كيف يجب أن نتعامل مع التاريخ؟

السؤال: ما لم ندرك أنَّ التجربة الإسلاميَّة الأولى كانت تجربةً تاريخيَّةً مشروطةً بزمانها ومكانها، سنظل أسرى لإعادة تمثيلها بشكلٍ مشوَّه، نحوّل فيه التاريخ إلى أسطورة، والأسطورة إلى أداة صراع. المؤرِّخ التونسيّ: هشام جعيط.

: الشيخ معتصم السيد احمد

الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم

هذا الكلام يتضمن جانباً يمكن قبوله، وجانباً آخر يحتاج إلى قدرٍ من التوضيح والتدقيق.

فمن جهةٍ، لا شك أنَّ التجربة الإسلاميَّة الأولى وقعت في سياقٍ تاريخيٍّ محدد، وكانت تتعامل مع ظروفٍ اجتماعيَّةٍ وسياسيَّةٍ وثقافيَّةٍ معينة. فالحروب التي خاضها المسلمون، وطريقة إدارة الدولة، وأنماط العلاقات الاجتماعيَّة والاقتصاديَّة، كلّها جرت في عالمٍ يختلف كثيراً عن عالمنا المعاصر، ومن الخطأ أنْ نتعامل مع كلِّ تفصيلٍ تاريخيٍّ على أنَّه نموذجٌ جامدٌ يجب استنساخه حرفيّاً في كلّ زمانٍ ومكانٍ، دون نظرٍ إلى تغير الظروف والملابسات.

لكن من جهةٍ أخرى، فإنَّ وصف التجربة الإسلاميَّة الأولى بأنَّها مجرد «تجربةٍ تاريخيَّةٍ مشروطةٍ بزمانها ومكانها» إذا أُخذ على إطلاقه يثير إشكالاً آخر؛ لأنَّ المسلمين لا ينظرون إلى تلك المرحلة بوصفها حدثاً تاريخيّاً عادياً فحسب، بل يرون أنها كانت أيضاً مجالاً لتجلّي الوحي والقيم الإلهيَّة والمبادئ الإنسانيَّة الكبرى، فهناك فرقٌ بين الوسائل التاريخيَّة المتغيّرة، وبين القيم والمقاصد والمبادئ التي جاءت الرسالة لترسيخها.

ولهذا، فإنَّ الإشكال لا يكمن في استحضار التجربة الإسلاميَّة الأولى، وإنَّما في طريقة استحضارها، فهناك من يحولها إلى أسطورةٍ مثاليَّةٍ خاليةٍ من التعقيدات البشريَّة، فيتعامل مع التاريخ وكأنَّه عالمٌ من الملائكة لا يعرف الخلافات والأخطاء والاجتهادات والصراعات. وفي المقابل هناك من يختزلها في ظروفها التاريخيَّة إلى درجةٍ يفقد معها الدين أيَّ قدرةٍ على توجيه الحاضر، أو تقديم نموذجٍ قيميٍّ للإنسان المعاصر.

والقراءة المتوازنة تقتضي التمييز بين مستويين:

أحدهما: مستوى المبادئ والقيم الكبرى التي تتجاوز حدود الزمان والمكان، كالعدل والحرّيَّة والكرامة الإنسانيَّة والشورى ومقاومة الظلم وتحمل المسؤوليَّة الأخلاقيَّة، وهذه تبقى حيَّةً وصالحةً للاسترشاد بها في كل عصر.

والآخر: مستوى التطبيقات والآليات والصيغ التاريخيَّة التي ارتبطت بظروف زمنيَّة معينة، وهذه قابلة للمراجعة والاجتهاد والتطوير بحسب تغير الواقع.

لذلك، فإنَّ المشكلة ليست في أنْ يتحول التاريخ إلى مرجع، بل في أنْ يتحول إلى قيدٍ يمنع التفكير، كما أنَّ المشكلة ليست في نقد التجربة التاريخيَّة، بل في تحويل هذا النقد إلى قطيعةٍ مع القيم التي حملتها تلك التجربة، فالأمم الحيَّة لا تعيش خارج تاريخها، لكنها أيضاً لا تعيش أسيرة له، إنَّها تستلهم منه المبادئ والعبر، وتترك ما كان مرتبطاً بظروفه الخاصَّة.

ولعلَّ الأدق أنْ يُقال: إنَّ الخروج من أزمات الحاضر لا يكون بتقديس التاريخ ولا بإلغائه، وإنَّما بقراءته قراءةً واعيةً تميز بين ما هو رسالة وما هو ظرف تاريخيّ، وبين ما هو قيمةٌ دائمةٌ، وما هو اجتهادٌ بشريٌّ مرتبطٌ بزمانه ومكانه، فبهذه الرؤية يتحول التاريخ من ساحةٍ للصراع الأيديولوجيّ، إلى مصدرٍ للفهم والبصيرة، واستخراج السنن التي تحكم حركة المجتمعات والأمم.