قصي بن كلاب وسدانة الكعبة

السؤال: هل صحّ أنّ سدانة الكعبة كانت لخزاعة قبل قريش، وأنّ قصيّ بن كلاب - جدّ الرسول (صلى الله عليه وآله) - قد خادع سيّد خزاعة بالخمر، وأخذ منه مفاتيحها، فآلت إليه السدانة من حينها؟

: الشيخ حسين العابد

الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم

كانت سِدانة البيت للنبيّ إسماعيل (عليه السلام) ووِلده من بعده، إلى أنْ غلبتْ قبيلة «جُرْهُم» على مكّة، فتزعّمتْ وانتزعتْ ذلك منهم، وبقي الأمر بيدها إلى أنْ تغلّبتْ عليها قبيلة «خُزاعَة»، وهي التي يُنسب إلى بعض أفرادها – وهو عمرو بن لحيّ - إدخال الوثنيّة ومظاهر الشرك إلى مكّة ومجتمعها، وبقيتْ ولاية البيت بيدها إلى أنْ قام «قُصيّ بن كِلاب» - الجدّ الرابع للنبيّ (صلى الله عليه وآله) - باسترداد ذلك منها، وقيل: استمرّ أمر «خُزاعة» قرابة ثلاثمائة عامٍ. ثمّ تزعّم «قصيّ» مكّة، وأخرج خُزاعة من الحرم، وجمع بني النضر بن كنانة (قبائل قريش) من أطراف مكّة، فأسكنهم حول الحرم؛ فسمّي «مجمِّعاً». [ينظر: الكافي ج8 ص76].

وأمّا كيفيّة عودة السدانة إلى ولد إسماعيل (عليه السلام)، وبيد قصيّ تحديداً، فقد ذكر أرباب التاريخ والسير عدّة روايات:

الرواية الأولى:

أنّ قصيّاً تعرّف إلى «حُلَيل بن حبشيِّة الخُزاعيّ» - زعيم خزاعة آنذاك، والذي كان يلي أمر مكة والكعبة المشرّفة -، وخطب إليه ابنته «حُبَّى»، فرغب فيه وزوّجه إيّاها، وولدتْ له أبنائه: عبد الدار، عبد مناف، عبد العزّى، وعبد قصيّ. ثمّ أوصى «حُليل» بأنّه وبعد مماته تكون ولاية البيت لقصيّ؛ لِمَا رأى فيه من السؤدد والرفعة والحزم والبراعة، فأراد أنْ تكون في قصيّ وولده من ابنته.

لكنّ خزاعة وبعد موت «حُليل» أبتْ أنْ تدع قصيّاً وذلك، فقامتْ بينهم الحرب، وحُسمتْ أخيراً لصالح قصيّ.

ورُوي: أنّ الحرب لمّا اشتدّتْ بين خزاعة وقصيّ تداعوا إلى الصلح، على أنْ يحكم بينهم «عَمرو بن عوف»، فوافق، وكان قضاؤه: قصيّاً أولى بالبيت ومكّة من خزاعة. [ينظر: أخبار مكّة للأزرقي ص168ـ175، وتاريخ الطبري ج2 ص257].

الرواية الثانية:

حين أحسّ «حُلَيل» بدنوّ الأجل أوصى بالبيت لقصيّ، وقال: «إنّما ولدك ولدي، وأنت أحقّ بالبيت». وفي روايةٍ: أنّ «حُلَيل» أوصى بالبيت إلى ابنته «حُبّى»، وهي بدورها أعطتْ مفاتحه لزوجها قصيّ. ولم تشرْ أيّ من هاتين الروايتين إلى صراعٍ قد نشب بين خزاعة وقصيّ. [ينظر: تاريخ اليعقوبي ج1 ص290، الاشتقاق لابن دريد ص469].

الرواية الثالثة:

أنّ قصيّاً كان قد انتشر ولده وكثُر ماله وعظُم شرفه، فلمّا مات «حُلَيل» -والد زوجته، وزعيم خزاعة آنذاك - رأى أنْ يجمع بني النضر بن كنانة في بطن مكّة، وأنْ يرفع عنهم الاستضعاف، وقد كانوا قبل ذاك في شتاتٍ يسكنون الشعاب والجبال وأطراف مكّة، لا يسمح لهم سكناها، حيث كانت تحت سيطرة خزاعة، كما رأى أنْ يستردّ حقّه في أمر الكعبة من خُزاعة، فجمعتْ له، فاستنهض لها قريشاً، واستنصر أخاه من أمّه «رزاح بن ربيعة» من قبيلة «قضاعة»، ونشبتْ حرب بينه وبين خُزاعة، حُسمتْ لصالحه. وقيل: لم يحتجْ قصيّ لمقاتلة خُزاعة؛ لأنّها ولمّا ورد «رزاح» إلى مكّة أذعنتْ لقصيّ وهابتْ حربه. [ينظر: تاريخ الطبري ج2 ص255–256، أنساب الأشراف ج1 ص56، المنمق في أخبار قريش ص31].

الرواية الرابعة:

حينما ضعف «حُلَيل» وثقل عليه أمر البيت، أوصى به إلى ابنته «حُبّى»، فقالتْ له: «قد علمتَ أنّي لا أقدر على فتح الباب وإغلاقه»، قال: «فإنّي أجعل الفتح والإغلاق إلى رجلٍ يقوم لك به»، فجعله إلى «أبي غبشان» - وهو رجل من خزاعة -.

فطلب قصيّ من حُبّى أنْ تجعل له ولاية البيت، فأعطته ذلك، لكنّها تخوّفتْ من أبي غبشان، فوعدها أنْ يكفيها أمره، فقام بترغيبه بأنْ يبذل له عَرَضَاً من الدنيا مقابل تنازله عمّا تحت يده من أمر البيت، فطابتْ نفسه لذلك فقبل.

وقيل: أنّ قصيّ خادع أبا غبشان وعاوضه حيث كان الأخير مخموراً، ولمّا أفاق من سكره ندم.

وممّا رُوي في العوض: أنّه أثواب وأبعرة، وقيل: زقّ خمرٍ وقَعود (القعود من الإبل: الشاب القابل للركوب والحمل)، وقيل: زقّ خمرٍ وعَوْد (العود من الإبل: المسن)، وقيل: ناقة وزاده زق خمرٍ، وقيل: كبش وزق خمرٍ، وقيل: زق خمرٍ فقط. والزّق: وعاء من جلدٍ يستخدم للشراب وغيره من السوائل.

فلمّا سمعتِ العرب بقصّة أبي غبشان، تندّرتْ عليه وجعلته مثلاً للصفقة الخاسرة المغبونة والحُمق والنّدم؛ فقالتْ: (أخسر صفقة من أبي غبشان)، و(أحمق من أبي غبشان)، و(أندم من أبي غبشان).

ولمّا عرفتْ خزاعة بأمر أبي غبشان، أبتْ على قصيّ، وقالتْ: «لا نرضى صنع أبي غبشان»، ووقعتْ بينهم الحرب، وحُسمتْ لصالح قصيّ، فولي قصيّ مكّة وأمر البيت وجميع قبائل قريش. [ينظر: أخبار مكة للفاكهيّ ج5 ص171، شفاء الغرام ج2 ص66].

إذا تبيّن لك هذا، فنقول:

إنّ ولاية البيت كانت من حقّ النبيّ إسماعيل (عليه السلام) والموحّدين من ولده. وأمّا «جُرْهم» و«خزاعة» - ومنهم أبو غبشان، على فرض صحّة قصّته - فلا ولاية لهم على البيت، فما كان تحت يدهم فهو غصبٌ في الواقع، وما قام به قصيّ إنّما هو استرداد للحقّ من غاصبيه.

وأمّا ما يتعلّق بالروايات المتقدّمة، فلا شكّ بضرورة أنْ تُمرَّ بتحقيقٍ وتدقيقٍ ونقدٍ علميٍّ أولاً؛ إذ إنّنا نقلناها كما هي من المصادر والمراجع التاريخيَّة المعروفة، ومن الواضح أنّ بعضها أقرب من غيرها إلى طبيعة جري الأمور وحقيقة حدثٍ هامٍّ وخطيرٍ عند العرب كولاية البيت، وطبيعة توازنات القوى الحاكمة آنذاك، وهذا غير خفيٍّ على مَن له اطّلاع ومعرفة بتاريخ العرب وأحوالهم آنذاك.

إلّا أنّ ما يهمّنا هاهنا هو التفصيل المسؤول عنه ضمن السؤال، فنقول:

مع الذهاب إلى الجمع بين تلك الروايات المتعدّدة حول كيفيّة تسلّم قصيّ لولاية الكعبة - بعد فرض التسليم بها جميعاً من جهةٍ عامّةٍ -، فإنّنا لا يمكن أنْ نقبل بكلّ ما حُكي حول «أبي غبشان» وقصّته مع قصيّ، أي: لا يمكن القبول بفكرة أنّه كان مخموراً حينما قبل بالمعاوضة على ما تحت يده من أمر الكعبة، ولا بفكرة أنّ ما بذله له قصيّ كان زقّ خمرٍ، وبيان ذلك:

أمّا التفصيل الأوّل – وهو كون أبي غبشان مخموراً –، فلا يمكن قبوله لِما يلي:

1ـ نفس الروايات الحاكية عن قصّة أبي غبشان متعارضة في ذاتها؛ إذ بعضها تصرّح بأنّه كان صاحياً عندما حصلت المعاوضة على ما تحت يده من أمر الكعبة. [ينظر: المنمّق في أخبار قريش ص287].

2ـ إنّ قصيّاً - المعروف بالنباهة والبصيرة وحسن التدبير، والذي كان يسعى لاسترداد حقّه ولملمة شتات بني اسماعيل (عليه السلام)، ولعلّه تمهيداً لنبوّة النبيّ الأكرم (صلى الله عليه وآله)، كما يرى بعض أرباب التحقيق -، لا يمكن أنْ يركن إلى هكذا حلٍّ؛ مستغلّاً سُكر «أبي غبشان» ليعاوضه على أمرٍ خطيرٍ كهذا وهو في هذه الحالة؛ لأنّه لا يعدو عن كونه تصرّفاً طفوليّاً مآله الصدام الحتميّ مع أبي غبشان وسائر خزاعة حينما يستفيق، وبالتالي لا جدوى منه أصلاً، سوى جلب التهمة والمذمّة وتأليب عامّة مَن يرونه من أهل الفضل والكياسة عليه.

3ـ إحدى الروايات الحاكية عن القصّة ذكرتْ أنّ أبا غبشان وحين استفاق من سكرته وعابتْ عليه خزاعة فعلته، حاول التنصّل بدعوى أنّه قد جعل المفتاح بيد قصيّ رهناً بحقّه لا بيعاً [ينظر: أخبار مكة للفاكهاني ج5 ص171]. فإنكارُه البيع وادّعاؤه للرهن دليلٌ على أنّه لم يكن مخموراً حين الاتّفاق والمعاوضة، وإلّا لكان الأولى له ذكر الأمر كما هو، أي ادّعاء استغفاله وقت سكره وانشغاله بشرابه.

أمّا التفصيل الثاني – وهو كون المعاوضة بزقّ الخمر –، فلا يمكن قبوله لِما يلي:

1ـ الروايات في ذلك أيضاً متعارضة؛ إذ تنصّ بعضها بأنّ المبذول كان أثواباً وأبعرةً.

2ـ بعض الروايات الحاكية عن القصّة تصرّح بأنّ قصيّاً كان قد عرض الكثير على أبي غبشان ليتنازل عما تحت يده من أمر الكعبة، حيث قال له: «هل لك عَرَضٌ من الدنيا على أنْ تبذل لي ما في يدك؟»، فطابتْ نفس أبي غبشان لذلك فقبل [ينظر: المنمّق في أخبار قريش ص287]. وأيّ عرضٍ أو نصيبٍ من الدنيا في زق خمرٍ؟! ولذا لا يمكن قبول أنّ المبذول كان زقّ خمرٍ أو حتّى كبشاً أو ناقةً.

3ـ إنْ قيل: إنّ أبا غبشان كان في حالة سكرٍ وقتذاك ولذا قبل بزق الخمر لزم الإشكال المتقدّم. وإنْ قيل: كان سفيهاً ليس إلّا، أشكل بأنّه كيف يجعل «حُليل» - المعروف بأنّه من أهل الدراية - مفاتح البيت الذي تتنافس فيه قبائل العرب بيد سفيهٍ كهذا؟ فضلاً عن أنّ أبا غبشان كان معدوداً من جملة وجهاء خزاعة وكبارهم.

فالظاهر - إنْ صحّتْ قصة أبي غبشان، وبالاعتماد على نفس النصوص -أنّ قبوله بتسليم ما تحت يده من أمر البيت لقصيّ كان طمعاً بما عرضه عليه؛ من أثوابٍ نفيسةٍ، وأبعرةٍ كثيرةٍ، أو أموالٍ أخرى كثيرةٍ، طابتْ لها نفسه بالفعل.

وبهذا من الممكن جدّاً أنْ تكون دعوى تعرّضه للمخادعة وقت سُكره وانشغاله بشرابه، ذريعةً من خزاعة التي أبتْ عليه ما فعل، وتنصّلاً منها ممّا أمضى عليه أبو غبشان، وتبريراً لحربها على قصيّ، فذاع بعد ذلك بين عامّة الناس أنه قد بذل ما تحت يده من أمر البيت بزقّ خمرٍ أو زقّ خمرٍ وأموالٍ يسيرةٍ، والحال أنّ الواقع على خلافه.

وأما اشتهار قول العرب في الأمثال: (أخسر صفقة من أبي غبشان)، و(أحمق من أبي غبشان)، و(أندم من أبي غبشان):

فلا يلازم صحّة حادثة زقّ الخمر؛ بل خزاعة لم تقبل العوض الذي قدمه قصيّ لأبي غبشان أصلاً، لأنّ شأن سدانة الكعبة والتصدي لها مفخرةٌ وجاهٌ لا يُعادلهما شيءٌ من المال عند وجهاء العرب مهما كثر ذلك المال، فعدّتْ موافقة أبي غبشان على هذه الصفقة مثالاً للخسارة والحمق وموجباً لندم أبي غبشان الذي أبداه فيما بعد، وقد صرحتْ إحدى روايات الحادثة بذلك؛ فقد جاء في رواية المنمق أنّ قصيّ بن كلاب دعا أبا غبشان فقال له: هل لك أنْ تدع هذا الأمر الذي أُوصي به إلى حُبّى وعبد الدار فتخلي بينهما وبينه فتصيب عرضاً من الدنيا؟ فطابتْ نفس أبي غبشان وأجابهم إلى ذلك، فأعطاه قصيّ أثواباً وأبعرةً، فقال الناس: أخسر صفقة من أبي غبشان، فذهبتْ مثلاً. وهذا السياق هو الموافق لمجموع القرائن والملابسات، وأما ربط تلك الأمثال بدعوى زق الخمر فهو غير دقيقٍ والظاهر أنّه ليس مبنيّاً على التحقيق.

4ـ فضلاً عن إجماع الإماميّة على طهارة آباء النبيّ (صلى الله عليه وآله)، وفضيلتهم، وبعدهم عن الفواحش والرذائل - لما هو محرّر في علم الكلام -.

وقد اشتُهر قصيّ بن كلاب بين العرب بالفضيلة والمروءة والبُعد عن الدناءة، وعُرف بأوصاف الرفعة ونعوت الشرف، وقد امتلأتْ كتب التاريخ والسير بالحديث عن خصاله وسمّوه وعلو همته. وممّا كان يؤثر عنه الوصيّة باجتناب الخمر، والجود والسخاء، ومن سننه المحمودة الرفادة (إطعام الحجيج) قربةً إلى الله تعالى.

فمثل قصيّ لا يمكن أنْ يعاوض شخصاً في حالة سكرٍ، ومثله لا يمكن أنْ يجعل الخمر بذلاً قبال شيءٍ، فضلاً عن أمرٍ معظّمٍ هو شأن من شؤون البيت المحرم، ومثله لا يمكن أنْ يبخل في بذلٍ لأمرٍ كهذا فيجعل عوضه زق خمرٍ أو مجرد كبشٍ أو حتى ناقةً.

وختاماً، لا بأس بذكر طرفٍ ممّا يتعلّق بأحواله:

يقول البلاذريّ فيه: (كان أبعد قريش رأياً، وأصدقها لهجةً، وأوسعها بذلاً، وأبينها عفافاً).

وقد نُقل عنه أنّه قال - حين سنّ سنّة الرفادة -: «يا معشر قريش، إنّكم جيران الله وسكّان حرمه، والحاجّ أضياف الله وزوّار بيته، فترافدوا، حتّى تصنعوا لهم طعاماً وشراباً في أيّام الحجّ، ينال منه من يحتاج إليه، فلو اتّسع مالي لجميع ذلك لقمتُ به دونكم». ففرض عليهم خرجاً للرفادة، فكانوا يخرجونه، ويأمر بإنفاقه على طعام الحاج وشرابهم.

ونقل ابن إسحاق وغيره عنه: أنّه كان ذا جَلَدٍ وحزمٍ، ونعتته العرب بـ «صاحب العقل»، وبـ «الشيخ الصدوق».

وورد في بعض الأخبار عن أمير المؤمنين (عليه السلام): أن والده أبا طالب (عليه السلام) سمّاه زيداً؛ تيمناً بجدّه قصيّ، والذي كان اسمه الحقيقي زيداً لكن غلب عليه لقب قصيّ.

وممّا يؤثر من أقوال قصيّ:

1ـ «يا بنيّ، إيّاكم وشرب الخمر، فإنّها إنْ أصلحت الأبدان، أفسدت الأذهان».

2ـ «مَن أكرم لئيماً أشركه في لؤمه، وَمن استحسن قبيحاً نزل إلى قبحه».

3ـ «مَن لم تصلحه الكرامة أصلحه الهوان».

4ـ «مَن طلب فوق قدره استحق الحرمان».

5ـ «الحسود العدو الخفي».

ينظر: السير والمغازي لابن إسحاق ص198، السيرة الحلبية ج1 ص22، الأمالي للصدوق ص700، وص51.