هل سجد أبو بكر وعمر للأصنام؟
السؤال: ما هو دليل الشيعة على أنَّ أبا بكرٍ وعمر قد سجدا للأصنام؟
الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم
إنَّ عبادة أبي بكرٍ وعمر للأصنام من الواضحات التي لا يختلف فيها اثنان، بل إنَّ وضوح هذا الأمر حتَّى عند جمهور العامَّة؛ ولذلك لم يعترضوا على الشيعة بالإنكار حين قولهم بعبادة المذكورَين للأصنام، وإنَّما ظهرت بعض التشكيكات في الأزمنة المتأخِّرة من قِبل بعض المتعصِّبين لهما.
وعلى أيِّ حالٍ، فقد دلَّ على سجودهما وعبادتهما للأصنام جملةٌ من الأدلَّة والشواهد، نذكر قسماً منها ضمن أمورٍ:
الأمر الأوَّل: اختصاص أمير المؤمنين (عليه السلام) بعبارة: «كرَّم الله وجهه»:
فإنَّ السبب في توصيفه (عليه السلام) بهذا الوصف؛ لعدم سجوده للأصنام قطّ، فلو كان أبو بكرٍ وعمر كذلك لما صحَّ له ذلك خاصَّةً، بل لرأيتَ أتباعهما يصرخون بذاك ليل نهار، كما هو واضحٌ.
وبعبارةٍ أُخرى: اختصاص أمير المؤمنين (عليه السلام) بذلك اللقب يدلُّ على سجود أبي بكرٍ وعمر للأصنام آنذاك، وإلَّا فلا وجه لتخصيص أمير المؤمنين (عليه السلام) بذلك دونهما، والحال أنَّهم يعتقدون بتفضيلهما عليه الأمر الذي يُشير إلى ما قلناه من أنَّهما كانا ممن سجد للأصنام والأوثان.
1ـ قال الحاكم النيسابوريُّ: (معنى قولهم: «عليٌّ كرَّم الله وجهه»، لم يسجد لصنمٍ قطّ) [مرآة الزمان ج6 ص434].
2ـ وقال ابن المستوفيِّ: (حدَّثني القاضي أبو الفضل خداذاذ ابن أبي القاسم بن خداذاذ بن يعقوب البيلقانيُّ ... من لفظه وحفظه بإربل، قال: كنتُ لا أزال أرى في الكتب عند ذكر عليٍّ «كرَّم الله وجهه»، فقلتُ في نفسي: ما بالهم لم يكتبوا عند ذكر سواه من الصحابة «كرَّم الله وجهه»؟ ما هذا إلَّا لشأنٍ، فأُريتُ في منامي رجلاً شيخاً مهيباً، وسألتُه عن ذلك، فقال: إنَّما اختصَّ بقولهم «كرَّم الله وجهه» لأنَّه (رضي الله عنه) لم يسجد لصنمٍ قطّ) [تاريخ إربل ج1 ص101].
3ـ وقال ابن حجرٍ الهيتميُّ: (وسُئل عن حكمة استعمال «كرَّم الله وجهه» في حقِّ عليٍّ (رضي الله عنه)، دون غيره عوضاً عن الترضِّي، وهل يُستعمل ذلك لغيره من الصحابة؟ فأجاب بقوله: حكمة ذلك أنَّ عليّاً (كرَّم الله وجهه ورضي الله عنه) لم يسجد لصنمٍ قطّ، فناسب أنْ يُدعى له بما هو مطابقٌ له من تكرمة الوجه، والمراد به حقيقةً أو الكناية عن الذات. أيْ حفظه عن أنْ يتوجَّه لغير الله تعالى في عبادته) [الفتاوى الحديثية ص41].
4ـ وقال السفارينيُّ: (قد ذاع ذلك وشاع وملأ الطروس والأسماع. قال الأشياخ: وإنَّما خُصَّ عليٌّ (رضي الله عنه) بقول «كرَّم الله وجهه» لأنَّه ما سجد إلى صنمٍ قطّ، وهذا إنْ شاء الله تعالى لا بأس به، والله الموفِّق) [غذاء الألباب ج1 ص33].
إلى غيرها من الكلمات الواردة في هذا الشأن.
وملخَّص الكلام: أنَّ وصف أمير المؤمنين (عليه السلام) بهذا الوصف يدلُّ بشكلٍ واضحٍ على أنَّ أبا بكرٍ وعمر كانا يسجدان للأصنام ويعكفان على عبادتها، وإلَّا لرأيتَ الكتب والحناجر تصدح بذلك ليل نهار، كما هو واضحٌ وبيِّنٌ.
الأمر الثاني: الأخبار والآثار في ذلك:
فقد ورد في جملةٍ من الأخبار والآثار عند العامَّة والخاصَّة أنَّهما كانا يعبُدان الأصنام ويعكفان عليها، نذكر بعضاً منها:
1ـ روى البيهقيُّ وابن كثيرٍ والمقريزيُّ ـ واللفظ للأوَّل ـ بالإسناد عن ابن إسحاق قال: «إنَّ أبا بكرٍ لقي رسول الله (صلَّى الله عليه [وآله] وسلَّم) فقال: أحقٌّ ما تقول قريشٌ ـ يا محمَّدُ ـ من تركِكَ آلهتنا وتسفيهِكَ عقولنا وتكفيرِكَ آباءنا؟! فقال رسول الله: بلى، إنِّي رسول الله ونبيُّه، بعثني لأبلِّغ رسالته وأدعوك إلى الله بالحقِّ، فوالله إنَّه للحقِّ، أدعوك يا أبا بكرٍ إلى الله وحده لا شريك له، ولا تعبُد غيره، والموالاة على طاعته، وقرأ عليه القرآن فلم يُقرَّ ولم يُنكر، فأسلم وكفر بالأصنام وخلع الأنداد» [دلائل النبوَّة ج2 ص163، البداية والنهاية ج3 ص37، إمتاع الأسماع ج9 ص94].
والشاهد في هذه الرواية: قول رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) لأبي بكرٍ: «ولا تعبُد غيره»، وقول أبي بكرٍ لرسول الله (صلَّى الله عليه وآله): (تركِكَ آلهتنا، وتسفيهِكَ عقولنا، وتكفيرِكَ آباءنا)، وقول الراوي في أبي بكرٍ: (وكفر بالأصنام وخلع الأنداد)، فإنَّه يدلُّ على أنَّه كان مشركاً يعبُد الأصنام.
2ـ وقال عبَّاس محمود العقَّاد: «انتقلتْ إلينا في بعض الروايات، وخلاصتها: أنَّه [أي عمر بن الخطَّاب] كان جالساً مع بعض الصحابة، إذْ ضحك قليلاً ثمَّ بكى، فسأله من حضر، فقال: كنَّا في الجاهليَّة نصنع صنماً من العجوة فنعبده ثمَّ نأكله، وهذا سبب ضحكي. أمَّا بكائي، فلأنَّه كانت لي ابنةٌ فأردتُ وأدها فأخذتها معي وحفرتُ لها حفرةً، فصارتْ تنفض التراب عن لحيتي فدفنتها حيَّةً» [عبقرية عمر ص204].
والعقَّاد هذا وإنْ كان مُنكِراً للقصَّة هذه إلَّا أنَّه يعترف بانتقالها إليهم عن طريق بعض رواياتهم. كما أنَّ العلَّامة الشنقيطيَّ أرسلها إرسال المسلَّماتِ مما يدلُّ على وضوح هذا الأمر حتَّى عندهم كما أشرنا إليه سابقاً، وكذلك محمَّد أحمد إسماعيل المقدَّم [يُنظر: أضواء البيان ج ٨ ص ٤٣٩، عودة الحجاب ج2 ص65]، وغيرهما.
3ـ وروى سُليم بن قيسٍ والحسن بن سُليمان الحلِّيّ ـ من الشيعة ـ عن أمير المؤمنين (عليه السلام)، وفيه قوله فيهما: «... فقال له صاحبه: لا، ولكنْ نتخذ صنماً عظيماً نعبده؛ لأنَّا لا نأمن أنْ يظفر ابن أبي كبشة فيكون هلاكنا، ولكن يكون هذا الصنم لنا ذخراً، فإنْ ظفرتْ قريشٌ أظهرنا عبادة هذا الصنم وأعلمناهم أنا لنْ نفارق ديننا، وإنْ رجعت دولة ابن أبي كبشة كنا مقيمين على عبادة هذا الصنم سرّاً. فنزل جبرئيل (عليه السلام) فأخبر النبيَّ (صلَّى الله عليه وآله) بذلك، ثمَّ خبَّر به رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) بعد قتلي ابن عبد ودٍّ. فدعاهما فقال: كم صنمٍ عبدتما في الجاهليَّة؟ فقالا: يا محمَّدُ، لا تعيِّرنا بما مضى في الجاهليَّة! فقال (صلَّى الله عليه وآله) لهما: فكم صنمٍ تعبدان يومكما هذا؟ فقالا: والذي بعثك بالحقِّ نبيّاً ما نعبد إلَّا الله منذ أظهرنا من دينك ما أظهرنا. فقال: يا عليُّ، خذ هذا السيف، فانطلق إلى موضع كذا وكذا فاستخرج الصنم الذي يعبدانه فاهشمه. فإنْ حال بينك وبينه أحدٌ فاضرب عنقه ... وانطلقتُ حتَّى استخرجتُ الصنم من موضعه، وكسرتُ وجهه ويديه وجذمتُ رجليه» [كتاب سُليم ص٢٤٩، المحتضر ص ١٠٧، مدينة المعاجز ج2 ص ٨٨، وغيرها].
الأمر الثالث: كلمات الأعلام في ذلك:
فقد ورد في جملةٍ من كلمات علماء الإماميَّة وغيرهم أنَّهما كانا يعبُدان الأصنام ويسجدان لها، نذكر جملةً منها:
1ـ قال شيخنا المفيد (طاب ثراه): (قد اتفقت الكافَّة على أنَّ أبا بكرٍ وعمر وعثمان وطلحة والزبير وسعداً وسعيداً وأبا عبيدة وعبد الرحمن قد عبدوا قبل بعثة النبيِّ (صلَّى الله عليه وآله) الأصنام، وكانوا دهراً طويلاً يسجدون للأوثان من دون الله تعالى، ويشركون به الأنداد) [الإفصاح ص١٤٦].
2ـ وقال شيخنا عماد الدين الطبريُّ (طاب ثراه) في أمير المؤمنين (عليه السلام): (لأنَّه ولد بين يدي الرسول ولم يسجد لصنمٍ أو يعبد صنماً أبداً. وكان أبو بكرٍ يعبد الأصنام ستاً وأربعين سنةً) [كامل البهائيِّ ج2 ص186]. وانظر أيضاً: [شرح إحقاق الحقِّ ج3 ص181، الصوارم المهرقة ص٣١٢].
3ـ وقال شيخنا النباطيُّ (طاب ثراه): (تذنيبٌ: أقام أبو بكرٍ يعبُد الأصنام، ونبت لحمه على ما ذُبح على النصب والأزلام، وغير ذلك من شرب الخمور، وأعمال الجاهليَّة والفجور، لو عُرضتْ هذه على عليٍّ وغيره من الأبرار لتعوَّذ منها من النار) [الصراط المستقيم ج2 ص٧٢].
4ـ وقال شيخنا القمِّيّ (طاب ثراه): (في كتاب مشارق الأنوار نقلاً عن صاحب الملل والنحل والنسَّابين: وأمَّا أبا بكرٍ فإنَّه كان لقبه عبد اللَّات، وكان يخدمها، وكان عاكفاً على عبادتها والسجود لها أربعين سنةً، وكان خيَّاطاً، فأظهر الإسلام، فسمَّاه رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) عبد الله، وكان اسمه في الجاهليَّة عتيقاً؛ لأنَّه كان قديم الهجرة في خدمة الأصنام، وكان يطليها بالدهن، ويطلي بفصيلتها حتَّى اسوَدَّ فسمِّي عتيقاً) [الأربعين في إمامة الأئمَّة الطاهرين ص٥٣٢].
5ـ وقال القرطبيُّ ـ من العامَّة ـ في كلامٍ له: (إنَّ المؤمن يستحقُّ الثواب، والكافر يستحقُّ العقاب، بل يجب تقييده بالموافاة؛ ولأجل هذا قلنا: إنَّ الله راضٍ عن عمر في الوقت الذي كان يعبُد الأصنام، ومُزيدٌ لثوابه ودخوله الجنَّة، لا لعبادته الصنم، لكنْ لإيمانه الموافي به. وإنَّ الله تعالى ساخطٌ على إبليس في حال عبادته، لكفره الموافي به) [الجامع لأحكام القرآن ج1 ص194].
ومحلُّ الشاهد من كلامه هذا، هو إقراره بعبادة عمر بن الخطَّاب للأصنام، وأمَّا دعوى موافاته الإيمان ودخوله الجنَّة، فهو كما ترى.
والنتيجة النهائيَّة من جميع ذلك، أنَّ هذه الأدلَّة والشواهد المذكورة ـ فضلاً عن وضوح المسألة عندنا وعند القوم كما قلنا ـ كافيةٌ في إثبات كونهما قد سجدا للأصنام وعكفا على عبادتها.. والحمد لله ربِّ العالمين.
اترك تعليق