هل خلت الأرض من الحجة في زمن الفترة؟
نص الشبهة: إنَّ الفترة الزمنيَّة ما بين النبيّ محمدٍ وما بين عيسى، فترةٌ طويلةٌ لم يُبعث فيها نبيٌّ أو رسولٌ كما قال أبو عبد الله (عليه السلام): «بقي الناس بعد عيسى بن مريم خمسين ومائتي سنةٍ بلا حجَّةٍ ظاهرة» [كمالُ الدّين ص161]. ومن هنا يظهر بطلان قول الشيعة الإماميَّة «لا تخلو الأرض من حجة».
جوابُ الشبهة:
بسم الله الرحمن الرحيم
اعلم –أيدك الله – أنَّ ما يرتكز عليه الإماميَّة من عدم خلو الأرض من حجة لله (عزَّ وجلَّ) فهو ما رُوي عن أئمة الهدى (عليهم السلام)، فقد روى الصفّار والصدوق بالإسناد إلى سليمان الجعفريّ، قال: «سألتُ أبا الحسن الرضا (عليه السلام) فقلتُ: أتخلو الأرض من حُجة [الله]؟ فقال: لو خلت الأرض ـ طرفة عين ـ من حُجة، لساخت بأهلها» [بصائر الدرجات ج٢ ص٨٧١، علل الشرائع ج١ ص٢٦٦، عيون أخبار الرضا ج١ ص٤٠٦، كمال الدين ج١ ص٣٠١].
وفي لفظٍ آخر: «لا تخلو الأرض من قائم لله بحجّةٍ، إما ظاهراً مشهوراً، وإمّا خائفاً مغموراً، لئلّا تبطل حجج الله وبيّناته» [بصائرُ الدرجاتِ ص 505، تاريخُ دمشقَ ج50 ص254].
هناك رواياتٌ وردت في بيانات العترة تدلُّ على أنَّه قد كان في الفترة فيما بين النبيّ عيسى (عليه السلام)، ونبيِّنا محمد (صلى الله عليه وآله)، حججٌ: رسلٌ، وأنبياءٌ، وأوصياءٌ كما سيأتي بيانه.
وأما روايات: «بقي الناس بعد عيسى بن مريم خمسين ومائتي سنة بلا حجة ظاهرة»، فقد أجاب عنها الشيخ الصدوق قائلاً: (الرسالة والنبوة سنن، والإمامة فرضٌ، وفرائضُ الله عز وجل الجارية علينا بمحمدٍ لازمةٌ لنا ، ثابتةٌ لا تنقطع ولا تتغير إلى يوم القيامة، مع أنَّا لا ندفع الاخبار التي رويت أنَّه كان بين عيسى ومحمد (صلى الله عليه وآله) فترةٌ لم يكن فيها نبيٌّ ولا وصيٌّ ولا ننكرها، ونقول: إنَّها أخبارٌ صحيحةٌ، ولكن تأويلها غير ما ذهب إليه مخالفونا من انقطاع الأنبياء والأئمة والرسل (عليهم السلام)، وإنَّما معنى الفترة أنَّه لم يكن بينهما رسولٌ ، ولا نبيٌّ ، ولا وصيٌّ ظاهرٌ مشهورٌ كمن كان قبله، وعلى ذلك دلَّ الكتاب المنزل: أنَّ الله(عزَّ وجلَّ) بعث محمداً (صلى الله عليه وآله) على حين فترةٍ من الرسل، لا من الأنبياء والأوصياء، ولكن قد كان بينه وبين عيسى (عليهما السلام) أنبياءٌ وأئمةٌ مستورون خائفون ، منهم خالد بن سنان العبسيّ نبيٌّ لا يدفعه دافعٌ، ولا ينكره منكرٌ؛ لتواطئ الاخبار بذلك عن الخاص والعام، وشهرته عندهم ، وأنَّ ابنته أدركت رسول الله (صلى الله عليه وآله) ودخلت عليه فقال النبيّ : هذه ابنة نبيٍّ ضيَّعه قومه خالد بن سنان العبسيّ ، وكان بين مبعثه ومبعث نبينا محمد (صلى الله عليه وآله) خمسون سنة ، وهو خالد بن سنان، بن بعيث بن مريطة، بن مخزوم، ابن مالك، بن غالب، بن قطيعة، بن عبسن حدثني بذلك جماعةٌ من أهل الفقه والعلم) [كمالُ الدّين ص659].
فالحجج نوعان:
النوع الأول: حجية الأنبياء والرسل:
إنَّ الوارد في الآثار وجود أنبياءٍ قد بُعثوا قبلَ رسولِ الله (صلّى اللهُ عليهِ وآله)، ومِنهم خالدُ بنُ سنان الذي بُعثَ قبلَ النبيّ بخمسينَ سنة [كمالُ الدين ص226]، وفي روايةٍ أخرى: الأنبياءَ: عيسى، ثمَّ يحيى، ثمَّ العزير، ثمَّ دانيال [الإمامةُ والتبصرة ص23 وأماليُّ الصدوق ص488 وكمالُ الدّين ص213 وأماليُّ الطوسي ص443].
روى الصدوق في خبرٍ طويلٍ بالإسناد إلى أبي رافعٍ عن النبيّ (ص): «كانت الفترة بين عيسى وبين محمد (صلى الله عليه وآله) أربعمائة وثمانين سنة، وأولياء الله يومئذ في الأرض ذرية أنشو بن مكيخا، يرث ذلك منهم واحدٌ بعد واحدٍ ممن يختاره الجبار (عزَّ وجلَّ)» [كمالُ الدّين ص227].
النوع الثاني: حجية الأئمة والأوصياء:
إنَّ الوارد في الآثار وجود أوصياءٍ في تلك الفترة، فقد أوصى عيسى إلى شمعونَ بنِ حمون الصفا، وأوصى شمعونُ إلى يحيى بنِ زكريّا، وأوصى يحيى بنِ زكريّا إلى مُنذر، وأوصى منذرٌ إلى سُليمة، وأوصى سُليمةُ إلى بُردة، ثمَّ دفعَها بُردة، إلى النبيّ [كمالُ الدّين ص161].
وفي روايةٍ أخرى: أنّ أبا طالبٍ كان من أوصياء إبراهيم وإسماعيل، كما كان أبوه عبد المطلب (عليه السلام) كذلك [روضة المتقين ص151]. وروى الصدوق بالإسناد إلى يعقوب بن شعيب، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «كان بين عيسى وبين محمدٍ (عليهما السلام) خمسمائة عام، منها: مائتان وخمسون عاماً ليس فيها نبيٌّ ولا عالمٌ ظاهرٌ. قلت: فما كانوا؟ قال: كانوا متمسكين بدين عيسى (عليه السلام). قلت: فما كانوا؟ قال: كانوا مؤمنين، ثم قال (عليه السلام): ولا يكون الأرض إلَّا وفيها عالمٌ» [كمالُ الدّين ص161].
نكتفي بهذا القدر والحمدُ للهِ أوّلاً وآخراً.
اترك تعليق