هل مدح الإمام الصادق (ع) لمالك يتصادم مع مذهب الشيعة؟
السؤال: روى الصدوق عن أبي أحمد الأزديّ قال: «سمعت مالك بن أنس فقيه المدينة يقول: كنتُ أدخل على الصادق جعفر بن محمد (ع)، فيقدّم لي مخدّةً، ويعرف لي قدراً ويقول: يا مالك، إنّي أحبُّك، فكنت أسرّ بذلك، وأحمد الله عليه...». يدلّ الحديث على محبّة سيدنا الإمام جعفر الصادق (رضي الله عنه وعنا به) لسيدنا الإمام مالك بن أنس (رضي الله عنه وعنا به). والملاحظ أنَّ عبارة «فقيه المدينة» و«يا مالك، إنّي أحبّك، فكنت أسرّ بذلك، وأحمد الله عليه» حذفه بعض الرافضة في كتبهم لمناقضته معتقدهم.
الإجابة:
أول ما يلفت النظر في كلام السائل قوله: «وقد حذف بعض الرافضة عبارة كذا وكذا لمناقضتها معتقدهم»، وهذه الجملة – على بساطتها – تكشف أنَّ الاعتراض لم يقمْ على مراجعة المصادر، وإنَّما على تصورٍ مسبقٍ حُمل على النص دون تحقق. فالرواية التي استشهد بها السائل موجودةٌ في كلّ طبعات أمالي الصدوق دون تغييرٍ أو بتر، من المخطوطات القديمة إلى الطبعات المحققة، وهذا وحده يكفي لإبطال دعوى «الحذف»؛ إذ لا يمكن لعاقل أنْ يتحدّث عن حذفٍ حدث، بينما النص محفوظٌ ومطبوعٌ ومتداولٌ بين علماء الشيعة من قرون.
ثم إنَّ محتوى «فقيه المدينة» و«يا مالك، إني أحبك» لا يتضمن أدنى ما يناقض عقيدة الشيعة.
فقضية محبّة الإمام الصادق لمالك ينقلها نفس مالك بن أنس، وهو ممن لم يُنصّ على وثاقته عند علمائنا، مع أنَّ محبة الإمام (ع) له لا تُعدّ إشكالاً عند أحدٍ من علماء الإماميَّة، ولا تشكّل صدمةً لمذهبهم، ولا تقتضي لوازماً عقديةً أو فقهيةً تخرج عن المعهود، بل هي منسجمةٌ تماماً مع أخلاق أهل البيت الذين بُنيت سيرتهم على احترام أهل العلم وإكرام أهل الفضل من المسلمين جميعاً، فما المانع أنْ يحبّ الإمام الصادقُّ رجلاً من فقهاء المدينة؟ بل لو كانت الرواية تقول إنهّ جلس معه أو أكرمه أو دعا له، لكان هذا أمراً طبيعياً لا يستنكره الشيعة ولا يعارض منهجهم.
غير أنَّ السائل تجاوز هذا كله ليحتجّ بعبارةٍ أخرى هي «فقيه المدينة»، وكأنَّ في هذا اللقب ما يُربك مذهب الشيعة أو يزعزع أصلاً من أصولهم، والحقيقة أنَّ هذه الكلمة ليست أصلاً من كلام الإمام الصادق، بل هي من كلام الراوي أبي أحمد الأزديّ حين قال: «سمعتُ مالك بن أنس فقيه المدينة…». فهي وصفٌ يورده الراويّ كما يورد المحدّثون ألقاباً كثيرةً لأصحاب الروايات، مثل «مقرئ الكوفة» أو «فقيه مكة» أو «راوية البصرة»، وهذه أوصافٌ اصطلاحيّةٌ لا إشكال فيها عند أي طائفة، ولم يقل أحدٌ من علماء الشيعة يوماً إنَّ مالكاً ليس من فقهاء المدينة، فهذا أمرٌ متفقٌ عليه تاريخياً. فكيف تكون العبارة سبباً للحذف المزعوم، وهي ليست للإمام؟
هذا كله بناء على صحة الرواية، فإنَّ في إسناد الرواية: (عليّ بن الحسين السعدآباديّ)، وهو ممن لم يُنصّ على وثاقته.
واعلم أنَّ المشكلة الحقيقيّة في السؤال ليست في الرواية، بل في زاوية النظر إليها، فالسائل يتعامل مع التاريخ الإسلاميّ بمنطق الاصطفاف المتأخر، ثم يقيس العلاقات العلميّة في القرن الثاني الهجريّ بموازين النزاع المذهبيّ الذي ظهر بعد ذلك بزمنٍ طويلٍ. ففي زمن الإمام الصادق لم تكن المذاهب قد تبلورت بشكلها اللاحق، ولم تكن الحدود الفاصلة بينها قائمةً كما هي اليوم، بل كان العلماء يتزاورون ويتدارسون ويتأثر بعضهم ببعض، وكان الإمام الصادق –بحسب شهادة الجميع– يلتف حوله الفقهاء والعلماء، ولا توجد روايةٌ واحدةٌ تشير إلى أنَّه كان يتعامل مع الناس بمعيار الانتماء المذهبيّ، بل بمعيار العلم والخلق والدين.
اترك تعليق