النص على الإمام الحسن (ع) في نهج البلاغة
السؤال: لماذا لا نرى نصَّاً لإمامة الإمام الحسن، من أبيه أمير المؤمنين (عليه السلام) في كتاب نهج البلاغة؟
الجواب:
بسم الله الرحمن الرحيم
في البداية لابدَّ من التنبيه إلى أنَّ النصوص الدالَّة على إمامة الإمام الحسن المجتبى (عليه السلام) بعد أبيه أمير المؤمنين (عليه السلام) قد بلغت حدَّ التواتر المعنويّ، كما هو مقرَّرٌ في محلِّه من كتب العقائد وعلم الكلام الشيعيّ. ومن هنا، فإنَّ إمامة السبط المجتبى (عليه السلام) تُعدُّ من المسلَّمات القطعيَّة والثوابت اليقينيَّة التي لا مجال للتشكيك أو الغمز فيها.
وعليه، فسواء أُورد النصّ عليها في نهج البلاغة أم لم يُورد، فإنَّ ذلك لا يؤثِّر في أصل المسألة، إذْ لا ملازمة بين ثبوت الإمامة وبين انحصار أدلَّتها في كتبٍ محددةٍ، فضلاً عن كتابٍ واحدٍ، كنهج البلاغة.
إذا تبيَّن هذا واتضح، فلنشرع في ذكر أمورٍ ترتبط بالمقام:
الأمر الأوَّل: قد ورد في جملةٍ من الروايات النصّ من أمير المؤمنين (عليه السلام) على إمامة ابنه الحسن (عليه السلام)، منها:
ما رواه الكلينيّ (طاب ثراه) بسنده عن سُليم بن قيس قال: «شهدت وصية أمير المؤمنين (عليه السلام) حين أوصى إلى ابنه الحسن (عليه السلام) وأشهد على وصيته الحسين (عليه السلام) ومحمَّداً وجميع ولده ورؤساء شيعته وأهل بيته، ثمَّ دفع إليه الكتاب والسلاح وقال لابنه الحسن (عليه السلام): يا بني، أمرني رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) أنْ أوصي إليك وأنْ أدفع إليك كتبي وسلاحي كما أوصى إليَّ رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) ودفع إليَّ كتبه وسلاحه، وأمرني أنْ آمرك إذا حضرك الموت أنْ تدفعها إلى أخيك الحسين (عليه السلام)» [الكافي ج1 ص297]. وانظر أيضاً: [الكافي ج1 ص298، علل الشرائع ج2 ص386، كفاية الأثر ص221، الخرائج والجرائح ج1 ص183، الدر النظيم ص ٣٧٧، الصراط المستقيم ج2 ص194]، إلى غيرها من الروايات الكثيرة الواردة في هذا المعنى.
الأمر الثاني: لا يخفى أنَّ كتاب نهج البلاغة الذي جمعه الشريف الرضيّ (طاب ثراه) لم يستوعب فيه جميع ما صدر عن أمير المؤمنين (عليه السلام) من خطبٍ وكلماتٍ ورسائل، بل كان (رحمه الله) مراعياً فيه الجهة البلاغيَّة التي رآها أجدر بالإيراد، وقد صرَّح (رضوان الله عليه) بذلك في مقدِّمة كتابه بشكلٍ واضحٍ وصريحٍ.
قال ما نصُّه: (وسألوني عند ذلك أنْ أبدأ بتأليف كتابٍ يحتوي على مختار كلام مولانا أمير المؤمنين (عليه السلام) في جميع فنونه، ومتشعبات غصونه، من خطبٍ وكتبٍ ومواعظ وأدبٍ، علماً أنَّ ذلك يتضمَّن من عجائب البلاغة، وغرائب الفصاحة، وجواهر العربيَّة، وثواقب الكلم الدينيَّة والدنيويَّة، ما لا يوجد مجتمعاً في كلامٍ ولا مجموع الأطراف في كتابٍ، إذ كان أمير المؤمنين (عليه السلام) مشرع الفصاحة وموردها، ومنشأ البلاغة ومولدها) [نهج البلاغة ص38].
وقال أيضاً (رحمه الله): (وما أدَّعي مع ذلك أنني أحيط بأقطار جميع كلامه (عليه السلام) حتَّى لا يشذّ عني منه شاذّ، ولا يندّ نادٍ، بل لا أبعد أنْ يكون القاصر عني فوق الواقع إليّ، والحاصل في ربقتي دون الخارج من يدي، وما عليَّ إلَّا بذل الجهد وبلاغ الوسع، وعلى الله سبحانه نهج السبيل، ورشاد الدليل إنْ شاء الله) [نهج البلاغة ص41].
الأمر الثالث: هناك إشاراتٌ واضحةٌ وكلماتٌ بيِّنةٌ في كتاب نهج البلاغة تدلُّ على إمامة أهل البيت (عليهم السلام) بشكلٍ عامّ، ومنهم الإمام الحسن المجتبى (عليه السلام)، نذكر بعضاً منها.
1ـ قال (عليه السلام) في أهل البيت: «هم موضع سرِّه ولجأ أمره، وعيبة علمه وموئل حكمه، وكهوف كتبه وجبال دينه، بهم أقام انحناء ظهره، وأذهب ارتعاد فرائصه ... ثمَّ قال (عليه السلام): لا يقاس بآل محمَّد (صلَّى الله عليه وآله) من هذه الأمَّة أحدٌ، ولا يسوَّى بهم من جرت نعمتهم عليه أبداً، هم أساس الدين وعماد اليقين، إليهم يفيء الغالي، وبهم يلحق التالي، ولهم خصائص حقّ الولاية، وفيهم الوصيَّة والوراثة، الآن إذْ رجع الحقّ إلى أهله، ونقل إلى منتقله» [نهج البلاغة ص٤٦ تحقيق صبحي الصالح].
2ـ وقال (عليه السلام) فيهم أيضاً: «أين الذين زعموا أنهم الراسخون في العلم دوننا، كذباً وبغياً علينا، أنْ رفعنا الله ووضعهم، وأعطانا وحرمهم، وأدخلنا وأخرجهم. بنا يُستعطى الهدى ويستجلى العمى، إنَّ الأئمَّة من قريشٍ، غُرسوا في هذا البطن من هاشمٍ لا تصلح على سواهم، ولا تصلح الولاة من غيرهم» [نهج البلاغة ص200. وينظر أيضاً: نهج البلاغة ص231]، إلى غير ذلك من الموارد الواردة في النهج الشريف.
والنتيجة النهائيَّة من جميع ذلك، أنَّ إمامة الإمام الحسن (عليه السلام) من القطعيَّات الثابتة، وإنْ لم يُصرَّح بها في كتاب نهج البلاغة، لما بيناه آنفاً .. والحمد لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على محمَّدٍ وآله الطاهرين.
اترك تعليق