هل وقع تنازع بين أمير المؤمنين والسيدة الزهراء (ع)؟
السؤال: هل كانت هناك مشاكلٌ كثيرةٌ تحصل بين أمير المؤمنين (عليه السلام) والسيِّدة الزهراء (عليها السلام) بسبب الفقر؟
الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم
لعلَّ السائل يُشير إلى ما رواه السيِّد محمَّد العلويّ في الكتاب العتيق، وفيه: «فلمَّا أتى رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) منزل عليٍّ (عليه السلام) وجد فاطمة لازمةً بثوب عليٍّ، فقال: يا بنيَّة، اتقي الله (عزَّ وجلَّ) وخلِّيه، مالكِ لازمةً له. قالت: يا رسول الله، إنَّه باع الحائط الذي غرسته له باثني عشر ألف درهمٍ، ولم يحبس منها درهماً واحداً يشتري به طعاماً!» [المناقب ص١٨٠].
أو إلى ما رواه الشيخ هاشم بن محمَّدٍ، عن جعفر بن محمَّدٍ الصادق (عليهما السلام) قال: «شكت فاطمة إلى رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) عليّاً، فقالت: يا رسول الله، لا يدعُ شيئاً من رزقه إلَّا وزَّعه على المساكين، فقال لها: يا فاطمة، أتُسخِطيني في أخي وابن عمِّي، إنَّ سخطه سخطي، وإنَّ سخطي سخط الله (عزَّ وجلَّ)» [بحار الأنوارج٤٣ ص١٥٣].
أو ما يقرب منهما من الأخبار.
أيَّاً كان المقصود، يقع الجواب بذكر أمرين:
الأمر الأوَّل: من جملة ما يعتقد به الشيعة ـ تبعاً للأدلَّة القطعيَّة ـ هو عصمة أمير المؤمنين (عليه السلام) والصدِّيقة الزهراء (عليها السلام)، ولذا فهو من الأصول المهمَّة التي يُبنى عليها فهم النصوص وتقييمها.
ومن هنا، فإنَّ أيَّ روايةٍ يظهر منها ما ينافي هذا الأصل لا يُمكن التعامل معها على ظاهرها الأوَّليّ. وعليه، فإنَّ المنهج العلميّ يقتضي أحد أمرين:
إمَّا تأويل الروايات بما ينسجم مع مقام العصمة.
أو بردِّ علمها إلى أهلها في حال تعذُّر الجمع، لاسيَّما إذا كانت ضعيفة السند أو معارِضةً لما هو أقوى منها سنداً ودلالةً. إذْ لا يُعقل رفع اليد عن أصلٍ قطعيٍّ محكمٍ لأجل خبرٍ ظنِّيٍّ محتملٍ.
وبناءً على ذلك، فلو فُرض وجود روايةٍ من الروايات التي تُصرِّح بمثل هذا المضمونِ ـ أي حصول التنازع بين الأمير والزهراء (عليهما السلام) ـ فإنَّها لا تكون حجَّةً بظاهرها، بل إمَّا أنْ تؤول بتأويلٍ مناسبٍ أو يرد علمها إلى أهلها، صوناً لمقام المعصوم (عليه السلام) عمَّا لا يليق به، وهذا من الأمور السيَّالة في جميع الأخبار.
مثال ذلك: ما رواه الشيخ الطوسيّ بسنده عن أبي سعيدٍ الخدريّ، قال: «أصبح عليٌّ (عليه السلام) ذات يومٍ ساغباً، فقال: يا فاطمة، هل عندك شيءٌ تطعميني؟ قالت: والذي أكرم أبي بالنبوَّة، وأكرمك بالوصيَّة، ما أصبح عندي شيءٌ يطعمه بشرٌ ... إلى قوله: فلما نظر عليُّ بن أبي طالبٍ (عليه السلام) إلى الطعام وشمَّ رائحته، رمى فاطمة (عليها السلام) ببصره رمياً شحيحاً، فقالت له فاطمة (عليها السلام): سبحان الله، ما أشحَّ نظرك وأشده! هل أذنبتُ فيما بيني وبينك ذنباً استوجبتُ به السخطة؟ قال: وأيُّ ذنبٍ أعظم من ذنبٍ أصبتهِ؟ أليس عهدي بك اليوم الماضي، وأنتِ تحلفين بالله مجتهدةً، ما طعمتِ طعاماً مذ يومين؟ ... الرواية» [الأمالي ص٦١٦].
فقد علَّق عليها العلَّامة المجلسيّ بقوله: (قوله: «رمياً شحيحاً»، الشح البخل مع حرصٍ وهو لا يناسب المقام إلَّا بتكلُّفٍ، ويحتمل أنْ يكون أصله سحيحاً بالسين المهملة من السح بمعنى السيلان كنايةً عن المبالغة في النظر والتحديق بالبصر، وعلى ما في النسخ يحتمل أنْ يكون من الحرص كنايةً عن المبالغة في النظر، أو البخل كنايةً عن النظر بطرف البصر على وجه الغيظ) [بحار الأنوار ج43 ص61].
الأمر الثاني: لو قطعنا النظر عما تقدَّم من فكرة العصمة، فقد ورد في عددٍ من الروايات أنَّهما (عليهما السلام) كانا يجسِّدان النموذج الإسلاميَّ الأمثل للزواج الناجح، وهو ما يُعدُّ معياراً عامَّاً يُحتكم إليه في فهم وتقييم سائر الروايات المنقولة عن سيرتهما الواصلة إلينا، نذكر بعضاً منها:
1ـ روى الشيخ الكلينيّ بسنده عن زيد بن الحسن قال: سمعتُ أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: «كان عليٌّ (عليه السلام) أشبه الناس طعمةً وسيرةً برسول الله (صلَّى الله عليه وآله)، وكان يأكل الخبز والزيت ويطعم الناس الخبز واللحم، قال: وكان عليٌّ (عليه السلام) يستقي ويحتطب، وكانت فاطمة (عليها السلام) تطحن وتعجن وتخبز وترقع...» [الكافي ج٨ ص١٦٥].
2ـ وروى الفتَّال النيسابوريّ في وصيَّة الزهراء (عليها السلام) وفيه: «فقالت: يا بن عم، إنَّه قد نُعِيَت إليَّ نفسي لأرى ما بي لا أشك إلَّا إنني لاحقةٌ بأبي ساعةً بعد ساعةٍ، وأنا أوصيك بأشياء في قلبي. قال لها عليٌّ (عليه السلام): أوصيني بما أحببتِ يا بنت رسول الله. فجلس عند رأسها وأخرج مَن كان في البيت، ثمَّ قالت: يا بن عم، ما عهدتني كاذبةً ولا خائنةً ولا خالفتك منذ عاشرتني؟ فقال (عليه السلام): معاذ الله، أنتِ أعلم بالله وأبر وأتقى وأكرم وأشد خوفاً من الله...» [روضة الواعظين ص١٥١].
3ـ وروى الموفَّق الخوارزميّ، وفيه: «قالت أم سلمة: ثمَّ دعا النبيّ بابنته فاطمة ودعا بعليٍّ، فأخذ عليّاً بيمينه وأخذ فاطمة بشماله فجمعهما إلى صدره فقبَّل بين أعينهما، ودفع فاطمة إلى عليٍّ (عليه السلام) وقال: يا عليّ، نعم الزوجة زوجتك. ثمَّ أقبل على فاطمة فقال لها: يا فاطمة، نعم البعل بعلك. ثمَّ قام معهما يمشي بينهما حتَّى أدخلهما بيتهما الذي هيأ لهما، ثمَّ خرج من عندهما فأخذ بعضادتي الباب وقال: طهَّركما الله وطهَّر نسلكما، أنا سِلمٌ لمن سالمكما، وحربٌ لمن حاربكما، استودعكما الله واستخلفه عليكما...» [المناقب ص٣٥٢].
4ـ وروى شاذان بن جبرئيل القمِّيّ، وفيه: «أنه كان هو وفاطمة (عليهما السلام) فدخل عليهما رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) وهما يطحنان الجاورس، فقال النبيّ (صلَّى الله عليه وآله): أيّكما أعْيَا؟ فقال عليٌّ (عليه السلام) فاطمة يا رسول الله، فقال: قومي يا بنيَّة، فجلس النبيُّ (صلَّى الله عليه وآله) في موضعها مع عليٍّ (عليه السلام) فواساه في الطحن للحَب» [الفضائل ص١١٢].
5ـ وروى الشيخ الإربليّ حديثاً طويلاً، وفيه: «قال عليٌّ (عليه السلام): فو الله، ما أغضبتها ولا أكرهتها على أمرٍ حتَّى قبضها الله (عزَّ وجلَّ) إليه، ولا أغضبتني ولا عصت لي أمراً، ولقد كنتُ أنظر إليها فتنكشفُ عني الهموم والأحزان» [كشف الغمَّة ج1 ص373].
إلى غير ذلك من الأخبار الواردة في حياتهما الزوجيَّة.
وبناءً على ذلك، فكلُّ روايةٍ تخالف هذا المعيار المذكور فلا يُمكن القبول بها على ظاهرها، لكونها تخالف ما عُلم من سيرتهما العطرة، كما لا يخفى.
مثال ذلك: ما علَّق به الشيخ الصدوق على ما روي «من وقوع الصلح بين أمير المؤمنين والصدِّيقة الزهراء (عليهما السلام) من قبل رسول الله (صلَّى الله عليه وآله)» فقال: (قال محمَّد بن علي بن الحسين - مصنِّف هذا الكتاب -: ليس هذا الخبر عندي بمعتمدٍ، ولا هو لي بمعتقدٍ في هذه العلَّة، لأنَّ عليّاً (عليه السلام) وفاطمة (عليها السلام) ما كان ليقع بينهما كلامٌ يحتاج رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) إلى الإصلاح بينهما، لأنه (عليه السلام) سيِّد الوصيّين، وهي سيِّدة نساء العالمين، مقتديان بنبي الله (صلَّى الله عليه وآله) في حُسن الخلق) [علل الشرائع ج1 ص١٥٦].
والنتيجة النهائيَّة من كلِّ ذلك، أنَّ كلَّ ما يُوهم وجود النزاع والخصام بين الأمير والزهراء (عليهما السلام) لا يُمكن الأخذ بظاهره، لكونه مخالفاً لمبدأ العصمة، أو لما عُلم من سيرتهما الطيِّبة ونهجهما الأمثل.. والحمد لله ربِّ العالمين.
اترك تعليق