هل منعت عائشة دفن الإمام الحسن (ع) عند النبي (ص)؟

السؤال: مروان هو الذي منع دفن الحسن بجوار النبيّ (صلى الله عليه وآله) لا أم المؤمنين. روى البلاذريّ: «حدَّثنا حفص بن عمر الدوريّ المقرئ عن عباد بن عباد عن هشام بن عروة عن أبيه قال قال الحسن حين حضرته الوفاة: ادفنوني عند قبر رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلَّا أن تخافوا أن يكون في ذلك شرّ، فإن خفتم الشرَّ فادفنوني عند أمّي. وتوفي فلما أرادوا دفنَه أبى ذلك مروان وقال: لا يدفن عثمان في حشّ كوكب ويدفن الحسن ههنا. فاجتمع بنو هاشم وبنو أميَّة فأعان هؤلاء قومٌ وهؤلاء قومٌ، وجاؤوا بالسلاح فقال أبو هريرة لمروان: يا مروان أتمنع الحسن أن يدفن في هذا الموضع وقد سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول له ولأخيه حسين: «هما سيدا شباب أهل الجنَّة». فقال مروان: دعنا عنك، لقد ضاع حديث رسول الله إن كان لا يحفظه غيرك وغير أبي سعيد الخدريّ إنَّما أسلمت أيام خيبر، قال: صدقت، أسلمت أيام خيبر، إنَّما لزمت رسول الله (صلى الله عليه وآله) فلم أكن أفارقه، وكنت أسأله وعنيت بذلك حتى علمت وعرفت مَن أحبَّ ومَن أبغض ومَن قرَّب ومَن أبعد، ومَن أقرَّ ومَن نفى، ومَن دعا له ومَن لعنه. فلما رأت عائشة السلاح والرجال، وخافت أن يعظم الشرُّ بينهم وتسفك الدماء قالت: البيت بيتي ولا آذن أن يدفن فيه أحد» [أنساب الأشراف ٢٩٧-٢٩٨/٣، إسناده حسن].

: الشيخ أمير الخزاعي

الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم

لفهم هذه القضيَّة فهماً تاريخيّاً صحيحاً، لا بدَّ من التعامل معها وفق المنهج التاريخيّ وتحليل الروايات والوقائع كما نقلتها المصادر، بعيداً عن الجدل الكلاميّ المسبق.

وقبل الدخول في مناقشة هذه الرواية التاريخيَّة وما شابهها، تجدر الإشارة إلى أنَّ موقف الإماميَّة ورواياتهم واضحٌ في نسبة دورٍ أساسيّ ومباشر إلى عائشة في منع دفن الإمام الحسن (عليه السلام) عند جدّه رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وأنَّها لم تكن مجرَّد طرفٍ يسعى إلى منع الفتنة أو الحفاظ على السلم الاجتماعيّ، بل كانت من أبرز المعارضين لهذا الأمر.

فقد روى الكافي بسنده إلى محمّد بن مسلم، عن الإمام الباقر (عليه السلام)، أنَّ الإمام الحسن (عليه السلام) أوصى أخاه الحسين (عليه السلام) عند احتضاره قائلاً: «فإذا أنا متّ فهيّئني ثمّ وجّهني إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) لأُحدث به عهداً، ثمّ اصرفني إلى أُمّي فاطمة (عليها السلام)، ثمّ ردّني فادفنّي بالبقيع، واعلم أنَّه سيصيبني من الحميراء ما يعلم الناس من صنيعها...» [الكافي 1/302]، وتُكمل الرواية أنَّه بعد وفاته (عليه السلام) حُمل إلى قبر النبيّ (صلى الله عليه وآله) تنفيذاً لوصيَّته بتجديد العهد، فلمَّا بلغ عائشةَ الخبرُ خرجت على بغلٍ مسرّج، ووقفت قائلة: «نحّوا ابنكم عن بيتي، فإنَّه لا يُدفن فيه شيءٌ، ولا يُهتك على رسول الله حجابه...» [الكافي ج1 ص302].

كما نقل الشيخ المفيد: أنَّ مروان وبني أُميَّة ظنّوا أنَّ بني هاشم يريدون دفن الإمام الحسن (عليه السلام) بجوار رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فتأهَّبوا لذلك ولبسوا السلاح، فلمَّا توجَّه الإمام الحسين (عليه السلام) بجثمان أخيه نحو قبر جدّه لتجديد العهد به، أقبل مروان ومَن معه في جمعٍ من الناس، ولحقت بهم عائشة راكبةً بغلاً وهي تقول: «مالي ولكم، تريدون أن تدخلوا بيتي مَن لا أُحبّ» [الإرشاد ج2 ص18].

أمَّا عند أهل السنَّة أيضاً، فالصورة ليست موحَّدة كما قد يُتصوَّر، بل توجد رواياتٌ واتّجاهاتٌ تاريخيَّةٌ مختلفةٌ في تفسير الواقعة وتحديد الأطراف المسؤولة عنها، فبعض الروايات يقترب كثيراً من الرواية الإماميَّة، ويُثبت وجود معارضةٍ حقيقيَّةٍ لدفن الإمام الحسن (عليه السلام) عند جدّه رسول الله (صلى الله عليه وآله)، ولا يحصر الأمر في مجرَّد الخوف من الفتنة أو السعي لمنع الصدام، ومن ذلك ما نُقل أنَّه لمَّا مات الإمام الحسن (عليه السلام) وأراد بنو هاشم دفنه في بيت رسول الله (صلى الله عليه وآله)، اعترضت عائشة وركبت بغلة وجمعت الناس، فقال لها عبد الله بن عباس: «كأنَّكِ أردتِ أن يُقال: يوم البغلة كما قيل يوم الجمل» [بهجة المجالس ج1 ص16]. وقد وردت مضامين قريبة من ذلك في عددٍ من المصادر التاريخيَّة الأخرى [ينظر: تاريخ اليعقوبي ج2 ص225، المختصر في أخبار البشر ج1 ص183].

وعليه، فإنَّ تصوير عائشة بوصفها مجرَّد مصلحٍ محايدٍ دخل لمنع الفتنة، أو أنَّها راضيةٌ عن دفن الحسن (عليه السلام) لا ينسجم مع جميع الروايات التاريخيَّة الواردة في المسألة، بل توجد نصوصٌ كثيرةٌ تجعلها جزءاً من جبهة الاعتراض على دفن الإمام الحسن (عليه السلام) عند جدّه، فهذا يُمثّل أوَّل مؤشّرٍ على عدم الاطمئنان إلى هذه الرواية؛ إذ إنَّها تعارض طائفةً أخرى من الروايات الصريحة التي تُثبت تدخّل عائشة المباشر في منع دفن الإمام الحسن (عليه السلام)، وتُظهرها طرفاً أساسيَّاً في الواقعة.

أمَّا من حيث القراءة التاريخيَّة المحايدة لهذه الرواية يمكن مناقشتها والتأمّل فيها من عدَّة جهات:

فأوَّلاً: أنَّ الراوي الأصليّ المباشر للخبر هو عروة بن الزبير، وهو ابن أخت عائشة ومن أكثر الناس ارتباطاً بها وروايةً عنها، الأمر الذي يجعل حياده في مثل هذه القضيَّة محلَّ تأمّل؛ إذ من الطبيعيّ أنْ يكون لديه دافعٌ معنويّ للدفاع عن خالته وتقديم صورةٍ إيجابيَّةٍ عنها؛ ولذلك نلاحظ أنَّ الرواية لا تكتفي بنقل الحدث، بل تتضمَّن تفسيراً لموقفها وتبريراً له، من خلال قولها: «فلما رأت السلاح وخافت أن يعظم الشرُّ وتسفك الدماء»، فهذه العبارة لا تنقل واقعةً خارجيَّة بقدر ما تمنح عائشة دور المصلح الذي تدخَّل لمنع الفتنة، وهو توصيفٌ يصبّ بوضوحٍ في مصلحتها.

وثانياً: أنَّ الرواية تشتمل على عناصر لا يمكن للراوي أنْ يطَّلع عليها بطريق المشاهدة، كالجزم بالدوافع النفسيَّة الباطنيَّة لعائشة، فالخوف من تعاظم الشرّ أو توقّع سفك الدماء أمورٌ قلبيّة لا يمكن لأحدٍ أنْ يشاهدها أو يقطع بها، وإنَّما هي تحليلٌ وتفسيرٌ للحدث أُدرج في متن الرواية وكأنَّه حقيقةٌ تاريخيَّةٌ ثابتةٌ، فالرّاوي في الحقيقة لا يملك سبيلاً إلى العلم بنيّة عائشة ودوافعها الباطنيَّة؛ لأنَّ ذلك من الأمور غير المشاهدة التي لا تُدرك بالحسّ ولا يمكن الوقوف عليها من خلال مجرَّد نقل الواقعة؛ ولذلك فإنَّ قوله إنَّها «خافت أن يعظم الشر وتسفك الدماء» لا يُعدّ نقلاً لحدثٍ خارجيٍّ، بل هو تفسيرٌ وتحليلٌ لدافعها النفسيّ، فيحتمل أنَّ الراوي لم يكن بصدد مجرَّد سرد الوقائع كما حدثت، بل كان في مقام الدفاع عنها وتقديم تفسيرٍ يبرّر موقفها ويُظهره بصورةٍ إيجابيَّةٍ، وهذا موضع شكٍّ قويٍّ في النقل التاريخيّ؛ فإذا كان الراوي هو المستفاد من هذه الرواية دينيَّاً أو ماديَّاً أو غيرها من الدوافع، فتكون الرواية محلَّ ضعفٍ، خصوصاً مع وجود سردٍ يخالفه.

وثالثاً: أنَّ أسلوب الرواية ولحنها يحملان طابعاً تبريريَّاً واضحاً؛ إذ تنتقل الرواية فجأة من أجواء التوتّر والاستعداد للمواجهة بين الأطراف المختلفة إلى إبراز حكمة عائشة وحرصها على حقن الدماء، وكأنَّ الهدف لم يعد مجرَّد نقل الحادثة، بل الدفاع عن أحد أطرافها وتبرير موقفه، وهذا من السمات المعروفة في كثيرٍ من النصوص التاريخيَّة التي أُعيدت صياغتها تحت تأثير المواقف العقديَّة والسياسيَّة اللاحقة.

ورابعاً: أنَّه لا يمكن استبعاد تأثير الأحداث اللاحقة في تشكيل هذا النقل؛ فإنَّ واقعة منع دفن الإمام الحسن (عليه السلام) خلَّفت استنكاراً واسعاً في الوجدان الإسلاميّ، وأثارت تساؤلاتٍ كثيرةً عن دور الأطراف المشاركة فيها، ومن الطبيعيّ أن تنشأ لاحقاً محاولاتٌ لتخفيف حدَّة الانتقاد وتقديم بعض الشخصيَّات بصورةٍ أكثر قبولاً، فجاءت مثل هذه الروايات لتصوير عائشة بوصفها مانعةً للفتنة لا مشاركةً في المنع.

ومن هنا، يظهر أنَّ الغاية الأساسيَّة لمثل هذه الرواية ليست مجرَّد تسجيل الحدث التاريخيّ، بل تقديم قراءةٍ تبريريَّةٍ له والفرار من مجموعةٍ من الأسئلة المحرجة التي تفرض نفسها على الواقعة، من قبيل: لماذا مُنع الإمام الحسن (عليه السلام) من الدفن إلى جوار جدّه رسول الله (صلى الله عليه وآله)؟ وهل كانت الحجرة ملكاً شخصيَّاً لعائشة حتَّى يكون لها حقّ المنع؟ وإذا كانت قد ورثتها من النبيّ (صلى الله عليه وآله)، فلماذا حُرمت السيّدة فاطمة (عليها السلام) من الإرث؟ وإذا لم تكن ملكاً لها بل كانت من مرافق النبيّ أو من الحقوق العامَّة للمسلمين، فما وجه منع دفن سبط رسول الله فيها؟ ثمّ كيف أُجيز دفن أبي بكر وعمر في ذلك الموضع نفسه، بينما مُنع منه الإمام الحسن (عليه السلام)؟ إنَّ هذه التساؤلات وغيرها تكشف أنَّ الخلفيَّات المذهبيَّة والعقديَّة كان لها أثرٌ واضحٌ في طريقة نقل الحادثة وتفسيرها، وتبريرها، وبهذا يتبيَّن ضعفها.

وحتَّى لو سلَّمنا بصحَّة هذه الرواية وعدم معارضتها للروايات الأخرى، فإنَّ متنها نفسه لا يساعد على تصوير عائشة بوصفها موافقةً على دفن الإمام الحسن (عليه السلام)، ولكنَّها تراجعت خوفاً من وقوع الفتنة. فإنَّ العبارات من قبيل: «بيتي» و«لا يُدفن في بيتي»، لا تنسجم مع موقف المتقبّل للدفن الساعي فقط إلى منع الاقتتال، فمحور كلامها ليس التحذير من القتال أو الدعوة إلى التهدئة، وإنَّما التأكيد على رفض إدخال الإمام الحسن (عليه السلام) إلى ذلك الموضع.

بل إنَّ هذا النوع من الخطاب، في ظرفٍ متوتّرٍ أصلاً، يُعدّ بطبيعته عاملاً في تأجيج النزاع لا في إخماده؛ لأنَّه يضع نفسه في مواجهةٍ مباشرةٍ مع الطرف الآخر ويؤكّد رفض مطالبِه؛ ولولا وصيَّة الإمام الحسن (عليه السلام) لأخيه الحسين (عليه السلام) بألَّا يُراق في أمره محجمة دمٍ، وألَّا يُدفن عند جدّه إذا أدَّى ذلك إلى النزاع والاقتتال، لكان مثل هذا الأسلوب من الاعتراض مرشَّحاً بطبيعته لتصعيد الموقف وإشعال الفتنة، لا لمنعها وإطفائها؛ فيتبيَّن أنَّها بجنب مروان من المعارضين.

والحمد لله ربّ العالمين.