مشروعية الاستغاثة بأهل البيت (ع)
السؤال: لوحِظ في الآونة الأخيرة أنَّ بعض رجال الدين الشيعة ـ تبعاً للوهّابيَّة ـ يشكّكون في مشروعية وجواز الاستغاثة بأهل البيت (صلوات الله وسلامه عليهم)، فما هو الدليل على مشروعية وجواز الاستغاثة؟
الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم
قبل الشروع في تفصيل الجواب لابدَّ من تحرير محلِّ النزاع وتحديد القسم الذي وقع الكلام في جوازه أو منعه من الاستغاثة، فإنَّ الاستغاثة ليست على نحوٍ واحدٍ، فقد تكون الاستغاثة بالحيّ فيما يقدر عليه عادةً، كطلب بناء منزلٍ من البنَّاء، أو معالجة المريض من الطبيب، وجواز هذا القسم محلُّ اتفاقٍ بين المسلمين. وإنما وقع الخلاف في قسمين آخرين: الاستغاثة بالأموات، والاستغاثة بالأحياء فيما يخرج عن القدرة البشرية الاعتيادية، كإحياء الموتى ونحو ذلك من الأمور الخارقة للعادة.
وعليه، يُمكن تقسيم الاستغاثة بالبشر إلى ثلاثة أقسامٍ: الاستغاثة بالحي فيما يقدر عليه عادةً، والاستغاثة بالحي فيما لا يقدر عليه بحسب المتعارف، كإحياء الموتى وإبراء الأكمه، والاستغاثة بالأموات مطلقاً.
أمَّا القسم الأوَّل: فهو جائزٌ بالاتفاق، وقد دلَّ عليه قوله تعالى: ﴿وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِّنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ هَذَا مِن شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِن شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ﴾ [القصص: 15]. فإنَّ الآية المباركة من أوضح الشواهد على جواز الاستغاثة بغير الله تعالى، فإنَّ الرجل الذي كان من شيعة موسى (عليه السلام) طلب منه الغوث والنصرة على خصمه، فاستجاب له موسى (عليه السلام) ودفع عنه الأذى، من دون أنْ يُنكر عليه أصل الاستغاثة أو يوجِّهه إلى تركها.
كما أنَّ القرآن الكريم أورد هذه الواقعة ولم يتبعها بما يدلُّ على الذمّ أو الاستنكار، مع أنَّ مقام البيان يقتضي ذلك فيما لو كان أصل الاستغاثة بغير الله تعالى أمراً محرَّماً أو منافياً للتوحيد؛ ومن هنا يُستفاد أنَّ الاستغاثة بغير الله تعالى ـ بما هو سببٌ وواسطةٌ في الإعانة والنصرة ـ أمرٌ جائزٌ في نفسه.
وبعبارةٍ أُخرى: إنَّ المستغيث في الآية توجَّه بطلب العون إلى موسى (عليه السلام) لا إلى الله تعالى مباشرةً، وقد صدر ذلك بمرأى من النبيّ (عليه السلام) ومن دون اعتراضٍ منه، كما حكاه القرآن الكريم مقرِّراً له، فيكون ذلك دالاً على مشروعية هذا النحو من الاستغاثة وعدم منافاته لأصل التوحيد.
وأمَّا القسم الثاني والثالث: فقد وقع الخلاف فيهما قبولاً ورداً. وللمزيد من التفاصيل يُراجع كتاب [توحيد العبادة لسماحة الشيخ نزار آل سُنبل القطيفي ص141 وما بعدها]، فقد أحسن وأجاد في تحرير هذه المسألة بكلِّ صورها وأحكامها.
إذا اتضح ذلك فنقول:
1ـ إنَّ الاستغاثة بأهل البيت (عليهم السلام) لا تُعدُّ استغاثةً بالأموات حتَّى يصح المنع منها بهذا العنوان؛ وذلك لأنهم من الشهداء ـ كما بيَّنا ذلك في أجوبةٍ مفصَّلةٍ ـ والشهداء أحياءٌ عند ربِّهم يرزقون، ولذلك فالاستغاثة بهم تُعدُّ من النوع الأوَّل ـ أي الاستغاثة بالحي ـ المتفق على جوازه عند الكلِّ كما تقدَّم.
2ـ وأمَّا ما يتعلَّق ببعض الأفعال التي يعجز عنها البشر العاديون، كإحياء الموتى ونحوه، فإنها متى ما كانت بإقدارٍ من الله تعالى لأهل البيت (عليهم السلام) وتمكينٍ منه سبحانه لهم، فلا محذور فيها أيضاً، لأنها واقعةٌ في طول قدرة الله تعالى وسلطانه، لا في عرضها واستقلالاً عنها.
وقد دلَّ القرآن الكريم على وقوع نظائر ذلك، كما في قصَّة قتيل بني إسرائيل، حيث جعل الله سبحانه بعض أجزاء البقرة سبباً لإحياء الميت، فقال تعالى: ﴿فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا ۚ كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَىٰ وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: 73]، فكان الإحياء مستنداً إليه تعالى وإنْ جرى على يد سببٍ جعله الله سبحانه وسيلةً لذلك. وعليه، فإذا ثبت أنَّ الله تعالى قد أقدر أولياءه على بعض هذه الأمور ومنحهم السلطنة عليها بإذنه ومشيئته، فلا وجه للإشكال في الاستغاثة بهم؛ لأنَّها لا تتضمَّن نسبة الاستقلال إليهم، بل هي قائمةٌ على الاعتقاد بأنهم وسائط وأسبابٌ مأذونٌ لها من قبل الله تعالى.
ومن جميع ما تقدَّم يتَّضح أنَّ الاستغاثة بأهل البيت (عليهم السلام) بجميع صورها المتقدِّمة لا يرد عليها إشكالٌ عقائديّ، ما دامت منطلقةً من الاعتقاد بأنَّ كلَّ ما يصدر عنهم إنما هو بإذن الله تعالى وقدرته، خلافاً لما شذَّ به الفكر الوهّابيّ.
أضف إلى ذلك، ما ورد في السنة المطهَّرة ـ عند الفريقين ـ من صور الاستغاثة الكثيرة، مما يدلُّ على ما قلناه من جواز الاستغاثة وخلوِّها من أي إشكالٍ أو محذورٍ، وتفصيل ذلك كلِّه في أمرين اثنين:
الأمر الأوَّل: الاستغاثة عند الشيعة:
1ـ روى الكلينيّ بسنده إلى علي بن أبي حمزة، عن أبي إبراهيم (عليه السلام) قال: قال لي: «إنّي لموعوك منذ سبعة أشهر ... إلى قوله: قلتُ: جُعلت فداك، إنْ أذنت لي حدَّثتك بحديثٍ عن أبي بصير، عن جدِّك، أنه كان إذا وعك استعان بالماء البارد، فيكون له ثوبان، ثوبٌ في الماء البارد، وثوبٌ على جسده يراوح بينهما. ثمَّ ينادي حتَّى يسمع صوته على باب الدار: يا فاطمة بنت محمَّد، فقال: صدقت» [الكافي ج8 ص109].
ومحلُّ الشاهد في الرواية، قوله (عليه السلام): «يا فاطمة بنت محمَّد»، إذْ هو من مصاديق الاستغاثة بالصدِّيقة الزهراء (عليها السلام)، مما يكشف عن جوازه ومشروعيته، كما هو واضحٌ.
2ـ وروى محمَّد بن جعفر المشهديّ عن الصاحب (عليه السلام) أنه قال في الدعاء المعروف: «اللهم عظم البلاء، وبرح الخفاء، وانكشف الغطاء، وضاقت الأرض ومنعت السماء، وإليك يا ربِّ المشتكى، وعليك المعوَّل في الشدَّة والرخاء. اللهم صلِّ على محمَّد وآله الذين فرضت علينا طاعتهم، وعرَّفتنا بذلك منزلتهم، ففرِّج عنا بحقِّهم فرجاً عاجلاً كلمح البصر أو هو أقرب من ذلك. يا محمَّد يا عليّ، يا عليّ يا محمَّد، انصراني فإنكما ناصراي، واكفياني فإنكما كافياي، يا مولاي يا صاحب الزمان، الغوث الغوث الغوث، أدركني أدركني أدركني» [المزار الكبير ص٥٩١].
3ـ وروى الحسن بن الفضل الطبرسيّ عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «إذا كانت لأحدكم استغاثةٌ إلى الله تعالى فليصلِّ ركعتين، ثمَّ يسجد ويقول: يا محمَّد يا رسول الله، يا عليّ يا سيد المؤمنين والمؤمنات، بكما أستغيثُ إلى الله تعالى. يا محمَّد يا عليّ، أستغيثُ بكما. يا غوثاه بالله، وبمُحمَّد وعليّ وفاطمة ـ وتعدُّ الأئمَّة ـ بكم أتوسَّل إلى الله تعالى، فإنك تُغاث من ساعتك إنْ شاء الله تعالى» [مكارم الأخلاق ص٣٣١].
4ـ وروى العلَّامة المجلسيّ عن المفضَّل بن عمر الجعفيّ، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «إذا كانت لك حاجةٌ إلى الله وضقتَ بها ذرعاً فصلِّ ركعتين، فإذا سلَّمتَ كبِّر الله ثلاثاً، وسبِّح تسبيح فاطمة (عليها السلام)، ثمَّ اسجد وقل مائة مرَّةٍ: يا مولاتي فاطمة أغيثيني. ثمَّ ضع خدَّك الأيمن على الأرض وقل مثل ذلك، ثمَّ عد إلى السجود، وقل ذلك مائة مرَّةٍ وعشر مرَّاتٍ، واذكر حاجتك، فإنَّ الله يقضيها» [بحار الأنوار ج91 ص30].
5ـ وقال المرجع الدينيّ الشيخ جعفر كاشف الغطاء: (إنَّ نداء النبيّ (صلى الله عليه وآله)، وآله (عليهم السلام)، وسائر أولياء الله (عليهم السلام)، وترجِّيهم، والاستغاثة بهم، والالتجاء إليهم، والاعتماد عليهم، والتعويل عليهم ونحوها مرجعها إلى الله تعالى) [كشف الغطاء ج٣ ص٥١٩].
6ـ وقال المرجع الدينيّ السيد محمَّد صادق الروحانيّ في جواب سؤالٍ وجِّه إليه، هذا نصُّه: (نقرأ في دعاء الجوشن الكبير: «الغوث الغوث، خلِّصنا من النار يارب»، ونقرأ في صلاة الاستغاثة بفاطمة الزهراء (عليها السلام): «يا مولاتي يا فاطمة أغيثيني»، أفلا يُعدُّ هذا شركاً صريحاً؟ فقال: باسمه جلَّت أسماؤه: لا تنافي بين الخطابين، فالأوَّل طلبٌ من الله تعالى؛ لأنَّه المغيث بالذات والاستقلال، والثاني طلبٌ من الصدِّيقة الطاهرة الزهراء (عليها السلام) بما هي بابٌ من أبواب الله تعالى، ووسيلةٌ من وسائل القرب إليه، لا بما هي مؤثِّرةٌ ذاتاً واستقلالاً، فلا شرك في ذلك) [أجوبة المسائل ج1 ص ١٠٨].
إلى غيرها من الروايات الكثيرة، والكلمات الواضحة، الدالَّة على مشروعية الاستغاثة عندنا معاشر الشيعة.
الأمر الثاني: الاستغاثة عند العامة:
1ـ روى ابن أبي شيبة بسندٍ صحيحٍ إلى مالك الدار، قال: وكان خازن عمر على الطعام، قال: «أصاب الناس قحطٌ في زمن عمر، فجاء رجلٌ إلى قبر النبيّ (صلى الله عليه [وآله] وسلم) فقال: يا رسول الله، استسقِ لأمتك، فإنهم قد هلكوا، فأُتي الرجل في المنام فقيل له: ائتِ عمر فأقرئه السلام، وأخبره أنكم مستقيمون وقل له: عليك الكيس، عليك الكيس، فأتى عمر فأخبره، فبكى عمر ثمَّ قال: يا ربِّ، لا آلو إلَّا ما عجزت عنه» [المصنف ج6 ص356].
أقول: ممن صرَّح بصحَّة سنده أيضاً ابن حجر في كتابه [فتح الباري ج2 ص495]. وهو صريحٌ في أنَّ الرجل استغاث بقبر رسول الله (صلى الله عليه وآله) بمرأى ومسمعٍ من الصحابة كافَّةً، ومنهم عمر بن الخطَّاب أيضاً.
2ـ وروى البيهقيّ بسندٍ حسنٍ إلى ابن عبَّاس قال: «إنَّ لله (عزَّ وجلَّ) ملائكةً في الأرض سوى الحفظة، يكتبون ما يسقط من ورق الشجر، فإذا أصاب أحدكم عرجةٌ في الأرض لا يقدر فيها على الأعوان فليصح فليقل: عباد الله أغيثونا، أو أعينونا رحمكم الله، فإنه سيعان» [شعب الإيمان ج10 ص140].
3ـ وروى عبد الله بن أحمد بن حنبل، عن أبيه، قال: «سمعتُ أبي يقول: حججتُ خمس حججٍ، منها ثنتين راكباً وثلاثةً ماشياً، أو ثنتين ماشياً وثلاثةً راكباً، فضللتُ الطريق في حجةٍ، وكنتُ ماشياً فجعلت أقول: يا عباد الله، دلُّونا على الطريق، فلم أزل أقول ذلك حتَّى وقعت الطريق» [مسائل الإمام أحمد ص245].
4ـ وروى الدارميّ بسندٍ رجاله ثقاتٌ عن أبي الجوزاء أوس بن عبد الله، قال: «قُحط أهل المدينة قحطاً شديداً، فشكوا إلى عائشة فقالت: انظروا قبر النبيّ (صلى الله عليه [وآله] وسلم) فاجعلوا منه كوىً إلى السماء حتَّى لا يكون بينه وبين السماء سقفٌ. قال: ففعلوا، فمطرنا مطراً حتَّى نبت العشب، وسمنت الإبل حتَّى تفتقت من الشحم، فسمِّي عام الفتق» [مسند الدارمي ج1 ص227، تحقيق حسين أسد].
5ـ وقال علي بن عبد الكافي السبكيّ: (اعلم، أنه يجوز ويحسن التوسُّل والاستغاثة والتشفُّع بالنبيّ إلى ربه سبحانه وتعالى. وجواز ذلك وحسنه من الأمور المعلومة لكلِّ ذي دينٍ، المعروفة من فعل الأنبياء والمرسلين، وسير السلف الصالحين، والعلماء والعوام من المسلمين. ولم ينكر أحدٌ ذلك من أهل الأديان، ولا سمع به في زمنٍ من الأزمان، حتَّى جاء ابن تيمية، فتكلَّم في ذلك بكلامٍ يلبس فيه على الضعفاء الأغمار، وابتدع ما لم يسبق إليه في سائر الأعصار) [شفاء السقام ص ٢٩٣].
6ـ وقال ابن حجر الهيتميّ: (من خرافات ابن تيمية التي لم يقلها عالمٌ قبله، وصار بها بين أهل الإسلام مُثلةً، أنه أنكر الاستغاثة والتوسُّل به (صلى الله عليه [وآله] وسلم) وليس كما افترى، بل التوسُّل به (صلى الله عليه [وآله] وسلم) حسنٌ في كلِّ حالٍ، قبل خلقه وبعده، في الدنيا والآخرة. فمما يدل لطلب التوسُّل به (صلى الله عليه [وآله] وسلم) قبل خلقه، وأنَّ ذلك هو سيرة السلف الصالح، الأنبياء والأولياء وغيرهم. فقول ابن تيمية ليس له أصلٌ) [الجوهر المنظَّم ص171].
7ـ وقال الشيخ محمَّد الشوبريّ: (يجوز التوسُّل بهم إلى الله تعالى، والاستغاثة بالأنبياء والمرسلين والأولياء وبالعلماء والصالحين بعد موتهم، لأنَّ معجزات الأنبياء وكرامات الأولياء لا تنقطع بموتهم. أمَّا الأنبياء فلأنهم أحياء في قبورهم يصلُّون ويحجُّون كما وردت به الأخبار) [رد الشوبري على الوهابية ص1].
إلى غيرها من الروايات الكثيرة، والكلمات الواضحة، الدالَّة على مشروعية الاستغاثة عند العامة.
والنتيجة النهائية من جميع ما تقدَّم، أنَّ الاستغاثة بغير الله تعالى وطلب العون من غيره أمرٌ جائزٌ ومشروعٌ، لما تبيَّن من كونه راجعاً إلى الله تعالى بالأصالة.. وآخر دعوانا أنْ الحمد لله ربِّ العالمين.
اترك تعليق