كيف يخرج من الأجداث من لم يدفن في قبر؟

السؤال: يقول تعالى: ﴿يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ سِرَاعًا كَأَنَّهُمْ إِلَىٰ نُصُبٍ يُوفِضُونَ﴾، فكيف يخرج من الجدث من مات حرقاً، أو التهمته وقطَّعته الوحوش، أو من لم يدفن وصار رفاتاً وذرته الرياح، أي بمعنى لم يعد له موضع دفنٍ؟

: الشيخ حسين العابد

الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم

الأجداث: جمع جَدَثٍ، بمعنى القبر.

ولم تشر أيٌّ من المعاجم المعروفة إلى وجود فارقٍ بين الكلمتين، رغم إشارة بعضها إلى فوارق دقيقةٍ بين كلمة قبرٍ ومرادفاتها الأخرى، ككلمة ضريحٍ [ينظر: المخصَّص لابن سيده ج2 ص78].

إلّا أنَّ كلمة الأجداث وردت في القرآن الكريم مقرونةً دائماً بمعنى النشر والبعث، حيث يقول سبحانه وتعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُم مِّنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنسِلُونَ﴾ [يس: 51]، ويقول تبارك وتعالى: ﴿خُشَّعاً أَبْصَارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُّنتَشِرٌ﴾ [القمر: 7]، ويقول جلَّ وعلا: ﴿يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ سِرَعاً كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ﴾ [المعارج: 43].

فقد يكون لهذا الاقتران دلالةٌ لغويَّةٌ على وجود فارقٍ دقيقٍ بين الكلمتين، كأنْ يكون الجدث هو مكان النشر والبعث، الأعمّ من كونه القبر بالنسبة للمدفون أو ما هو بحكمه؛ كالبحر للموضوع أو الغريق فيه، أو وجه الأرض لمن تناثرت أجزاؤه أو استحالت إلى رمادٍ ذراه الهواء فلم يعد لها تميُّزٌ، أو باطن الأرض لمن أُذيب بالأحماض فسال وامتصَّته، بينما القبر هو خصوص المدفِن المعهود، فتكون النسبة بين الكلمتين نسبة عمومٍ وخصوصٍ مطلقٍ؛ أي: كلُّ قبرٍ جدثٌ، وليس كلُّ جدثٍ قبراً.

وعلى أيّ حالٍ، سواءٌ قيل بالترادف التامّ، أم قيل بوجود فارقٍ دقيقٍ بين الكلمتين، فإنَّه لا شكَّ أنَّ المراد في الآية الكريمة هو مكان النشر والبعث أعمّ من أنْ يكون هو القبر المعهود؛ لبداهة أنَّ البعث عامٌّ لا يقتصر على خصوص المدفونين في القبور والمدافن المعهودة.

وأمَّا السؤال المطروح فهو يتعلق بكيفيَّة حصول المعاد الجسمانيّ يوم القيامة لأشخاصٍ لم يعد لأبدانهم أيُّ تميُّزٍ، حيث تعرَّضت للتفتت والاندثار أو التبعثر في التراب، أو الامتصاص من النبات، أو الأكل من السباع والضباع والكواسر، أو الأكل من بشرٍ آخرين فصارت بعض أجزائهم خلايا وأجزاءً في أبدان غيرهم؛ والسؤال عن الصورة الأخيرة هو المعروف بشبهة «الآكل والمأكول»، التي تعرَّض لها أرباب الكلام والفلسفة منذ القدم في مباحث المعاد.

وخلاصة الكلام عمَّا تقدَّم هو:

بعد التسليم بأصل المعاد وبأنَّه جسمانيٌّ وروحانيٌّ معاً، وقع البحث بين المتكلمين في البدن الذي يُبعث يوم القيامة هل هو ذات البدن الأول البالي الذي تعلَّقت به روح الإنسان قبل الموت، أم هو بدنٌ آخر مثيله لا عينه؟ والمشهور بينهم - تبعاً لظواهر النصوص ذات الصلة - هو الأول.

وأمَّا تفسير حصول ذلك فهو بالتفريق بين الأجزاء الأصليَّة والفاضلة للإنسان، وأنَّ الأجزاء الأصليَّة -أي العناصر الأوليَّة التي خُلق الإنسان منها والتي هي بمثابة البذرة للشجرة -يحفظها الله سبحانه وتعالى إلى يوم القيامة مهما تعرَّض إليه البدن من تغيُّرٍ أو تبدُّدٍ وتفتتٍ وتحلُّلٍ، بل وإنْ تعرَّض للذوبان الكامل بالأحماض وسال في الأرض، فإنَّ الله تبارك وتعالى يحفظ تلك العناصر الأوليَّة للبدن ويبقيها إلى يوم القيامة ثمَّ يجمعها ويخلق منها البدن كما خلقه أوَّل مرَّةٍ [ينظر: نور الأفهام ج2 ص271].

ويدلُّ على ذلك: ما رواه الشيخ الكلينيّ عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنَّه سُئل عن الميت يبلى جسده. قال: «نعم، حتَّى لا يبقى له لحمٌ ولا عظمٌ، إلّا طينته التي خُلق منها، فإنَّها لا تبلى، بل تبقى في القبر مستديرةً حتَّى يُخلق منها كما خُلق أوَّل مرَّةٍ» [الكافي ج3 ص251].

ويضيف العلَّامة المجلسيّ: أنَّ قوله (عليه السلام): «مستديرةً» إمَّا بمعنى أنَّ تلك العناصر الأوليَّة ذات هيئةٍ دائريةٍ، أو بمعنى أنَّها تبقى متبدلةً متغيرةً في أحوالٍ وصورٍ مختلفةٍ ككونها رميماً وتراباً وغير ذلك، فهي تبقى محفوظةً في كلِّ تلك التغيرات والأحوال العارضة والصور المتغيرة [ينظر: بحار الأنوار ج7 ص4].

نكتفي بهذا القدر، والحمد لله أوَّلاً وآخراً.