العداوة بين عائشة وبني أمية

السؤال: هل كانت هناك عداوةٌ بين عائشة وبني أُميَّة قبل وبعد قتل عثمان؟

: السيد أبو اَلحسن علي الموسوي

الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم

اعلم – أيَّدك الله – أنّ سِيرَ الأوائل ومُسطورات أهل السِّيَر والآثار ناطقةٌ بأنّ الصِّلة بين عائشة وبين بني أُميَّة لم تكن على وتيرةٍ واحدةٍ، بل تقلّبت بها الأحوال، فتارةً تراها في حَيِّز التوتر والمباينة، وأخرى تؤول إلى جهة التوافق والتعاضد لمصالحَ اقتضاها الحال، لا سيّما في واقعة الطَّلب بدمِ عثمان بن عفان. وهاك تفصيل البيان في مآل تلك العلاقة قَبيل مقتله وبُعَيدَه:

أما القول في المرحلة الأولى (ما قبل قتل عثمان):

فقد كانت الشواهد دالَّةً على وقوعِ المنافرةِ والمباينةِ بين الطرفين، حيث اتسم الخطابُ بالغلظةِ والنقدِ الشديد لسياسةِ عثمان، وبلغ الأمرُ مبلغهُ في التصريحِ بالخلاف، وهو ما استفاضت به كتب السير والتواريخ المعتبرة، فكانت العلاقةُ حينئذٍ قائمةً على القطيعةِ لا على الوِفاق، ومن تلك الشواهد ما رواه سيف بن عمر وابن جرير الطبريُّ في أخبار سنه ست وثلاثين (... فانصرفت [عائشة] إلى مكة وهي تقول: قتل والله عثمان مظلوماً، والله لأطلبنَّ بدمه، فقال لها ابن أم كلاب: ولم فوالله إنَّ أول من أمال حرفه لأنت ولقد كنت تقولين: اقتلوا نعثلاً فقد كفر، قالت: إنَّهم استتابوه، ثمَّ قتلوه وقد قلتُ، وقالوا: وقولي الأخير خيرٌ من قولي الأول، فقال لها ابن أم كلاب:

فَمِنْكِ الْبَدَاءُ وَمِنْكِ الْغِيَرْ *** وَمِنْكِ الرِّيَاحُ وَمِنْكِ الْمَطَرْ

وَأَنْتِ أَمَرْتِ بِقَتْلِ الإِمَامِ *** وَقُلْتِ لَنَا إِنَّهُ قَدْ كَفَرْ

فَهَبْنَا أَطَعْنَاكِ فِي قَتْلِهِ *** وَقَاتِلُهُ عِنْدَنَا مَنْ أَمَرْ

وَلَمْ يَسْقُطِ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِنَا *** وَلَمْ تنكف شَمْسُنَا وَالْقَمَرْ

وَقَدْ بَايَعَ النَّاسُ ذَا تَدَرّإٍ *** يُزِيلُ الشَّبَا وَيُقِيمُ الصَّعَرْ

وَيَلْبَسُ لِلْحَرْبِ أَثْوَابَهَا *** وَمَا مَنْ وَفَى مِثْلَ مَنْ قَدْ غَدَرْ

[الفتنة ووقعة الجمل ص115، تاريخ الطبري ج4 ص594].

وأما القول في المرحلة الثانية (ما بعد الواقعة):

فقد انقلبَ الأمرُ إلى النقيض، حيث صارَ دمُ عثمان مِلاكاً للاجتماع ووجهاً للمصلحةِ المشتركة، فانتقلَ الطرفانِ من حيِّزِ الخصومةِ إلى رِحابِ التحالفِ العسكريِّ والسياسيِّ، وبرزَ ذلك جليّاً في خروجِهم إلى البصرة، طلباً لما أسموه بـ (الثأر)، فاجتمعت كلمةُ بني أُميَّة مع توجُّهاتِ عائشة في مواجهةِ خلافة أمير المؤمنين عليٍّ (عليه السلام)، وهو ما يُعرف في الاصطلاح التاريخيِّ ببدءِ عصرِ الانقسامِ الكبير.

ومن الشواهد على ذلك: ما قاله أبو الفرج المعروف بابن العبريِّ (ت ٦٨٥هـ): (وكانت عائشة تؤلّب على عثمان وتطعن فيه وكان هواها في طلحة. فبينا هي قد أقبلت راجعةً من الحج استقبلها راكبٌ. فقالت: ما وراءك؟ قال: قتل عثمان. قالت: كأنِّي أنظر إلى الناس يبايعون طلحة. فجاء راكبٌ آخر، فقالت: ما وراءك؟ قال: بايع الناس عليّاً. قالت: وا عثماناه ما قتله إلّا عليٌّ. لإصبعٌ من عثمان خيرٌ من طباق الأرض أمثالهم! فقال لها رجلٌ من أحوالها: والله أوّل من أمال حرفه لأنت، ولقد كنت تقولين: ‌اقتلوا ‌نعثلاً فقد كفر. قالت: إنَّهم استتابوه ثمَّ قتلوه) [تاريخ مختصر الدول ج1 ص105].

ثمّ إنّ الناظر في مآلات الأمور، يجدُ أنّ ذلك الوِفاق لم يكن إلَّا عارضاً صَرفَتهُ المقادير؛ إذ سرعان ما عادت نائرةُ العداء لتضطرم بين عائشة وبني أُميَّة، واستحكمتِ القطيعةُ إلى أواخر أيامها.

ولعلّ من أعظمِ ما أوغرَ الصدورَ وأذكى الخصومة، ما جرى من نكبةِ أخويها (عبد الرحمن ومحمَّد)، حيثُ سالت دماؤهما بسيوفِ بني أُميَّة، فكانت تلكَ الواقعة جُرحاً لا يندمل [ينظر: الاستيعاب ج2 ص393، الكامل في التاريخ ج3 ص199].

فقد روى البخاريُّ بالإسناد إلى مروان قال «دخلتُ مع معاوية على عائشة فقالت: يا معاوية، قتلتَ حجراً وأصحابه؟ أما خشيت أنْ أخبّأ لك رجلاً ‌فيقتلك ‌بقتل ‌أخي؟ قال: لا، إنِّي في بيت أمانٍ» [التاريخ الأوسط ص95].

وقد بلغت الشحناءُ مبلَغاً عظيماً، تجلّى في مَواقفَ يندى لها الجبين؛ منها ما نُقل من التشفّي الذي أظهرتهُ أم حبيبة حين أرسلت شاةً مصليةً كرمزيةٍ للشماتة بمقتلِ أخيها، إشارةً منها إلى دورِ عائشة في التحريضِ الأول على عثمان.

روى ابن الجوزيِّ وسبطه والديار بكري –واللفظ لابن الجوزيِّ- بالإسناد إلى يزيد بن أبي حبيب، قال: «بعث معاوية بن حديج بمولىً له يقال له سليم بشيراً بقتل محمَّد بن أبي بكر ومعه قميص محمَّد بن أبي بكر ودخل به دار عثمان، فاجتمع إليه آل عثمان من رجالٍ ونساءٍ، وأظهروا السرور بمقتله، وأمرت أم حبيبة بنت أبي سفيان بكبشٍ يشوى وبعثت بذلك إلى عائشة وقالت: هكذا شوي أخوك، فلم تأكل عائشة شواءً حتَّى لحقت بالله عزَّ وجلَّ» [المنتظم في تاريخ الملوك والأمم ج5 ص152، مرآة الزمان في تواريخ الأعيان ج6 ص398، تاريخ الخميس ج2 ص239].

وذكر سبط ابن الجوزيِّ أنَّ عائشة شتمت أم حبيبة (لمَّا بلغ أمَّ حبيبة — أخت معاوية بن أبي سفيان — قتلُ محمَّد بن أبي بكر وتحريقه، شَوَت كبشاً وبعثتْ به إلى عائشة تشفِّياً بقتل محمَّدٍ، فقالت عائشة: قاتل الله ابنة العاهرة) [تذكرة الخواص ج1 ص101].

ولم يقفِ الأمرُ عند النساء، بل تجاوزه إلى ملوكِ القومِ وأمرائِهم، فكانت تنال من معاوية بلسانِها، بينما أطلقَت على مروان بن الحكم لسانَ اللعنِ في حقّه، في تباينٍ صارخٍ يكشفُ زيفَ التحالفاتِ التي بُنيت على غيرِ هُدى.

روى ابن عساكر بالإسناد إلى الأسود بن يزيد قال: قلت لعائشة: ألا تعجبين لرجلٍ من الطلقاء ينازع أصحاب محمَّدٍ صلَّى الله عليه وسلَّم في الخلافة؟ قالت: «وما تعجب من ذلك؟ هو سلطان الله ‌يؤتيه ‌البرَّ ‌والفاجر، وقد ملك فرعون أهل مصر أربع مائة سنةٍ» [تاريخ دمشق ج59 ص145].

روى ابن أبي خثيمة بالإسناد إلى محمَّد بن زياد: «أنَّ معاوية كتب إلى مروان بن الحكم أن يبايع الناس ليزيد. فقال عبد الرحمن بن أبي بكر: لقد جئتم بها هرقليةً وقوقيةً! تبايعون لأبنائكم؟! فقال مروان: يا أيُّها الناس: ها إنَّ هذا الذي يقول الله: {وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَّكُمَا أَتَعِدَانِنِي أَنْ أُخْرَجَ وَقَدْ خَلَتِ الْقُرُونُ مِن قَبْلِي} [الأحقاف: 17]. قال: فغضبت عائشة، وقالت: والله ما هو هو، ولو شئتُ أنْ أسميَه لسمّيتُه، ولكنَّ الله ‌لعن ‌أباك ‌وأنت ‌في ‌صلبه، فأنت فضضٌ من لعنةٍ» [التأريخ الكبير ج2 ص70].

نكتفي بهذا القدر والحمد لله أولاً وآخراً.