هل الاستشفاء بتربة الحسين (ع) لا ينسجم مع التطبب في المستشفيات؟

السؤال: ما رأيكم بما نشره أحدهم بعنوان: «الشّفاء بتربة الحسين لا ينسجم مع التطبّب في المستشفيَّات الخاصّة»، وذكر فيه: أنّ بإمكان فقهاء الطّائفة ـ لو كانوا جادّين حقّاً ـ أنْ يُجروا اختباراً تجريبيّاً واضحاً على مئة مريضٍ بأمراضٍ مستعصيةٍ، فيُسقونهم شيئاً من عمق التّربة الحسينيّة الملاصقة للضريح الحالي، وتُجرى لهم تحاليل دقيقةٌ بعد ذلك، فإنْ شُفي ولو عددٌ قليلٌ منهم، لكان فتحاً ما بعده فتحٌ، وثُبّت إيمان النّاس وازداد المعتنقون، أمّا إذا كانت النّتائج صفراً على الشّمال، بل وربّما ضرراً أكبر، فالمفروض حينها أنْ نرفع اليد عن هذه الدّعوى، وننتصر لعقولنا. إنّ مثل هذه النّصوص والإرشادات الرّوائيّة الّتي صدرت من الأئمّة كان لها رواجٌ في تلك الأزمنة بسبب انعدام العلم؛ فكانت تُسقى للمريض وربّما مع الأدوية الأخرى، فإن شُفي قالوا: أرأيتم كيف أثّرت تربة الحسين! وإن لم يُشفَ وتوفّي، قالوا: إنّ شفاء التّربة بشروطها وشروطها، والعناية الإلهيّة قدّرت له الوفاة لمصلحته!! وفي الحقيقة أنّ ترويج ثقافة الشّفاء بتربة الحسين تُكذّبها سيرة الفقهاء والمراجع المعاصرين أنفسهم؛ إذ حينما يمرضون يذهبون إلى أرقى المستشفيات الخاصّة لعلاجهم، ويتنقّلون من مشفى أوتيل ديو في بيروت، إلى المشافي الخاصّة: كرومويل، أو ويلينغتون، أو هيرفيلد في لندن...، وحينما تسألهم عن سبب ذلك وفي تربة الحسين العلاج، يقولون لك: وجعلنا لكلّ شيءٍ سبباً، وهؤلاء الكفّار جعلهم الله وسيلةً لعلاجنا، فلماذا لا نركن إليهم أو لأدواتهم على أقلّ تقديرٍ!! والطّريف في البين: أنّ هؤلاء الأطبّاء يقدّمون لهم أفضل العناية وأدقّ العلاجات، فإذا شُفوا قيل للعامّة: كان الشّفاء ببركة تربة الإمام!!... ولله في خلقه شؤونٌ وشؤونٌ. وبالمحصّلة: أنّ الجمع بين التّطبّب الحديث والأساطير الماورائيّة الانتقائيّة الّتي ولّدتها ظروفٌ خاصّةٌ لا يصمد أمام أدنى فحصٍ عقليّ‏ أو علميّ‏، وما لم نمتلك الشّجاعة للفصل بين الإيمان الشّخصيّ كحالةٍ وجدانيّةٍ نفسيّةٍ ولو من الأساطير، وما بين الإيمان النّاتج من المنطق العلميّ الصّارم في التحقّق والاختبار، فسنظلّ ندور في الحلقة نفسها، نستهلك عقول النّاس باسم الدّين، ثمّ نبحث عن العلاج عند من نكفّرهم صباحاً مساءً.

: الشيخ أمير الخزاعي

الجواب: بسم الله الرَّحمن الرَّحيم

يرجع هذا الإشكال وما شابهه في جوهره إلى تصوّرٍ خاطئٍ لطبيعة العلاقة بين الدِّين والعلم، حيث يُفترض وجود تعارضٍ بينهما، بحيث يستلزم الأخذ بأحدهما إلغاء الآخر، إلّا أنّ هذا التصوير غير دقيقٍ؛ إذ إنّ العلاقة بينهما في الواقع علاقة تعاضديّةٌ وتكامليّةٌ، لا التقابل والتنافي، فالعلم يتكفّل ببيان العلاقات العلّيّة والمعلوليّة بين الظواهر الطبيعيّة، ويقوم بوصفها ضمن أطرٍ قانونيّةٍ قابلةٍ للملاحظة والتجربة، إلّا أنّ هذا الوصف -على أهميَّته -لا يستوعب تمام الحقيقة، بل يظلّ قاصراً عن إدراك البعد الغائيّ والمعنويّ للوجود، وهنا يأتي دور الدِّين ليكشف عن المعنى الكامن وراء هذه الظواهر، ويبيّن أنّها واقعةٌ ضمن نظام الربوبيّة الإلهيَّة وتدبير الله تعالى، هذا بشكلٍ عامٍّ والجواب عن التعارض بين الدِّين والعلم.

وأمّا ما يرتبط بتربة الحسين (عليه السلام) ومنافاتها مع التطيّب العلميّ، فنقول:

لا شكّ أنّ لتربة الإمام الحسين (عليه السلام) ـ في المنظور العقائديّ ـ كرامةً خاصَّةً وأثراً شفائيّاً، وقد وردت في ذلك روايات عديدةٌ، منها: «في طين قبر الحسين (عليه السلام) الشِّفاء من كلّ داء، وهو الدَّواء الأكبر» [وسائل الشِّيعة ج10 ص410].

ولها آدابٌ وشرائط خاصَّةٌ لابدّ من مراعاتها عند استعمالها، منها: أن تكون مأخوذةً من الحائر الحسينيّ، وأن تكون بصفاتها المعروفة، وأن تُصان من العبث والتلوّث، وأنْ تُستعمل بمقدارٍ يسيرٍ، مع نيَّةٍ خالصَةٍ واليقين بأثرها، مقرونةٍ بالدُّعاء الخاصّ والتوسّل بالله تعالى بحقّ سيّد الشهداء عليه السلام [ينظر: مصباح المتهجّد ص733-744].

وأمّا الإشكال بأنّ الأخذ بالتربة ينافي التداوي في المستشفيات:

فهو - كما ذكرنا - ناشئٌ عن خلطٍ بين مستويين مختلفين: مستوى الأسباب المادّيَّة، ومستوى الأسباب الغيبيَّة؛ فإنّ الاستفادة من العلاج الطبّيَّ، والتوسّل بأولياء الله، واستعمال التربة الشريفة، كلّها وسائل للشفاء بإذن الله تعالى، ما لم يحلِّ الأجل المحتوم.

وهذه الوسائل قد تؤثّر كلٌّ منها على نحو الاستقلال بإرادة الله تعالى، وقد تجتمع لتكون علَّةً تامَّةً مركَّبةً؛ فيكون الدُّعاء سبباً لقبول الشفاعة، وتكون الشفاعة سبباً لتعزيز أثر التربة، ويؤدّي مجموع ذلك إلى تيسير نجاح العلاج الطبّيَّ وتسريع نتائجه.

وبعبارةٍ أخرى: كما أُمرنا بالدُّعاء والتضرّع عند المرض، كذلك أُمرنا بالتوسّل وأخذ التربة تشفّعاً بسيّد الشهداء (عليه السلام). وهذه كرامةٌ خصَّه الله بها، ولا يعني ذلك إلغاء دور الطبّ والمستشفيات، بل إنّ أخذ التربة هو في حقيقته لونٌ من الدُّعاء العمليّ والتوسّل، يُمارَس جنباً إلى جنبٍ مع العلاج الطبّيَّ، لا بديلاً عنه.

ومن هنا، فليس من الصَّحيح التعامل مع التربة وكأنّها بديلٌ دوائيٌّ يُخضَع للتجارب المختبريَّة، كما لا يُخضَع الدُّعاء لمعايير الاختبار التجريبيّ؛ لأنّ كلاهما ينتمي إلى سنخٍ مختلفٍ من الأسباب، مرتبطٍ بعالم الغيب، لا يُقاس بأدوات الحسّ والتجربة المباشرة.

هذا هو جوهر الجواب عن الإشكال.

وأمّا ما يتعلّق بطريقة استدلال الخصم في النَّصّ المذكور:

فإنَّه لا يقوم على تحليلٍ برهانيٍّ متماسكٍ، بل يعتمد على سلسلةٍ من المغالطات المنطقيَّة المتداخلة، وإن ظهرت في صورة خطابٍ عقلانيّ‏.

فهو أوّلاً: يبني استدلاله على مغالطة (الثنائيَّة الزائفة)؛ إذ يحصر الخيارات بين «الطبّ الحديث» وبين «التداوي بالتربة»، وكأنّ الجمع بين السَّبب المادّيّ والسَّبب الغيبيّ أمرٌ متناقضٌ، في حين أنّ هذا التقابل مفروضٌ فرضاً لا مبرّر له؛ لأنّ المنظومة الدينيَّة تسمح بتعدّد الأسباب وتكاملها، لا بتنافيها، ومن هنا يكون قوله: «إنّ الجمع بين التطبّب الحديث والأساطير الماورائيّة لا يصمد أمام أدنى فحصٍ عقليّ‏» مبنيّاً على تقييدٍ مسبقٍ لخيارات العقل، لا على نتيجةٍ تحليليَّةٍ، وهذا شبيهٌ بمن يقول: «إمّا أن تؤمن بالتطوّر أو بالخالق»، مع أنّ محلّ النزاع أوسع من هذا الحصر المصطنع.

ثمّ ينتقل – ثانياً - إلى مغالطة (رجل القشّ)، حيث لا يناقش الموقف الدينيّ كما هو، بل يعيد صياغته بصورةٍ هزليَّةٍ ضعيفةٍ، فيجعل المتديّن كأنّه يعلّل عدم الشفاء بشروطٍ اعتباطيَّةٍ أو يفرّ من النتيجة بذرائع إنشائيَّةٍ، مع أنّ هذا التصوير لا يستند إلى تقريرٍ علميّ‏ دقيقٍ لمفهوم الدُّعاء أو التوسّل أو شروط الاستشفاء في التراث الدينيّ، بل هو اختزالٌ ساخرٌ يسهل مهاجمته، وهذا بعينه ما يفعله من يزعم أنّ القائلين بالطبّ البديل يقولون: «الماء يعالج السرطان، وإذا لم يُشفَ المريض فلأنّه لم يشربه بنيّةٍ صافيةٍ»، وهو تشويهٌ لا تمثيلٌ.

ويضاف إلى ذلك مغالطة (التلبيس بالتجريب)، حيث يُقترح إخضاع مفهومٍ إيمانيٍّ غيبيٍّ لاختبارٍ مخبريٍّ صارمٍ، وكأنّه مادّةٌ كيميائيّةٌ تخضع لقوانين التكرار الحتميّ، في حين أنّ الاستشفاء في المنظور الدينيّ مشروطٌ بمنظومة قصدٍ وإرادةٍ إلهيَّةٍ، ولا يُقدَّم بوصفه علَّةً مادّيَّةً مستقلَّةً قابلةً للفحص التجريبيّ المجرّد، وهذا يشبه مَن يقول: «إذا كان الدُّعاء مستجاباً، فلنجعل 100 سجينٍ يدعون بالحرّيّة، فإذا لم يخرجوا فالدُّعاء وهمٌ»!!

وخلاصة الأمر: أنّ هذا الخطاب يعتمد على صناعة تقابلٍ حادٍّ بين العلم والدِّين، ويستثمر الأسلوب السجاليّ والاستهزاء أكثر من اعتماده على البرهان التحليليّ، فينجح في إثارة الانطباع، لكنّه لا ينجح في إقامة دليلٍ يثبت بطلان الفكرة من أساسها، لأنّه يحمّلها معايير ليست من سنخها، ويغفل البنية المعرفيَّة التي تنتمي إليها.