كيف حصل الاطمئنان بالسفراء الأربعة؟
السؤال: كيف حصل الوثوق بالسفراء الأربعةِ وصدق دعواهم للنيابة الخاصَّةِ عن الإمام المهديّ (عليه السلام)، مع أنّهم غير معصومين، وأنَّ كلَّ سفيرٍ إنَّما تثبت سفارته بعد وفاة السفير السابق؟
الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم
للإجابة عن هذا السؤال، لا بدَّ أوَّلاً من الالتفات إلى أنَّ البحث والجواب إنَّما يرتبط بمنظومةٍ متكاملةٍ من النصوص والتوثيقات والوقائع التاريخيَّةِ والقرائن العقلائيَّةِ التي تكوّن بمجموعها حالةً من الوثوق والاطمئنان بصدق هؤلاء النوَّاب.
ومن هنا، فإنَّ دراسة هذه المسألة لا تنحصر في جانبٍ واحدٍ، بل تحتاج إلى مقاربةٍ تجمع بين التحليل التاريخيّ، والبحث الرجاليّ، ودراسة النصوص الواردة عن الأئمة (عليهم السلام)، إلى جانب ملاحظة السيرة العمليَّةِ للطائفة الإماميَّةِ، وكيفيَّةِ تعامل علمائها ووجهائها مع هؤلاء السفراء عبر عقود الغيبة الصغرى.
وعلى هذا الأساس، يمكن الجواب عن السؤال من خلال عدَّةِ أمورٍ:
الأمر الأوّل: مكانة النوَّاب الأربعةِ وتوثيقهم من قِبل الأئمة (ع):
وردت نصوصٌ عديدةٌ عن أهل البيت (عليهم السلام) تؤكّد مكانة السفراء الأربعةِ وتوثّقهم، وسنكتفي هنا بذكر نبذةٍ من تلك الروايات التي وردت في شأن كلِّ واحدٍ منهم على نحوٍ موجزٍ، لإيضاح اعتماد الأئمة عليهم وتأكيد صدق نيابتهم.
السفير الأول: عثمان بن سعيدٍ العمريّ:
وهو الذي التحق بخدمة الإمام الهاديّ (عليه السلام) منذ أن كان في الحادية عشرة من عمره، وكان محلَّ عنايةٍ وثناء الإمامين الهاديّ والعسكريّ (عليهما السلام). فقد سُئل الإمام الهاديّ (عليه السلام) من قِبل أحمد بن إسحاق القمّيّ: إلى من نرجع، وإلى من نعتمد، وقول من نقبل؟ فأجابه الإمام: «لعمري، ثقتي، فما أدَّى إليك فعنّي يؤدّي، وما قال لك فعنّي يقول، فاسمع له وأطعْه، فإنَّه الثقة المأمون» [الكافي ج1 ص330].
كما قال الإمام العسكريّ (عليه السلام): «اشهدوا عليَّ أنّ عثمان بن سعيدٍ العمريّ وكيلي، وأنَّ ابنه محمَّداً وكيل ابني مهديّكم» [الغيبة ص356]
وفي حديثٍ آخر قال (عليه السلام): «وأمَّا محمَّد بن عثمان العمريّ رضي الله تعالى عنه وعن أبيه من قبل، فإنَّه ثقتي، وكتابه كتابي» [كمال الدين ص485، الغيبة ص290]
وهذه النصوص صريحةٌ في التوثيق، بل تتعدَّى التوثيق إلى الأمر بالطاعة لهما، ممَّا يدلُّ على منزلتهما العاليَّةِ في العدالة والوثاقة.
السفير الثاني: محمَّد بن عثمان بن سعيدٍ العمريّ:
وقد ورد توثيقه ضمناً في الروايات السابقة. إضافةً إلى ذلك، فقد كان محلَّ إجماع الشيعة وتقديرهم، وكان محلَّ اعتماد الإمام المهديّ (عليه السلام)، كما جاء في نصّ الإمام: «وأمَّا محمَّدُ بن عثمان العمريّ رضي الله عنه، فإنَّه ثقتي، وكتابه كتابي».
السفير الثالث: الحسين بن روحٍ النوبختيّ:
قام محمَّد بن عثمان العمريّ قبل وفاته، بجمع كبار الشيعة، وأعلن أمامهم أنَّ من يخلفه في السفارة هو أبو القاسم الحسين بن روح بن أبي بحرٍ النوبختيّ. وجاء في رواية الغيبة للشيخ للطوسيّ إنَّ الشيعة سألوا محمَّد بن عثمان: «إنْ حدث أمرٌ فمن يكون مكانك؟ فقال لهم: هذا أبو القاسم الحسين بن روح بن أبي بحرٍ النوبختيّ القائم مقامي والسفير بينكم وبين صاحب الأمر (عليه السلام)، والوكيل [له]، والثقة الأمين، فارجعوا إليه في أموركم وعولوا عليه» [الغيبة ص371].
السفير الرابع: عليّ بن محمَّدٍ السمريّ:
نقل الشيخ الصدوق، والشيخ المفيد، والشيخ الطوسيّ، عن الحسن بن أحمد المكاتب، قال: «كنتُ بمدينة السلام في السنة التي تُوفّي فيها الشيخ أبو الحسن عليّ بن محمَّدٍ السمريّ قدَّس الله روحه، فحضرتُه قبل وفاته بأيَّامٍ، فأخرج إلى الناس توقيعاً، نسخته: بسم الله الرحمن الرحيم يا عليّ بن محمَّدٍ السمريّ، أعظم الله أجر إخوانك فيك، فإنَّك ميّتٌ ما بينك وبين ستَّةِ أيَّامٍ، فاجمع أمرك، ولا تُوصِ إلى أحدٍ يقوم مقامك بعد وفاتك، فقد وقعت الغيبة التامَّةُ» [كمال الدين ص516، الفصول العشرة ص10، الغيبة ص395].
ومن هذا التوقيع يتضح أنَّ عليّ بن محمَّدٍ السمريّ كان محلَّ ثقةٍ كاملةٍ من الإمام المهديّ (عليه السلام)، وقد نُعي إليه من قبل الإمام نفسه، مع أمرٍ صريحٍ بعدم الإيصاء إلى أحدٍ بعده، وهذا صريحٌ في صحَّةِ نيابته.
الأمر الثاني: عند الرجوع إلى التاريخ، نجد أنَّ مدّعي النيابة الكاذبين – رغم أنَّ بعضهم قد بدأ مسيرته بظاهر الصلاح، وكان يتلفَّظ بكلماتٍ تبدو مقبولةً – سرعان ما انكشفت حقيقتهم، وظهر بطلان دعاواهم وسوء نواياهم للناس بمرور الزمن.
وقد شهد التاريخ أمثلةً كثيرةً على هؤلاء، منهم: الشريعيّ، ومحمَّد بن نصيرٍ النميريّ، وأبو طاهرٍ محمَّد بن عليّ بن بلالٍ، والحسين بن منصورٍ الحلاج، وأبو جعفرٍ محمَّد بن عليّ الشلمغانيّ المعروف بابن أبي العزاقر، وأحمد بن هلالٍ العبرتائيّ، وغيرهم ممَّن ادَّعوا النيابة زوراً. وكان لبعضهم مواجهاتٌ ومواقف مع السفراء الأربعةِ أنفسهم. لكن سرعان ما انفضخ أمرهم وسقطت دعاواهم، كما فصَّله الشيخ الطوسيّ في كتابه [الغيبة ص397-415]، فلو كان السفراء الأربعةُ على شاكلتهم، لانكشف أمرهم كذلك، ولكن بقاء منزلتهم وثقة الشيعة بهم ورضا الإمام عنهم دليلٌ على صدقهم وتميّزهم.
وُيضاف إلى ذلك: أنَّ السفارة لم تكن ظاهرةً طارئةً نشأت فجأةً بعد ابتداء الغيبة الصغرى، بل كانت امتداداً طبيعيَّاً لمنظومة الوكلاء التي أسَّسها الأئمة (عليهم السلام) منذ عهودٍ سابقةٍ، ولا سيَّما في زمن الإمامين الكاظم والرضا ثمَّ الإمامين الهاديّ والعسكريّ (عليهم السلام)، فقد اعتادت الطائفة الرجوع إلى وكلاء معتمدين في مختلف الأمصار لنقل الأموال والأسئلة والأجوبة، وكان هؤلاء الوكلاء معروفين لدى الشيعة ومحلَّ متابعةٍ دقيقةٍ من قبل العلماء ووجهاء الطائفة.
ومن هنا، فإنَّ الشيعة لم يكونوا يتعاملون مع أشخاصٍ معزولين يمكن أن تنطلي عليهم الدعوى بسهولةٍ، بل مع منظومةٍ مترابطةٍ تضمّ كبار الوكلاء والفقهاء والبيوتات العلميَّةِ المعروفةِ، وكانت تخضع لنوعٍ من الرقابة والتثبّت المتبادل؛ الأمر الذي يجعل تمرير دعوى النيابة كذباً واستمرارها لسنواتٍ طويلةٍ من دون افتضاح أمرٍ محالاً بحسب الموازين العقلائيَّةِ والتاريخيَّةِ، فلو كان أحد السفراء مدَّعياً للنيابة زوراً، لكان ظهور التناقضات أو اعتراض الشخصيات المحورية في هذا الجهاز أمراً متوقَّعاً، كما وقع مع غيرهم من المدَّعين، لكنَّ الذي حدث تاريخيَّاً هو العكس تماماً؛ إذ استقرَّ اعتماد الطائفة عليهم، وتلقَّت كلماتهم وتوقيعاتهم بالقبول والوثوق عبر عقودٍ متعاقبةٍ.
الأمر الثالث: من أبرز الأدلَّةِ على وثاقة السفراء الأربعةِ وصدق نيابتهم، إجماع الشيعة الإماميَّةِ، وخاصَّةً علماؤهم وفقهاؤهم، على قبول نيابة النوَّاب، فهذا القبول العامّ عبر مختلف العصور يُعدّ دليلاً واضحاً وقويَّاً على صحَّةِ ما ادَّعوه من النيابة؛ إذ لم يُعرف عن أحدٍ من فقهاء الإماميَّةِ المعتبرين في أيّ زمانٍ التشكيك في نيابتهم أو ردّها.
الأمر الرابع: ما ورد من كراماتٍ عن السفراء الأربعةِ يُعدّ شاهداً إضافيَّاً على وثاقتهم وصدق دعواهم في النيابة، وقد نقلها العلماء في مواضع متعدِّدةٍ، وهي تدلُّ على تأييدٍ إلهيّ ظاهرٍ لهم.
فقد رُوي عن أحد الشيعة المسمَّى بـ (محمَّد بن فضلٍ الموصليّ)، الذي كان يشكّ في نيابة الحسين بن روحٍ (رضي الله عنه). ففي أحد الأيَّام، وفي أثناء نقاشٍ بينه وبين صديقه الحسن بن عليّ الوجناء، اتّفقا على امتحان الحسين بن روحٍ، فكتب الحسن بن عليّ، باقتراحٍ من صاحبه، ورقةً من دفتر محمَّد بن فضلٍ، بعد أن شحذ قلماً، وكتب فيها كلماتٍ بلا حبرٍ، دون أن يُظهر شيئاً منها، ثمَّ ختمها وأرسلها مع أحد الخدم إلى الحسين بن روحٍ. وفي نفس اليوم، وحينما كان محمَّد بن فضلٍ يتناول طعامه، إذا بالجواب يأتي، وقد كُتِبت فيه الردود فصلاً فصلاً، على نفس الورقة وبالمداد، تماماً على المواضع التي كُتِبت من قبل بالحبر الخفيّ. فأصيب محمَّد بن فضلٍ بالذهول، وأدرك صدق النائب، فدخل هو والحسن بن عليّ الوجناء على الحسين بن روحٍ معتذرَين، وقد تجلَّى لهما صدق الوساطة، وصدق الانتساب. [ينظر: الغيبة للطوسيّ ص315-317].
وغيرها من الكرامات والقرائن التي أثبتت صحَّةَ ما يخرج منهم عن الإمام، وصدقهم.
كما أنَّ استمرار خروج الكتب والرسائل بالخطّ المعروف عند أصحاب الإمام الحسن العسكريّ (عليه السلام)، وعلى يد أشخاصٍ سبق توثيقهم والتنصيص على عدالتهم وأمانتهم، كان يشكّل عند الشيعة قرينةً عمليَّةً متراكمةً على صدق هؤلاء النوَّاب، ويمنع من نفوذ دعاوى الكذب، وقد أشار الشيخ الطوسيّ إلى ذلك بقوله إنَّ توقيعات صاحب الأمر (عليه السلام) كانت تخرج على يد عثمان بن سعيدٍ وابنه محمَّد بن عثمان بالخطّ الذي كان يخرج في حياة الحسن عليه السلام الذي كان معروفاً لدى الشيعة؛ ولذلك استمرَّت الشيعة على الوثوق بهما والرجوع إليهما [الغيبة للطوسيّ ص357].
فاجتماع هذه الشواهد والقرائن العمليَّةِ، مع التزام الطائفة بالرجوع إليهم عبر عقودٍ، كوّن حالةً قويَّةً من الوثوق والاطمئنان بصدق النيابة الخاصَّةِ.
والحمد لله ربّ العالمين.
اترك تعليق