل التوريث. [ينظر: تاريخ الطبريّ ج5 ص 158، تاريخ البلاذريّ ج3 ص278، الكامل في التاريخ ج3 ص267].