هل حج أهل الشام إلى المسجد الأقصى؟
السؤال: هل حجَّ أهل الشام بالفعل إلى المسجد الأقصى أيّام عبد الملك بن مروان؟ ومَن أفتى لهم بذلك؟ وكيف لم يعترضْ عليهم الأئمَّة (عليهم السلام) وأبناء الصحابة؟
الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم
نشير تمهيداً إلى أنّ من أقدم المصادر التاريخيَّة التي تعرَّضتْ للحادثة: اليعقوبيّ (ت284هـ) في «تاريخه»، وابن بطريق (ت328هـ) في كتابه «التاريخ المجموع على التحقيق والتدقيق». وتعرَّض لها غيرهم من أرباب التاريخ والسير ممّن جاء بعدهما؛ كسبط ابن الجوزيّ في «مرآة الزمان»، وابن كثير في «البداية والنهاية»، وابن تغري في «النجوم الزاهرة»، والعصاميّ في «سمط النجوم»، وغيرهم العديد على اختلافهم في مقدار الإسهاب والتفصيل.
تفصيل الحادثة:
فإنَّه لمّا وَلي مروان بن الحكم كان عبد الله بن الزبير ممتنعاً في مكَّة، وكان يأخذ الناس بالبيعة إذا حجُّوا، ويخطب في الحجِّ في أيّام مِنى وعَرَفة ومقام الناس بمكَّة، فيدعوهم إلى نفسه، ويذكر لهم مثالب المروانيّين، وأنَّ أباهم الحكم بن العاص قد طرده النبيّ (صلى الله عليه وآله) ولعنه وما نَسَل.
وكان ابن الزبير فصيحاً، قويَّ الخطاب، يُخاف معه ميل أهل الشام إليه وانقلابهم على بني أميَّة.
فأصدر مروان قراراً بمنع الحجِّ، فمُنع الناس في دمشق وفلسطين ومصر من الحجِّ والعمرة إلى بيت الله الحرام، ولمّا ولي ابنه عبد الملك استمرَّ على ذات النهج، فضجَّ الناس، وقالوا: تمنعنا من حجِّ بيت الله الحرام، وهو فرضٌ من الله علينا؟! فقال لهم: إنَّ النبيّ (صلى الله عليه وآله) قال: «لا تُشدُّ الرّحال إلّا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجدي، ومسجد بيت المقدس»، وهو يقوم لكم مقام المسجد الحرام، وهذه الصخرة - التي يُروى أنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله) وضع قدمه عليها لمّا صعد إلى السماء - تقوم لكم مقام الكعبة.
فأرسل عبد الملك إلى بيت المقدس بالأموال الطائلة والعمال لعمارته بأبهى حُلّة، وبنى على الصخرة قبَّة، وعلَّق عليها ستور الديباج، وأقام لها خدّاماً وسدنة، وأمرهم بالاعتناء بها أيَّما عناية، حتَّى رُوي: أنّ العائد منها كان ليُعلم أنَّه كان في بيت المقدس وأنَّه دخل الصخرة، ممَّا يفوح منه من رائحة الطيب.
وظهر آنذاك في تعظيم الشام والصخرة وبيت المقدس من الأحاديث ما لم يكن المسلمون يعرفون مثله، وشاعت في ذلك الإسرائيليَّات بين أهل الشام وخصوصاً إسرائيليَّات كعب الأحبار، بل إنَّ نفس عبد الملك بن مروان كان يروي تلك الإسرائيليَّات عن كعب ويروج لها [ينظر: اقتضاء الصراط المستقيم ج2 ص348، المنار المنيف ص87، جواهر التاريخ ج3 ص499]؛ فافتُتن الناس في الشام، وصاروا يتوجَّهون إلى بيت المقدس، ويقفون عند الصخرة، ويطوفون حولها كما يطوفون حول الكعبة، وينحرون يوم العيد، ويحلقون رؤوسهم. واستمرَّ هذا التوجُّه من المروانيّين إلى أنْ قُتل ابن الزبير واستتبّت الأمور لعبد الملك، فعاد الناس يحجُّون إلى بيت الله الحرام.
وممَّا شاع من إسرائيليَّات كعب: أنّ الصخرة التي في المسجد الأقصى هي موضع قدم الله سبحانه وتعالى عمَّا يصفون، حيث رووا عن كعب أنَّه قال: «إنَّ الله تعالى نظر إلى الأرض فقال: إنّي واطٍ على بعضك، فاستعلت إليه الجبال وتضعضعت له الصخرة، فشكر لها ذلك، فوضع عليها قدمه، فقال: هذا مقامي ومحشر خلقي، وهذه جنَّتي وهذه ناري، وهذا موضع ميزاني وأنا ديّان الدين» [حلية الأولياء ج6 ص20].
ورووا عنه أيضاً أنَّه قال: «مَن أتى بيت المقدس، صلّى عن يمين الصخرة وشمالها، ودعا عند موضع السّلسلة، وتصدَّق بما قلَّ أو كثر، استُجيب دعاؤه، وكشف الله حزنه، وخرج من ذنوبه كيوم ولدته أمُّه؛ وإنْ سأل الله الزيادة أعطاه إيّاه» [نهاية الأرب ج1 ص336].
أمَّا موقف الأئمَّة الأطهار (عليهم السلام):
ففي الإطار العامِّ استمرَّ الأئمَّة (عليهم السلام) يعملون ضمن سياستهم التي اتَّخذوها بعد كربلاء بما يخصُّ الذود عن حدود الدين والشريعة، القائمة على أساس تبيين الحقائق ودحض تحريفات أهل الضلال وأباطيل السلطة، والتركيز على تربية الكتلة الشيعيَّة وإعدادهم، لكنْ دون الدخول في صدامٍ مباشرٍ مع السلطة أو حراكٍ علنيٍّ مناهضٍ لها.
فلمْ يُلحظ في سيرة الإمام زين العابدين (عليه السلام) أنَّه قام بشيءٍ من هذا القبيل، بل ارتأى أنْ يتجنَّب والشيعة الصدامَ المباشر، أو الانخراط في الصراع الدائر بين المروانيّين والزبيريّين آنذاك. وهذا ما انعكس على كيفيَّة تعاطي الأئمَّة (عليهم السلام) مع هكذا انحرافٍ أبدته سلطة بني مروان.
ففي الإطار الخاصِّ لهذه الحادثة يُلاحظ - ومن خلال تتبُّع الروايات - أنّ الأئمَّة (عليهم السلام) كانوا يتتبَّعون تلك التحريفات والأباطيل، وكذا الإسرائيليَّات التي شاعت حول بيت المقدس - مع التحفُّظ على شأن بيت المقدّس -، ويعملون على دحضها وبيان الحقِّ فيها، لكنْ دون الصدام المباشر، أي: مع البقاء ضمن الإطار العامِّ.
ومن نماذج ذلك: ما ورد عن الإمام الباقر (عليه السلام) أنَّه قال: «يا جابر، ما أعظم فريّة أهل الشام على الله عزَّ وجلَّ، يزعمون أنّ الله تبارك وتعالى حيث صعد إلى السماء وضع قدمه على صخرة بيت المقدّس، ولقد وضع عبدٌ من عباد الله قدمه على حجرٍ فأمرنا الله تبارك وتعالى أنْ نتَّخِذه مصلّى. يا جابر، إنَّ الله تبارك وتعالى لا نظير له ولا شبيه، تعالى عن صفة الواصفين، وجلَّ عن أوهام المتوهّمين، واحتجب عن أعين الناظرين، لا يزول مع الزائلين، ولا يأفل مع الآفلين، ليس كمثله شيء، وهو السميع البصير» [التوحيد للصدوق ص179].
وقدْ يُتساءل: لِمَ لَمْ يقمِ الإمام (عليه السلام) بحراكٍ مناهضٍ؛ إذ الحجُّ ركنٌ من أركان الإسلام، قدْ يُرخّص لأجله في هذه الحالة الخروج عن مقتضيات التقيَّة؟
والجواب:
أوّلاً: ما قام به المروانيُّون لم يكنْ يستدعي الخروج عن مقتضيات التقيَّة؛ فمن جهةٍ كان تصرُّفاً مفضوحاً لدى عامَّة المسلمين بل أصبح محلَّ تندرٍ وتشنيعٍ، باعتبار أنّ حجَّ البيت الحرام ليس فقط ركنٌ من أركان الإسلام، بل هو جزءٌ من الهويَّة الإسلاميَّة، ولم يكنْ تصرُّف السلطة الأمويَّة ليغيِّر من تلك الحقيقة شيءٌ، بقدر ما سيجعلها محلَّ افتضاحٍ. ومن جهةٍ أخرى، فإنّ ما قاموا به لم يكنْ بداعي تعطيل الحجِّ من رأسٍ، وإنَّما إجراءٌ سياسيٌّ مؤقَّتٌ إلى حين زوال ملك بني الزبير، ولفئةٍ خاصَّةٍ هم الشاميُّون، ولذا بعد زوال ملك بني الزبير عاد الناس في الشام للحجِّ إلى مكَّة المكرَّمة.
ثانياً: أنّ القيام بأيِّ حراكٍ لن يكون مجرَّد خروجٍ عن المنهج العامِّ الذي اتَّخذه أهل البيت (عليهم السلام) بعد كربلاء، بل أيضاً سيكون استثماراً جيّداً لأبناء الزبير، الذين لا يقلُّون نفاقاً، وبالتالي الانخراط الفعليُّ في الصراع الدائر بينهم وبين بني أميَّة.
أمَّا موقف الصحابة والتابعين:
فالكثير منهم بين موالٍ للسلطة الأمويَّة وموالٍ للسلطة الزبيريَّة وبالتالي من الطبيعيِّ أنْ تتباين مواقفهم؛ فمثلاً قام ابن الزبير ومَن معه - على الرغم من أنّ قصده لم يكن هويَّة الإسلام والغيرة على الدين بقدر الاستثمار السياسيِّ - بالتشنيع على بني أميَّة، وتأليب الناس ضدَّهم. وممَّا كان يقوله في عبد الملك: «ضاهى بها فعل الأكاسرة في إيوان كسرى، والخضراء كما فعل معاوية، ونقل الطواف من بيت الله إلى قبلة بني إسرائيل»، ونحو ذلك.
ينظر: تاريخ اليعقوبي ج2 ص261، التاريخ المجموع على التحقيق والتدقيق ص291، مرآة الزمان ج9 ص39، البداية والنهاية ج8 ص280، النجوم الزاهرة ج1 ص188، سمط النجوم ج3 ص274، موسوعة السيرة النبويَّة والتاريخ الإسلاميِّ أحداث سنة 66، جواهر التاريخ ج3 ص499.
اترك تعليق