هل تكونت الزهراء (ع) من ثمار الجنة؟
السؤال: هل ثبت في مصادر المسلمين أنَّ فاطمة الزهراء (عليها السلام) تكوَّنت من ثمار الجنَّة؟
الجواب
بسم الله الرحمن الرحيم
اعلم عزيزي السائل بأنَّ الروايات عندنا وعند مخالفينا صريحةٌ في تكوُّن الصدِّيقة الزهراء (عليها السلام) من ثمار الجنَّة عندما أرج بالنبيِّ الأعظم (صلَّى الله عليه وآله) إلى السماء بعد البعثة النبوية بثلاث سنين، نذكر جملة منها في ضمن مقامين:
المقام الأوَّل: روايات الشيعة:
1ـ روى الشيخ علي بن إبراهيم القمِّي (طاب ثراه) بسندٍ صحيح عن أبي عبد الله (عليه السلام)، وفيه: «كان رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) يكثر تقبيل فاطمة (عليها السلام) فغضبت من ذلك عائشة، وقالت: يا رسول الله، إنك تُكثر تقبيل فاطمة (عليها السلام)؟ فقال رسول الله (صلَّى الله عليه وآله): يا عائشة، إنه لما أسري بي إلى السماء دخلتُ الجنَّة فأدناني جبرائيل (عليه السلام) من شجرة طوبى وناولني من ثمارها فأكلته، فلما هبطتُ إلى الأرض حوَّل الله ذلك ماءً في ظهري، فواقعت بخديجة فحملتْ بفاطمة، فما قبَّلتها إلَّا وجدتُ رائحة شجرة طوبى منها» [تفسير القمِّي ج1 ص21].
2ـ وروى الشيخ الصدوق (طاب ثراه) بسندٍ صحيح عن عبد السلام بن صالح الهرويّ، عن الإمام علي بن موسى الرضا (عليه السلام)، وفيه: «فقلتُ له: يا بن رسول الله، فأخبرني عن الجنَّة والنار أهما اليوم مخلوقتان؟ فقال: نعم، وإنَّ رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) قد دخل الجنَّة ورأى النار لما عرج به إلى السماء. قال: فقلت له: فإنَّ قوماً يقولون: إنَّهما اليوم مقدَّرتان غير مخلوقين؟ فقال (عليه السلام): ما أولئك منا ولا نحن منهم، من أنكر خلق الجنَّة والنار فقد كذَّب النبيَّ (صلَّى الله عليه وآله) وكذَّبنا، وليس من ولايتنا على شيء، وخُلِّد في نار جهنم.. إلى قوله: وقال النبيُّ (صلَّى الله عليه وآله): لما عُرج بي إلى السماء أخذ بيدي جبرئيل (عليه السلام) فأدخلني الجنَّة، فناولني من رطبها فأكلته، فتحوَّل ذلك نطفةً في صُلبي، فلما هبطتُ إلى الأرض واقعتُ خديجة فحملتْ بفاطمة، ففاطمة حوراء إنسيَّة، فكلما اشتقتُ إلى رائحة الجنَّة شممتُ رائحة ابنتي فاطمة» [الأمالي ص545، التوحيد ص117، عيون أخبار الرضا ج1 ص105].
3ـ وروى (طاب ثراه) ـ أيضاً ـ بسندٍ معتبر عن سدير الصيرفيّ، عن الصادق جعفر بن محمَّد، عن أبيه، عن جدِّه (عليهم السلام) قال: قال رسول الله (صلَّى الله عليه وآله): «خُلق نور فاطمة (عليها السلام) قبل أنْ تخلق الأرض والسماء ... إلى قوله: فلما خلق الله (عزَّ وجلَّ) آدم وأخرجني من صلبه أحب الله (عزَّ وجلَّ) أنْ يخرجها من صلبي جعلها تفاحةً في الجنَّة، وأتاني بها جبرئيل (عليه السلام) فقال لي: السلام عليك ورحمة الله وبركاته يا محمَّد، قلتُ: وعليك السلام ورحمة الله حبيبي جبرئيل. فقال: يا محمَّد، إنَّ ربك يقرئك السلام. قلتُ: منه السلام وإليه يعود السلام. قال: يا محمَّد، إنَّ هذه تفاحة أهداها الله (عزَّ وجلَّ) إليك من الجنَّة فأخذتها وضممتها إلى صدري. قال: يا محمَّد، يقول الله (جلَّ جلاله): كلْها. ففلقتها فرأيتُ نوراً ساطعاً ففزعتُ منه، فقال: يا محمَّد، مالك لا تأكل؟ كلْها ولا تخف، فإنَّ ذلك النور المنصورة في السماء، وهي في الأرض فاطمة.. الحديث» [معاني الأخبار ص396].
4ـ وروى (طاب ثراه) ـ أيضاً ـ بسنده عن جابر عن أبي جعفر محمَّد بن علي (عليه السلام) عن جابر بن عبد الله قال: «قيل: يا رسول الله، إنَّك تلثم فاطمة وتلتزمها وتدنيها منك وتفعل بها مالا تفعله بأحدٍ من بناتك؟ فقال: إنَّ جبرئيل (عليه السلام) أتاني بتفاحةٍ من تفَّاح الجنَّة فأكلتها، فتحوَّلت ماءً في صُلبي، ثمَّ واقعتُ خديجة فحملتْ بفاطمة، فأنا أشمُّ منها رائحة الجنَّة» [علل الشرائع ج1 ص183].
5ـ وروى (طاب ثراه) ـ أيضاً ـ بسنده عن ابن عبَّاس قال: «دخلت عائشة على رسول الله وهو يقبِّل فاطمة، فقالت له: أتحبُّها يا رسول الله؟ قال: أما والله لو علمتِ حبِّي لها لازددتِ لها حباً ... إلى قوله: ثمَّ تقدَّمت أمامي، فإذا أنا برطبٍ ألين من الزبد، وأطيب رائحة من المسك، وأحلى من العسل، فأخذتُ رطبة فأكلتها فتحوَّلت الرطبة نطفةً في صُلبي، فلما أنْ هبطتُ إلى الأرض واقعتُ خديجة بفاطمة، ففاطمةُ حوراء إنسية، فإذا اشتقتُ إلى الجنَّة شممتُ رائحة فاطمة (عليها السلام)» [علل الشرائع ج1 ص183]. إلى غيرها من الروايات في مصادر الشيعة.
المقام الثاني: روايات العامَّة:
1ـ روى أبو القاسم الطبرانيُّ بسنده عن عائشة قالت: «كنتُ أرى رسول الله (صلَّى الله عليه [وآله] وسلَّم) يقبِّل فاطمة، فقلتُ: يا رسول الله، إني أراك تفعل شيئاً ما كنتُ أراك تفعله من قبل؟ فقال لي: يا حميراء، إنه لما كان ليلة أسري بي إلى السماء أدخلتُ الجنَّة، فوقفتُ على شجرةٍ من شجر الجنَّة، لم أرَ في الجنَّة شجرة هي أحسن منها حسناً، ولا أبيض منها ورقة، ولا أطيب منها ثمرة، فتناولتُ ثمرةً من ثمرتها، فأكلتُها فصارتْ نطفة في صُلبي، فلما هبطتُ الأرض واقعتُ خديجة فحملتْ بفاطمة، فإذا أنا اشتقتُ إلى رائحة الجنَّة شممتُ ريح فاطمة. يا حميراء، إنَّ فاطمة ليست كنساء الآدميين، ولا تعتل كما يعتلون» [المعجم الكبير ج22 ص400، مجمع الزوائد ج9 ص202].
2ـ وروى ابن عساكر بسنده عن أنس، عن أم سليم زوجة أبي طلحة الأنصاريّ أنَّها قالت: «لم تر فاطمة بنت رسول الله (صلَّى الله عليه [وآله] وسلَّم) دماً قطُّ في حيضٍ ولا نفاس، وكانت تصبُّ عليها من ماء الجنَّة، وذلك أنَّ رسول الله (صلَّى الله عليه [وآله] وسلَّم) لما أسري به دخل الجنَّة وأكل من فاكهة الجنَّة، وشرب من ماء الجنَّة، فنزل من ليلته فوقع على خديجة فحملت بفاطمة، فكان حمل فاطمة من ماء الجنَّة» [تاريخ دمشق ج40 ص354].
3ـ وروى الحاكم وابن المغازلي والسيوطي بالإسناد عن سعد بن مالك قال: «قال رسول الله (صلَّى الله عليه [وآله] وسلَّم): أتاني جبريل (عليه الصلاة والسلام) بسفرجلةٍ من الجنَّة، فأكلتها ليلة أسري بي، فعلقتْ خديجة بفاطمة، فكنت إذا اشتقت إلى رائحة الجنَّة شممتُ رقبة فاطمة» [المستدرك ج3 ص169، مناقب علي ص423، الخصائص الكبرى ج1 ص291].
4ـ وروى ابن مالك الحنفيُّ عن رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) أنَّه قال: «لما مات ولدي من خديجة أوحى الله تعالى ألَّا تقربها، وكنتُ بها محباً، فسألتُ الله تعالى أنْ يجمع بيني وبينها، فأتاني جبريل (عليه السلام) ليلة الجمعة، لأربعٍ خلون من شهر رمضان بطبقٍ من رطب الجنَّة، فقال لي: يا محمَّد، كلْ هذا وواقِعْ خديجة الليلة، ففعلتُ، فحملت بفاطمة، فما لثمتُ فاطمة إلَّا وجدتُ ريح ذلك الرطب منها» [شرح المصابيح ج6 ص455].
5ـ وقد أفتى بذلك السرخسيُّ فقال: (... فأمَّا نظره إلى ذوات محارمه فنقول: يباح له أنْ ينظر إلى موضع الزينة الظاهرة والباطنة ... إلى قوله: وكما يباح النظر إلى هذه المواضع يباح المس لما روي: أنَّ النبيَّ (صلَّى الله عليه [وآله] وسلَّم) كان يقبِّل فاطمة (رضي الله عنها) ويقول: أجد منها ريح الجنَّة) [المبسوط ج10 ص149]. إلى غيرها من الروايات في مصادر العامَّة.
تنبيهان:
التنبيه الأوَّل: ذهب جمعٌ من علماء العامَّة إلى القول بوضع هذه الروايات، نتيجة لما ذهب إليه البعض من أنَّ ولادتها (عليها السلام) كانت قبل البعثة. ولكنَّ الصحيح في ذلك أنَّها ولدت بعد البعثة، وقد فصَّلنا ذلك في جواب مستقل تحت عنوان (متى ولدت الزهراء؟) فراجع إنْ شئت ذلك.
التنبيه الثاني: قد يُقال بوجود تضارب بين هذه الروايات، إذْ في بعضها أنَّ الطعام الذي أكله النبيُّ هو الرطب، وفي غيرها التفَّاح، وفي غيرها السفرجل؟ ولكنَّ وجه الجمع أنه (صلَّى الله عليه وآله) أكل من جميع هذه الأنواع، والشاهد على ذلك ما رواه العامَّة والخاصَّة من أنَّه أكل من (ثمار) الجنَّة، أو من فاكهتها الجامع لكلِّ هذه الأصناف.
والنتيجة النهائيَّة من كلِّ ذلك: أنَّ الروايات الدالَّة على تكوُّن الصدِّيقة الزهراء (صلوات الله عليها) من ثمار الجنَّة مروية عند الفريقين على حدٍّ سواء.. والحمد لله ربِّ العالمين.
اترك تعليق