هل صفة الخلق ذاتية أم فعلية؟ وهل يلزم منها أن الله لم يكن خالقًا قبل خلق المخلوقات؟

السؤال: يدّعي الشيعة أنَّ صفة الخلق لله (جلَّ وعلا) حادثةٌ بحدوث الأفعال، وأنَّه صار خالقاً بعد خلقه لمخلوقاته، أي أنّ صفة الخالق سبحانه تعتمد على خلق مخلوقاته وتحققها، فلو لم يخلقهم ما صار خالقاً. فكيف خلقهم وهو غير متصفٍ بصفة الخلق، ثم تحققت الصفة بتحقق الحوادث؟ فأمام الشيعة خياران: أحدهما: أنّه خلق صفة الخلق دونها ثم خلقهم، وبهذا تقولون: إنَّ له صفتين للخلق: أحدهما أزلية خلق بها صفته، وأخرى مخلوقةٌ خلق بها مخلوقاته. الآخر: أنْ توافقوا السلفيَّة وتقولوا: إنَّه سبحانه خالقٌ منذ الأزل، ونوع صفة الخلق أزليٌّ، وتتجدّد بالآحاد الحادثة، وإنَّ الله سبحانه لم يزلْ ولا يزال فعَّالاً، (أي صفة الخلق في الأصل ذاتيَّةٌ، وفي أفرادها فعليًّةٌ متعلقةٌ بالمشيئة).

: الشيخ معتصم السيد احمد

الجواب:

إنَّ الإشكال الذي طرحه السائل مبنيٌّ على سوء فهمٍ لمعنى الصفات عند الإماميّة، وبالخصوص الغفلة عن التمييز الجوهريّ بين صفات الذات وصفات الفعل؛ فالمدرسة الإماميّة تضع ميزاناً دقيقاً ـ عقلاً ونقلاً ـ لتقسيم صفات الله، ويمكن تلخيص ذلك في الآتي:

أولاً: صفات الذات هي كلّ صفةٍ يكفي فرض الذات وحدها في صدقها. فإذا قلت: الله عالمٌ، قادرٌ، حيٌّ… فلا تحتاج في صدق هذه الصفات إلى فرض أيّ شيءٍ خارجٍ عن الذات، فالله عالمٌ بنفسه لا بغيره، وقادرٌ بذاته لا بقوةٍ منفصلةٍ عنه.

وهذه الصفات: لا تتغير ولا تنتزع من واقع الفعل، بل هي ثابتةٌ له بالذات، فلا يجري عليها السلب مطلقاً، فلا يصحّ أنْ تقول: "لا يعلم" أو "لا يقدر" أو "ليس حيّاً"؛ ولذلك هي صفاتٌ أزليّةٌ أبديّةٌ. وهذا ما صرّح به الشيخ المفيد والمرتضى والطوسيّ، بل ورد معناه في رواياتٍ.

ثانياً: صفة الفعل تختلف عن صفات الذات؛ لأنّ فرض الذات فيها ليس كافياً لتوصيف الذات بها، بل تتوقف على فرض غيرها، كصفة الخلق التي تتوقف على فرض وجود الذات مضافاً إلى وجود المخلوق، أي أنّ صفة الخلق صفةٌ منتزعةٌ من واقع الفعل الخارجيّ، فالخلق والرزق ونحوهما أمورٌ لا تتحقق إلَّا عند وجود مخلوقٍ ومرزوقٍ؛ ولذلك يمكن أنْ يقال: خلق هذا ولم يخلق ذاك، ورزق هذا ولم يرزق ذاك. فالسلب والإثبات فيها ممكنٌ؛ لأنّها متجددةٌ بتجدد الفعل.

قال الشيخ المفيد: (لا يصحّ وصفه تعالى بأنّه يموت أو بأنّه يعجز أو بأنّه يجهل، ولا يصحّ وصفه بالخروج عن كونه حيّاً وعالماً وقادراً، ولكن يصحّ الوصف بأنّه غير خالقٍ اليوم، ولا رازقٍ لزيدٍ، ولا محييٍ لميتٍ، ولا مبدئٍ لشيءٍ في هذا الحال ولا معيدٍ له، ويصح الوصف له بأنّه يرزق، ويمنع، ويحيي، ويميت، ويبدئ، ويعيد، ويوجد، ويعدم، فثبت أنّ العبرة في أوصاف الذات وأوصاف الأفعال بما ذكرنا) [تصحيح الاعتقاد ص١٨٥ـ١٨٦].

ثالثاً: بناءً على هذا التمييز يسقط الإشكال من أساسه، حيث بنى السائل الإشكال على كون صفة الخلق صفةً ذاتيّةً، وهذا يستوجب وجود الخلق معه منذ الأزل، فهناك فرقٌ بين أن نقول: الله قادرٌ على الخلق ولكنه لم يخلق منذ الأزل. وبين قولنا: الله خالقٌ من الأزل. فالأول يثبت له القدرة والاختيار على الخلق، والثاني يثبت وجود الخلق معه منذ الأزل، ولا نظن أنّ هناك مسلماً يصرح بذلك.

فالحقيقة أنّ الله قادرٌ منذ الأزل على الإيجاد، والقدرة لا تتوقف على وجود المخلوق، أمّا خلق السماوات والأرض، أو خلق زيدٍ من الناس أمرٌ متعلقٌ بفعله تعالى وهو حادثٌ لا محالة، فكون الله خالقاً لفلانٍ صفة فعلٍ وليست صفة ذاتٍ؛ لأنّ الفعل يقع في ظرفٍ زمانيٍّ معينٍ.

فالخلط بين القدرة على الخلق (صفة ذات) وبين فعل الخلق (صفة فعل) هو أساس الوهم كله، وبذلك يكون القول المنسوب للشيعة بأنّ "الله لم يكن خالقاً فصار خالقاً" تحريفاً للفكرة، فالله تعالى لم يتغير، إنّما تغيّر المخلوق.

فلا يتوقف الأمر على أنْ يخيرنا السائل بين خيارين لا واقع لهما في عقيدة الصفات عند الشيعة، فلا حاجة للقول بأنّ الله خلق صفة الخلق ثم خلق بها الأشياء؛ لأنّ الله قادرٌ على الخلق، لكنه مختارٌ يخلق متى يشاء وكيف يشاء، فإذا خلق قلنا: خالقٌ، وإذا لم يخلق قلنا: ليس بخالقٍ في هذا الوقت.

أمّا خيار أنْ نكون مثل السلفيّة فلم نفهمه؛ فإذا كان السلفيّة يقولون بأنّ صفة الخلق قديمةٌ وهو لا يقبلها، وفي الوقت نفسه لا يقبل خيار الشيعة بأنّ صفة الخلق فعليّةٌ تتعلق بالمخلوق، فماذا يختار هو إذن؟

وفي المحصلة، الله تعالى قادرٌ منذ الأزل، كامل الصفات، لا يطرأ على ذاته تغييرٌ ولا حدوثٌ، والخلق صفة فعلٍ؛ لأنّ اسم "الخالق" ينتزع من الفعل عند حصوله.