لماذا لم يظهر أنبياء في حضارات الصين واليونان وأمريكا القديمة؟
السؤال: الصين اشتهرت قديماً بالحكماء، ولم يدعوا انهم من الأنبياء من أمثال كونفوشيوس وغيره كثيرون. وكما ظهر في الصين الحكماء، قد ظهر في أوروبا الفلاسفة العظماء، من أمثال أرسطو وأفلاطون وسقراط وغيرهم كثيرون، ولم يظهر في أوروبا كذلك نبيٌّ! بل أنَّ مصر الفرعونية، بتاريخها الحافل بحضارةٍ تناهز الأربعة آلاف عامٍ، والتي يذكر القرآن وجود ثلاثة أنبياء بها، يوسف وموسى وذهاب إبراهيم مع زوجته لمصر، تُظهر لنا أوراق البردي وكتابات المعابد - بجلاءٍ - عبادتهم وتقديسهم لآلهةٍ متعددةٍ، فهناك إلهٌ للنيل (حابى) وثانٍ للخصب وآخر للنماء … إلخ، وأسماء متعددةٌ من حور لـ حورس لـ حتحور لـ ست … إلخ، بل أنَّ الوحيد الذي دعا إلى عبادة إلهٍ واحدٍ في تاريخ الفراعنة كان إخناتون … ولكن كان هذا الإله الواحد هو .. الشمس! ومروراً بطقوس حضارة الأزتيك الوثنية بأمريكا -المكسيك حالياً- إلى طقوس الأفارقة السود الدينية الوثنية في قلب القارة السمراء … لم يوجد أنبياء، ما سبب ذلك.
الجواب:
بسم الله الرحمن الرحيم
يحتاج الجواب إلى توضيح بعض الأمور، وتفكيك بعض المغالطات الكامنة في صيغة السؤال نفسه.
أوَّلاً: هل عدم تسجيل الحضارة لوجود نبيٍّ يعني عدم وجود نبيٍّ؟
نحن اليوم نعرف عن كونفوشيوس أو سقراط أو أفلاطون؛ لأنَّ تلامذتهم كتبوا عنهم، ولأنَّ تراثهم الفلسفيَّ تحوَّل إلى مادةٍ تعليميَّةٍ داخل الحضارة نفسها. لكنَّ السؤال: هل كلُّ من وُجد في تلك المجتمعات دُوِّن اسمه؟ كم من مصلحٍ أو داعيةٍ أو صاحب رؤيةٍ أخلاقيَّةٍ عاش ومات ولم تكتب عنه سطورٌ؟
التاريخ الذي بين أيدينا ليس مرآةً كاملةً، بل هو ما بقي من رواية المنتصرين أو الكهنة أو السلطة السياسيَّة. كثيرٌ من الدعوات الإصلاحيَّة تُطمس إذا لم تنتصر سياسياً أو مؤسسياً. إذن، غياب اسم "نبيّ" في المدونات الصينيَّة أو اليونانيَّة لا يعني بالضرورة غياب دعوةٍ توحيديَّةٍ في مرحلةٍ ما، بل قد يعني أنَّ هذه الدعوة لم تتحول إلى مؤسسةٍ حاكمةٍ تحفظ تراثها.
وثانياً: القرآن لا يقول إنَّ الأنبياء كانوا محصورين في بقعةٍ جغرافيَّةٍ محددةٍ، بل يقرر مبدأً عاماً: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ﴾ [يونس: 47]، و﴿وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ [فاطر: 24]. هذه قاعدةٌ كليةٌ، وليست خاصةً ببني إسرائيل أو العرب.
بمعنىً آخر: الأصل في الرؤية القرآنيَّة أنَّ الرسالة الإلهيَّة ظاهرةٌ إنسانيَّةٌ عامةٌ، لا جغرافيا محددةٌ، لكن ليس كلُّ رسولٍ تحوَّل إلى "دينٍ عالميٍّ"، وليس كلُّ رسالةٍ كُتب لها البقاء.
وثالثاً: السؤال عن مصر الفرعونيَّة مثالٌ جيدٌ، نحن نعرف اليوم من خلال النقوش عبادة آمون، ورع، وحورس، وحتحور… إلخ. لكن هل وجود هذه النقوش يعني أنَّ دعوة موسى لم تحدث؟ لا؛ لأنَّ القرآن نفسه يصرّح أنَّ موسى جاء إلى قومٍ يعبدون فرعون والآلهة، ولم يؤمن معه إلا قلةٌ.
فوجود أنبياء لا يعني أنَّ المجتمع سيتحوَّل بالضرورة إلى التوحيد. بل القرآن يصف الأنبياء بأنهم غالباً كانوا أقليةً محاصرةً. ﴿أَفكُلَّما جاءَكُم رَسولٌ بِما لا تَهوى أَنفُسُكُمُ استَكبَرتُم فَفَريقًا كَذَّبتُم وَفَريقًا تَقتُلونَ﴾ [البقرة: 87].
إذن، الطبيعيُّ أن تبقى الوثنية في الأثر الحضاريّ، لأنها كانت الدين الرسميَّ المدعوم من الدولة.
كذلك الحال في حضارة الأزتيك في المكسيك القديمة، كما تصفها المصادر الإسبانيَّة، كانت تمارس طقوساً دمويةً، لكن من كتب لنا تاريخهم؟ الغزاة الإسبان. وكم من تراثٍ شفهيٍّ ضاع؟ وكم من دعوةٍ أخلاقيَّةٍ اندثرت لأنَّ السلطة الدينيَّة الوثنيَّة كانت أقوى؟
ورابعاً: مغالطة «لو وُجد نبيٌّ لبقي أثره»، هذا افتراضٌ غير تاريخيٍّ. كم من حضاراتٍ عظيمةٍ اندثرت بالكامل؟ كم من مكتباتٍ أُحرقت؟ مكتبة الإسكندريَّة مثالٌ شهيرٌ. فكيف نشترط بقاء أثرٍ لنثبت وجود حدثٍ دينيٍّ قبل آلاف السنين في بيئاتٍ لم تقبل الأنبياء، ولم تعرف التدوين والتوثيق التاريخيَّ؟
الدين – بخلاف الفلسفة – يحتاج إلى حفظٍ نصيٍّ ومجتمعيٍّ، فإذا حورب، أو لم يتحول إلى مؤسسةٍ، قد يختفي أثره.
فالرؤية القرآنيَّة لا تشترط أن نملك اسماً لكلِّ نبيٍّ، بل في النصِّ نفسه: ﴿وَرُسُلًا لَّمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ﴾ [النساء: 164]. هذا اعترافٌ صريحٌ بأنَّ هناك أنبياء لا نعرفهم.
فالأنبياء – بحسب المنطق القرآنيِّ – لم يُبعثوا ليصنعوا حضارةً ماديَّةً، بل ليعيدوا توجيه البوصلة الأخلاقيَّة، قد تقوم حضارةٌ عظيمةٌ في العمارة والفنون والفلسفة، لكنَّها تبقى وثنيَّةً في جوهرها العقديِّ.
إذن، معيار «التقدم الحضاريّ» لا علاقة له بوجود نبيٍّ أو عدمه. الصين كانت حضارةً عظيمةً، لكن عظمتها لا تنفي أنْ تكون مرَّت بدعواتٍ إصلاحيَّةٍ دينيَّةٍ لم تُحفظ.
وخامساً: لماذا الشرق الأوسط تحديداً ذُكر فيه أنبياء كُثرٌ؟
لأنَّ هذه المنطقة كانت عقدة طرقٍ تجاريَّةٍ وبشريَّةٍ، والتاريخ فيها كان أكثر توثيقاً نسبياً، ثمَّ إنَّ الرسالات الإبراهيميَّة انتشرت ودوّنت تاريخها، فصار لدينا سجلٌ واضحٌ. أما بقية المناطق، فإما لم تُدوَّن رسالاتها، أو لم تصلنا نصوصها.
في المحصلة، غياب اسم (نبيّ) في مدونات الصين أو اليونان أو حضارات أمريكا القديمة لا يعني غياب النبوَّة فيها، بل يعني فقط أنّنا لا نملك سجلاً محفوظاً، فالرؤية القرآنيَّة تؤكد عموميَّة الرسالة، وتقر بوجود رسلٍ لم يُذكروا.
ثمَّ إنَّ بقاء الوثنيَّة في الأثر الحضاريِّ لا ينفي مرور دعوةٍ توحيديَّةٍ؛ لأنَّ الغالب في التاريخ أنَّ السلطة والكهنوت ينتصران، بينما يبقى النبيُّ صوتاً أخلاقياً معارضاً.
فالسؤال في جوهره يفترض أنَّ النبوَّة لو وُجدت لسيطرت وألغت الوثنيَّة نهائياً. لكن التجربة القرآنيَّة نفسها تقول عكس ذلك: أكثر الأنبياء لم يُؤمن بهم إلا قليلٌ.
اترك تعليق