الحكمة في غضب النبي سليمان (ع) على الهدهد
السؤال: في قوله تعالى: ﴿لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ﴾، كيف صحّ من النبيّ سليمان (عليه السلام) أن يتوعّد الهدهد بالعذاب، علماً أنّ الحيوانات غير عاقلة، فلا يصحّ معاقبتها مهما ارتكبت، وعلى فرض تسخيرها من قبل الله تعالى للنبيّ (عليه السلام)، فهل عصيانها يستوجب العذاب؟ فأين هي رحمة الله تعالى ورحمة أنبيائه؟
الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم
للعلماء في تفسير ذلك وجهان:
الأول: وهو مذهب المشهور، وبيانه:
أنّ الله سبحانه بعدما أقام نبيّه سليمان (عليه السلام) قائداً للدولة خلفاً لأبيه النبيّ داوود (عليه السلام)، زاد في سلطانه وسعة ملكه، حيث وهبه ملكاً لم يكن لغيره من قبل، وسخّر له في قيادة الدولة وإدارة شؤونها صنوفاً من الجانّ والطيور، بوصفهم أعواناً وجنداً ذوي مسؤوليّات ومهامّ إلى جانب الإنس، يقول الله تعالى: ﴿وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ وَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِن كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ * وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾ [النمل: 16-17].
كما يظهر أنّ تلك الطيور كانت مأمورةً بطاعة النبيّ سليمان (عليه السلام)، وممتلكةً لدرجةٍ من قوّة الإدراك والعاقلة، صحّحتْ تكليفها ببعض التكاليف التي تتناسب ومستوى إدراكها وحجم طاقاتها.
ولا يخفى على مَن له اطّلاعٌ على عالم الحيوان، مقدرة الحيوانات على ضروبٍ من المهامّ تفوق قدرة الإنسان، وامتلاكها تدبيراً في جملةٍ من الشؤون أكثر حُسناً وانضباطاً من تدبير الإنسان بما أودعه الله تعالى فيها من معرفةٍ وطاقاتٍ باطنيّةٍ.
ثمّ كان من الطبيعيّ والحال هذه أن يقوم النبيّ (عليه السلام) - انطلاقاً من كونه القائد العامّ لهذه الدولة وأجهزتها ومؤسّساتها - بمراقبة عمّاله ومعاقبة الشاذّ المخالف منهم، بما يشخّصه ويراه مناسباً؛ بوصفه نبيّاً عادلاً معصوماً؛ ليقيم بذلك النظام العامّ الذي به قيام الدولة والرعيّة، فيحقّ معه الحقّ ويبسط العدل، وينتشر السلام وتسود السعادة والأمان.
ومنه صحّ توعّد الهدهد على مرأىً ومسمعٍ من الآخرين بالعذاب أو القتل عقاباً له لمحلّ عصيانه، إلّا أن يبدي عذراً واضحاً صحيحاً؛ إذ غاب طويلاً دونما استئذان، ما يشتبه معه بارتكابه جريمة الخيانة والفرار، مع ملاحظة خطورة مسؤوليّات الجند والجيش، المقتضية للصرامة في إعمال قوانين الجنديّة وإنفاذها، سيّما مع حالات الفرار أو الإخلال بترك المواقع المحدّدة.
ثمّ مع حزمه (عليه السلام) كان حقّانيّاً حليماً عادلاً؛ إذ لم يتسرّع في معاقبة الهدهد، بل اتّسم معه بالأناة والرويّة، ففسح له المجالَ لإبداء عذره وتوضيح حقيقة موقفه، ثمّ لم يسارع بتكذيبه حين أبدى عذره، كما لم يأخذ بقوله دونما دليلٍ يثبت مكانة مقالته من الصدق، يقول تعالى: ﴿قَالَ سَنَنظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ [النمل: 27]، ولم يقل: (سننظر أصدقت أم كذبت)، بل قال: ﴿أَمْ كُنتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾، وهو أرفق بالخطاب؛ لأنّه أبعد عن إلصاق التهمة به. [ينظر: تفسير التبيان ج8 ص91].
وهذا الحزم وهذه المداقّة من النبيّ (عليه السلام) ليست خلافاً للرحمة، بل على العكس هي عين الرحمة والرفق والحكمة أيضاً؛ لأنّ الحزم والدقّة في إدارة شؤون الدولة وضبط أمورها وإحكام الرقابة على شتّى مناحيها ومفاصلها، هو الضامن لقيامها واستمرارها واستتباب السلامة والأمن والسعادة للجميع في ظلّها؛ فإنّ لعمّال الدولة مهما كانت درجاتهم - فضلاً عن العاملين في مؤسّساتها الحسّاسة؛ كالجيش والأمن - مسؤوليّات لا يقتصر ضرر التهاون فيها على ذواتهم، بل تعمّ الدولة والرعيّة والصالح العامّ ككلّ.
فههنا لا نتكلّم عن شأنٍ شخصيٍّ، بل عن شأنٍ تنعكس آثاره على الصالح والحقّ العامّ. وقد رُوي: أنّ الهدهد كان مسؤولاً عن تحديد مواطن الماء تحت الأرض للجيش؛ ليستقرّ بجانبها حين الزحف، سيّما أثناء التحرّكات الطويلة ذات المسافات البعيدة.
ينظر: تفسير التبيان ج8 ص85ـ88، مجمع البيان ج7 ص270ـ273، تفسير الأمثل ج12 ص46ـ63، الكافي ج1 ص226، نشوة الطرب في تاريخ جاهلية العرب ج1 ص126.
الثاني: وقد مال إليه السيّد المرتضى في بعض كتبه، وبيانه:
أنّ تلك الطيور التي كانت مسخّرة للنبيّ (عليه السلام) لم تكن تمتاز بدرجةٍ من العاقلة يصحّح تكليفها، بل كانت كسائر الحيوانات تمتلك المعرفة الباطنيّة الغريزيّة فقط، وبالتالي غير مكلّفة بشيءٍ، إلّا أنّها مسخّرة من قبل الله تعالى لنبيّه (عليه السلام)، بمعنى أنّها مذلّلة مروّضة على تأدية أغراضها، مع ما للنبيّ (عليه السلام) من مقدرةٍ على فهم منطقها، لا أنّها مأمورة على نحو التكليف المترتّب على مستوىً من الإدراك ودرجةٍ من العاقلة، وبذلك يكون وعيد النبيّ (عليه السلام) للهدهد ليس جارياً مجرى العقوبة التي تترتّب على عصيان ومخالفة أمرٍ متقدّمٍ، فإنّ الوعيد بالعذاب - والذي هو التعريض للألم - غير محصورٍ بمورد العقاب الذي لا يكون إلّا للمكلّف المدرك، بل يمكن أن يكون لحِكَمٍ ومقتضياتٍ عقلائيّةٍ أخرى؛ كالتأديب وترويض الغرائز وضبطها، ومنه صحّ وعيد غير العاقل وتأديبه وضربه في بعض الموارد.
وبالتالي صحّ من النبيّ (عليه السلام) وعيد الهدهد لضربٍ من ضروب الحكمة، وليس بالضرورة أن نعلمها تفصيلاً، ويمكن افتراضها بحسب ظاهر القصّة: أنّها حكمة ترويض بقيّة الطيور والحيوانات العاملة، ومنع ثوران غريزة التحرّر والحياة البريّة وشرعة الغاب في ذواتها، سيّما مع أعدادها الكبيرة، وتضمّنها الكثير من الأصناف الوحشيّة والبريّة غير الأليفة بالأصل. أو لجعله - إذا ثبت فراره - درساً ماثلاً أمام الإنس والجانّ العاملين تحت سلطانه، يقيسون عليه بينهم وبين أنفسهم فيرتدعون، سيّما إذا كان قد تلمّس من بعضهم نزعة التمرّد، وليس في هذا ما يخالف الرحمة؛ لأنّ المفروض بالرحمة أن لا تخالف مقتضيات الحكمة، وإلّا كانت أقرب شيءٍ إلى السذاجة ومداعاةً للفشل الذريع وانهيار الدولة، ولذا صحّ - مثلاً - في إدارة شؤون حياتنا الاعتياديّة قتل الكلب المسعور أو ضربه بالحجارة لإبعاده، مع عدم صحّة العقاب عليه، ولا يقال: إنّ ذلك مخالفٌ للرحمة؛ بدعوى أنّ الكلب لا إدراك له أو عاقلة.
إلّا أنّ الاحتمال الذي احتمله السيّد المرتضى أُورد عليه أنّه على خلاف الظاهر، لابتنائه على التجوّز، وعليه فالوجه الأول هو الأرجح والأقرب لموافقته لظاهر الآيات الكريمة والروايات الشريفة ذات الصلة.
ينظر: جواب المسائل الطرابلسيّات الأولى والثانية والثالثة ص198ـ200، وص540ـ542.
اترك تعليق