ما أهمية دفن أبي بكر وعمر بجانب النبي (ص)؟
السؤال: يستدلُّ بعض المخالفين بمدفن الخليفتين أبي بكر وعمر بجوار الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) كدليلٍ ماديٍّ وشرفيٍّ يثبت مكانتهما وأفضليَّتهما، معتبرين أنَّ هذا الجوار حيّاً وميِّتاً يُمثِّل تزكيةً إلهيَّةً وتكريماً لهما. فهل بالإمكان الردُّ على هذا الزعم؟
الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم
اعلمْ - أيَّدك الله - أنَّ مسألة دفن أبي بكر وعمر بجوار النبيّ (صلى الله عليه وآله) هي من الشبهات المطروحة التي يستدلُّ بها العامَّة على أفضليَّتهما ومكانتهما العالية، بزعم أنَّهما خير الناس بعد النبيّ (ص)، وبزعم تكريم الله لهما بالرفقة حيّاً وميِّتاً!
في حين أنّ الدفن جنب النبيّ (صلى الله عليه وآله) لا يمنح تزكيةً ذاتيَّةً، وإنَّما المدار الشرعيُّ على العمل والصلاح الفرديّ؛ بدلالة النصِّ القرآنيّ الذي ضرب الله تعالى فيه مثلاً بزوجتي نبيَّين من الأنبياء وهما «نوح» - الذي كان من أنبياء أولي العزم و«ولوط»، لبيان أنَّ القرب الجسديَّ لا يغني من الحقِّ شيئاً: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِّلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ ۖ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ﴾ [التحريم: 10].
وكذا مجاورة النسب مثل «كنعان» ابن النبيّ نوح (عليه السلام) الذي قيل فيه: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ﴾ [هود: 46]، و«آزر» عمّ النبيّ إبراهيم (ع)، و«أبو لهب» عمّ النبيّ الأكرم (ص)؛ حيث لم يشفع لهم السكن المشترك أو الرحم القريب في تعديل رتبتهم الوجوديَّة عند الله سبحانه. وعليه؛ فالأرض لا تقدِّس أحداً، وإنَّما يقدِّس الإنسانَ عمله.
وقد حوت المدينة المنوَّرة ومكَّة المكرَّمة عبر التاريخ قبوراً لمؤمنين ومنافقين على حدٍّ سواءٍ، كما أنَّ خيرة أصحاب النبيّ كـ: «عمَّار بن ياسر» في صفّين، و«أبي ذرٍّ الغفاريّ» في الربذة، و«جعفر الطيَّار» في مؤتة، دُفنوا في بقاعٍ نائيةٍ أو بلادِ غربةٍ، ولم ينقصْ ذلك من رفيع درجاتهم عند الله شيئاً.
وهنا نسأل: بأيِّ حقٍّ تمَّ دفن الخليفتين أبي بكر وعمر، في بيت رسول الله (صلى الله عليه وآله)؟
وبيان ذلك عبر مسارين:
المسار الأوَّل:
إذا كانت الحجرة وقفاً عامّاً لعموم المسلمين بناءً على الحديث الذي انفرد بروايته أبو بكر: «لا نُورَثُ، ما تَرَكْنا صَدَقَةٌ»، والذي به آنذاك مُنعت السيدة فاطمة الزهراء (عليها السلام) من إرث أبيها.
وعليه، لا يثبت لعائشة حقُّ التصرُّف المستقلِّ فيها؛ لأنّه حقّ لجميع المسلمين، ويجب استحصال الإذن منهم، فيكون إذن عائشة منفرداً ليدفن فيها أبوها ثمَّ عمر، أو منعها لدفن الإمام الحسن السبط (عليه السلام) لاحقاً، يُعدُّ تصرُّفاً في العين المشتركة دون إذن الشركاء، وهو باطلٌ؛ إذ لا يجوز التصرُّف في المال المشاع إلّا بإذن جميع الشركاء.
المسار الثاني:
وإذا كانت الحجرة إرثاً يُورث، فإنَّ لرسول الله (صلى الله عليه وآله) ورثةً آخرين كـ «السيدة فاطمة الزهراء» والإمامين «الحسن والحسين» - وفق الفقه الإماميّ -، وزوجاته التسع اللواتي توفِّي عنهنَّ، مع فاطمة - وفق الفقه العامّ -.
والفقه الإماميّ أنّ الزوجة لا ترث من أعيان العقارات والأراضي شيئاً، وإنَّما ترث من قيمة الآلات والأبنية [شرائع الإسلام ج4 ص32]. وبناءً عليه، لا حقَّ لعائشة في أرض الحجرة مطلقاً، وينحصر الإرث العقاريُّ بالسيدة الصدِّيقة فاطمة (عليها السلام) ومن بعدها ذرِّيَّتها الحسن والحسين (عليهما السلام).
ووفق فقه الجمهور (المذاهب الأربعة): ترث الزوجات الثُّمن فرضاً عند وجود الفرع الوارث وهي الصدّيقة فاطمة (عليها السلام) لقوله تعالى: ﴿فَإِن كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ﴾ [النساء: 12]. وبما أنَّ النبيَّ (صلى الله عليه وآله) مات عن تسع زوجات، فإنَّ الثُّمن يُقسّم بينهنَّ بالتساوي، فيكون نصيب عائشة هو (تسع الثُّمن)، من مساحة الحجرة الشريفة.
وفي القواعد الفقهيَّة المتَّفق عليها في كتاب الهبة وكتاب القسمة: أنَّ الشريك في العين المشاعة لا يحقُّ له هبة كامل العين، ولا إشغالها بما يستهلكها (كالدفن) دون رضا بقيَّة الورثة. ولم يثبتْ تاريخيّاً استئذان السيدة فاطمة (عليها السلام)، أو الإمامين الحسن والحسين (عليهما السلام)، أو بقيَّة زوجات النبيّ اللواتي يملكن حصصاً مشاعةً في الحجرة الشريفة.
ويُلخِّص هذا المأزق الفقهيَّ صاحب موسوعة الغدير العلّامة الشيخ الأمينيُّ بقوله:
(فإنَّ الحجرة الشريفة إمَّا أنْ تكون باقيةً على ملكه (صلى اللّٰه عليه وآله) كما هو الحقُّ المبين، أو أنَّها عادت صدقةً يؤول أمرها إلى المسلمين أجمع.
وعلى الأوَّل، كان يشترط فيه رضاء أولاد وارثته الوحيدة السبطين الإمامين وأخواتهما، ولم يستأذن منهم أحد.
وعلى الثاني، كان يجب على الخليفة أو على من تولَّى الأمر بعده أن يستأذن الجامعة الإسلاميَّة، ولم يكن من أيٍّ منهما شيءٌ من ذلك، فبقي الدفن هنالك خارجاً عن ناموس الشريعة.
وإنْ قيل: إنَّه دُفن بحقِّ ابنته؟
فأيُّ حقٍّ لها بعد ما جاء به أبوها من قوله: «إنَّا معاشر الأنبياء لا نورث ما تركناه صدقةٌ»؟ على أنَّا أسلفنا في الجزء السادس ص190 ط2: إنَّه لم يكن لأمَّهات المؤمنين إلّا السكنى في حجرهنَّ كالمعتدَّة، ولم يكن لهنَّ ترتيب آثار الملك على شيءٍ منها. وقدّمنا هنالك أيضاً: أنَّ على فرض الميراث وعلى تقدير الإرث من العقار فإنَّ لعائشة تسع الثمن من حجرتها؛ لأنَّه (صلى اللّٰه عليه وآله) توفِّي عن تسعٍ، ومساحة المحلِّ لا يسع تسع ثمنها جثمان إنسانٍ مهما كبرت الحجرة. على أنَّ حقَّها كان مشاعاً وليس لها التصرُّف فيه بغير إذن شريكاتها في الميراث) [الغدير ج7 ص289].
ويذكر الطبريُّ: أنَّ أبا بكر أوصى عائشة أنْ يُدفن بجنب رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فلمَّا توفِّي حُفر له وجُعل رأسه عند كتف رسول الله (ص) [تاريخ الأمم والملوك ج3 ص422].
وكذلك عمر أرسل ابنه عبد الله إلى عائشة قبيل وفاته قائلاً: «انطلقْ إلى عائشة أمِّ المؤمنين فقلْ: يقرأ عليك عمر السلام... ويقول: يستأذن عمر بن الخطَّاب أنْ يُدفن مع صاحبيه. فقالت: كنت أريده لنفسي، ولأوثرنَّ به اليوم على نفسي» [صحيح البخاري ج3 ص1353].
وهو ما يؤكِّد تصرُّف عائشة في الحجرة كملكيَّةٍ شخصيَّةٍ خالصةٍ.
والخلاصة:
أنَّ دفن الخليفتين في الحجرة النبويَّة يُمثِّل واقعةً تاريخيَّةً، أملتها ظروفٌ سياسيَّةٌ متمثِّلةٌ في سلطة الخلافة القائمة، وتسهيلاتٌ عائليَّةٌ من قِبل عائشة تفعيلاً لحقِّ سكنها، إلّا أنَّها تفتقرُ - من منظورٍ فقهيٍّ - إلى الشرعيَّة؛ لعدم إذن أصحاب الحقّ على كلا المبنيين - الصدقة والإرث -، وإنْ كان المخالفون يحاولون عدّه تصرّفاً سائغاً. وبناءً على هذا، فإنّ أصل الدفن محلّ إشكال شرعيّ، فكيف يمكن عدّه حجّة شرعيّة لإثبات الأفضليَّة والتزكية؟!
نكتفي بهذا القدر، والحمد لله أوَّلاً وآخراً.
اترك تعليق