هل نسبة الفعل إلى (يد الله) لإثبات أصل الإيجاد؟

السؤال: جاء في الروايات عندنا عن أحد المعصومين (ع): أنَّ أشجار الجنَّة غرسها الله بيده؟ إذا كان معنى اليد هنا هو القوة فكلُّ أشجار الأرض كذلك، فأيّ ميّزة لأشجار الجنَّة إذاً؟

: الشيخ معتصم السيد احمد

الجواب:

لا بدّ أنْ نشير أولاً إلى قاعدةٍ متّفقٍ عليها في مدرسة أهل البيت عليهم السلام، وهي أنّ "اليد" إذا نُسبت إلى الله ليست جارحة ولا عضواً، بل هي صفةُ فعل تدلّ على عنايةٍ خاصّة، وتدبيرٍ مباشر، وفعلٍ خارجٍ عن مجرى الأسباب المعتادة.

ونشير ثانياً إلى أنّ معنى "اليد" في القرآن لا يحمل دائماً على القدرة، بل يختلف بحسب السياق:

ففي قوله تعالى: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾، فالمقصود سعة الكرم والعطاء.

وفي قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ﴾، أي إنّ الفضل ملكٌ خالصٌ لله، وهو يُعطيه من يشاء من عباده.

وفي قوله تعالى: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ يمكن حملها على معنيين:

أحدهما: أنّ يد الله كانت فوق أيديهم عند البيعة، لأنَّهم في الحقيقة كانوا يبايعون الله ببيعتهم لنبيّه صلى الله عليه وآله، فبيعةُ الرسول هي بيعةُ الله.

والآخر: أنّ قوّة الله فوق قوّتهم في نصرة رسوله، إذ إنَّهم بايعوا النبيَّ على نصرته أمام العدو، فجاء التعبير تأكيدًا بأنّ الله هو المؤيِّد لمن بايع النبيَّ والناصر له. فكما أنّ من أطاع الرسول فقد أطاع الله، كذلك من بايعه فقد بايع الله تعالى.

وأمّا قوله تعالى: ﴿يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾، فهي تدلّ على تشريف آدم (عليه السلام)؛ إذ خصّه الله بخلقٍ مباشر، بينما خلق غيره بقوله: "كُنْ". وهذا التخصيص يُبطل تفسير اليد بأنّها القدرة وحدها، لأنّ الخلق كلّهم مخلوقون بقدرة الله ونعمته، فلو كان معنى اليد القدرة فقط لم يبقَ لآدم أيّ مزية.

وعليه، فإنّ نسبة الفعل إلى "يد الله" ليست لإثبات أصل الإيجاد، بل لإثبات مرتبةٍ خاصّةٍ في الإيجاد. فالله خلق كلّ شيءٍ بالقدرة، لكنّه خصّ بعض المخلوقات بنسبةٍ أشرف وأعلى.

ومن هذا الباب قوله تعالى: {وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي}. فهل روح آدم جزءٌ من ذات الله؟ قطعاً لا. بل هي إضافةُ تشريفٍ، لا إضافة تجزئة.

وكذلك قوله تعالى عن الكعبة: {أَن طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ}. مع أنّ كلّ البيوت لله، لكن أضاف هذا البيت إليه لرفع شأنه.

وفي المحصلة، اليد هنا ليست لإثبات أصل الخَلْق، بل لإثبات شرف الخَلْق وخصوصيته.

وعليه: فإذا ورد في بعض الروايات أنّ شجرةً في الجنَّة غرسها الله بيده، فالمقصود ليس إثبات الجارحة أو العضو – والعياذ بالله – بل الإشارة إلى خلقةٍ فريدةٍ فيها شرف وتكريم.

وقد ورد هذا المعنى في الحديث الذي رواه ابن جرير الطبريّ من طريق معاوية بن قرة عن أبيه، قال: «طوبى شجرة غرسها الله بيده، ونفخ فيها من روحه، تنبت بالحلي والحلل، وإنّ أغصانها لترى من وراء سور الجنَّة» [الدر المنثور ج8 ص437].

وفي روايةٍ أخرى يرويها فرات بن إبراهيم عن ابن عباس عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) في قوله تعالى: ﴿طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ﴾: «هي شجرةٌ في الجنَّة، غرسها الله بيده، ونفخ فيها من روحه، تنبت الحلي والحلل والثمار، متدلّيةً على أفواه أهل الجنَّة، وإنّ أغصانها لترى من وراء سور الجنَّة، وهي في منزل علي بن أبي طالب (ع)، لا يُحرمها وليّه، ولا ينالها عدوّه» [بحار الأنوار ج37 ص231].

فهذه النصوص تُبيّن أنّ شجرة طوبى ليست خلقاً مادّيَّاً أرضيَّاً كسائر أشجار الدنيا التي تنمو بالتراب والماء والزمن، بل هي خَلْقٌ نورانيٌّ مباشرٌ، نُسب إلى يد الله على جهة التشريف والتخصيص، تماماً كما نُسب خلقُ آدم إليه، وكما أُضيفت الكعبة و«بيتُ الله» إليه إضافةَ تكريمٍ وتعظيم.