هل يصبح الرجل امرأة، أو المرأة رجلاً، بمجرد الشعور؟
السؤال: هناك من يدَّعي بأنَّه مثلاً امرأةٌ وُلدت في جسد رجلٍ، أو العكس! وعلى أساس ذلك يبيح لنفسه بعض العلاقات المحرَّمة في الدين. هل من ناحية الطبِّ النفسيِّ يوجد ذلك؟ ما هو الموقف الشرعيُّ من هؤلاء؟
الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم
تقوم هذه الدعوى على الخلط بين ثلاثة مستوياتٍ مختلفةٍ: الحقيقة البيولوجيَّة، والحالة النفسيَّة، والحكم الأخلاقيِّ والشرعيِّ. ومن هنا، فإنَّ القول بأنَّ الإنسان قد يكون «امرأةً وُلدت في جسد رجلٍ» أو «رجلاً وُلد في جسد امرأةٍ» لا يعدو أنْ يكون وصفاً لحالةٍ نفسيَّةٍ يعانيها بعض الأشخاص، وليس حقيقةً طبيَّةً تثبت أنَّ جنس الإنسان مخالفٌ لتكوينه الجسديِّ. ولذلك، لا بدَّ من التفريق بوضوحٍ بين ثلاثة أمورٍ كثيراً ما يجري الخلط بينها: الجنس البيولوجيُّ بوصفه حقيقةً موضوعيَّةً، والحالة النفسيَّة بوصفها شعوراً داخليّاً، والسلوك الأخلاقيُّ والشرعيُّ بوصفه فعلاً اختياريّاً يخضع للمسؤوليَّة والحكم.
فأمَّا الجنس البيولوجيُّ، فهو حقيقةٌ موضوعيَّةٌ ترتبط بالتكوين الجسديِّ والوراثيِّ والهرمونيِّ والأعضاء التناسليَّة. والإنسان يولد في الأصل ذكراً أو أنثىً وفق هذا التكوين، ولا يتغيَّر هذا الواقع بمجرد شعوره الداخليِّ أو رغبته في أن يكون من الجنس الآخر.
نعم، توجد حالاتٌ خلقيَّةٌ نادرةٌ يحدث فيها اضطرابٌ في تكوين الأعضاء أو الهرمونات، فيحتاج الأطبَّاء إلى فحوصٍ دقيقةٍ لتحديد الجنس الحقيقيِّ للمولود. وهذه الحالات معروفةٌ في الطبِّ والفقه، ولها أحكامها الخاصَّة، لكنَّها تختلف تماماً عن إنسانٍ وُلد ذكراً واضح التكوين، ثمَّ قال بعد بلوغه: إنَّني في الحقيقة امرأةٌ، أو العكس.
فالحالات الخلقيَّة النادرة تتعلَّق بوجود التباسٍ حقيقيٍّ في التكوين الجسديِّ، أمَّا دعوى «الولادة في الجسد الخطأ» فتتعلَّق غالباً بشعورٍ نفسيٍّ بعدم الانسجام مع الجنس البيولوجيِّ، والخلط بين الحالتين خطأٌ علميٌّ واضحٌ.
أمَّا من الناحية النفسيَّة، فقد يعاني بعض الأشخاص نفوراً شديداً من أجسادهم، أو ضيقاً عميقاً بسبب عدم تقبُّلهم لجنسهم، أو رغبةً ملحَّةً في التشبُّه بالجنس الآخر، وهذه المعاناة قد تكون حقيقيَّةً ومؤلمةً، لكنَّها تظلُّ حالةً نفسيَّةً تحتاج إلى فهمٍ وعلاجٍ، ولا تتحوَّل بمجرد شدَّتها إلى حقيقةٍ بيولوجيَّةٍ مغايرةٍ للجسد، فهناك فرقٌ جوهريٌّ بين أن نقول: هذا الإنسان يشعر بأنَّه من الجنس الآخر، وبين أن نقول: هو بالفعل من الجنس الآخر.
ولو كان مجرد الشعور كافياً لتغيير الحقائق، لما بقي معيارٌ موضوعيٌّ يمكن الاحتكام إليه؛ فالطبُّ وسائر العلوم تقوم على الوقائع القابلة للملاحظة والقياس، لا على الانطباعات الذاتيَّة. وإلَّا لجاز لكلِّ إنسانٍ أن يعيد تعريف عمره، أو نسبه، أو هويَّته، أو غير ذلك من الحقائق الثابتة، بمجرد إحساسه الداخليِّ، وهو ما لا يقول به علمٌ، ولا يقبله عقلٌ.
ثمَّ إنَّ وجود حالةٍ نفسيَّةٍ أو ميلٍ داخليٍّ لا يترتَّب عليه إباحة السلوك المحرَّم، وهذه نقطةٌ جوهريَّةٌ يغفل عنها كثيرٌ ممَّن يتَّخذون من الاضطراب النفسيِّ ذريعةً لتبرير العلاقات المحرَّمة.
فالإنسان قد يُبتلى بميلٍ شديدٍ إلى فعلٍ محرَّمٍ، وقد يشعر بدافعٍ قويٍّ نحو السرقة، أو العدوان، أو تعاطي المخدِّرات، أو إقامة علاقةٍ غير مشروعةٍ، ولكنَّ قوَّة الميل لا تجعل الفعل حلالاً؛ فهناك فرقٌ بين وجود الدافع، وبين مشروعيَّة الاستجابة له. وقد لا يؤاخذ الإنسان على الخاطر الذي يمرُّ في نفسه بغير اختياره، لكنَّه مسؤولٌ عن الأفعال التي تصدر عنه بإرادته.
ومن هنا، فإنَّ من يشعر بأنَّه من الجنس الآخر لا يملك أن يستدلَّ بهذا الشعور على جواز علاقةٍ محرَّمةٍ؛ لأنَّ الأحكام الشرعيَّة لا تتغيَّر بمجرد المشاعر والرغبات. فالذكر يبقى ذكراً في الأحكام الشرعيَّة ما دام ذكراً بحسب تكوينه الحقيقيِّ، والأنثى تبقى أنثىً ما دامت أنثىً بحسب تكوينها الحقيقيِّ.
فلو كان رجلٌ يرتبط برجلٍ، ثمَّ قال أحدهما: أنا أشعر بأنَّني امرأةٌ، فإنَّ هذا الشعور لا يحوِّل العلاقة إلى زواجٍ بين رجلٍ وامرأةٍ. وكذلك لو كانت امرأةٌ ترتبط بامرأةٍ، ثمَّ ادَّعت إحداهما أنَّها رجلٌ، فإنَّ هذا الادِّعاء لا يبدِّل حقيقة العلاقة. فتغيير الأسماء لا يغيِّر الحقائق، كما أنَّ تغيير الأوصاف لا يغيِّر الأحكام. فالخمر لا تصبح حلالاً إذا سُمِّيت بغير اسمها، والربا لا يتحوَّل تجارةً مشروعةً إذا أُطلق عليه اسمٌ آخر، وكذلك العلاقات المحرَّمة لا تصبح مباحةً بمجرد إعادة تعريف أحد أطرافها.
أمَّا الموقف الشرعيُّ من الشخص الذي يعاني هذه الحالة، فيقوم على الجمع بين الرحمة والوضوح.
فلا يجوز إهانته أو السخرية منه أو الاعتداء عليه؛ لأنَّه إنسانٌ له كرامته، وقد يكون مبتلىً بحالةٍ نفسيَّةٍ تحتاج إلى علاجٍ ورعايةٍ، لكنَّ الرحمة به لا تعني تصديق ما يقوله عن نفسه، ولا إباحة ما حرَّم الله، ولا تحويل معاناته إلى تشريعٍ جديدٍ.
فالرحمة الحقيقيَّة ليست في تثبيت الإنسان على اضطرابه، وإنَّما في مساعدته على فهم حالته والتعامل معها بصورةٍ تحفظ عقله ودينه وجسده وكرامته؛ ولذلك، فإنَّ الأصل هو العلاج النفسيُّ المتخصِّص، والتثبُّت في التشخيص، وفهم الظروف النفسيَّة والاجتماعيَّة المحيطة به، لا التسرُّع في تأكيد كلِّ تصوُّرٍ يكوِّنه الإنسان عن نفسه.
وفي المحصِّلة، فإنَّ عبارة «وُلدت في جسدٍ خاطئٍ» ليست تقريراً طبِّيّاً يثبت وجود جنسٍ حقيقيٍّ مختبئٍ داخل جسدٍ مخالفٍ له، وإنَّما هي وصفٌ شعوريٌّ لحالةٍ نفسيَّةٍ يعانيها بعض الناس. ووجود هذه المعاناة يوجب الرحمة والرعاية والعلاج، لكنَّه لا يحوِّل الشعور إلى حقيقةٍ بيولوجيَّةٍ، ولا يغيِّر الأحكام الشرعيَّة، ولا يجعل العلاقات المحرَّمة علاقاتٍ مباحةً.
ولهذا، فإنَّ الإسلام لا ينكر وجود الابتلاء النفسيِّ، لكنَّه يرفض أن يتحوَّل الابتلاء إلى مصدرٍ لإعادة تعريف الإنسان أو تغيير أحكام الله. فالحقائق لا تُقاس بالمشاعر، والأحكام لا تُبنى على الرغبات، والرحمة الحقيقيَّة ليست في تأكيد الوهم، وإنَّما في إعانة الإنسان على تجاوز ابتلائه دون أن يفقد هويَّته أو يقع فيما حرَّم الله.
اترك تعليق