هل زار الأئمة (ع) قبر الإمام الحسين (ع)؟
السؤال: الإمام الصادق يعدُ شيعته بأطنانٍ من الثوابات الأُخرويَّة والتوفيقات الدنيويَّة لزيارة قبر الحسين، لكنَّه لم يكلِّف نفسه ولا مرَّةً واحدةً بزيارته أصلاً، وعين الكلام في باقي الأئمَّة؟
الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم
في البداية لا بأس بذكر بعض الروايات الدالَّة على ثواب زيارة الإمام الحسين (عليه السلام)، وبعدها نعلِّق عليها بما يناسب المقام.
1ـ روى الشيخ الكلينيّ بسنده إلى المعلَّى أبي شهاب، قال: قال الحسين (عليه السلام) لرسول الله (صلى الله عليه وآله): «يا أبتاه، ما لمن زارك؟ فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): يا بُنيَّ، من زارني حيّاً أو ميِّتاً، أو زار أباك، أو زار أخاك، أو زارك، كان حقّاً عليَّ أنْ أزوره يوم القيامة، وأخلِّصه من ذنوبه» [الكافي ج4 ص548].
2ـ وروى جعفر بن محمَّد بن قولويه بسنده إلى عبد الله بن مسكان، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: «من زار الحسين (عليه السلام) من شيعتنا لم يرجع حتَّى يُغفر له كلُّ ذنبٍ، ويُكتب له بكلِّ خطوةٍ خطاها، وكلِّ يدٍ رفعتها دابَّته، ألف حسنةٍ، ومُحي عنه ألف سيِّئةٍ، وتُرفع له ألف درجةٍ» [كامل الزيارات ص257].
3ـ وروى الشيخ المفيد بسندٍ معتبرٍ إلى زيد الشحَّام، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: «من زار قبر الحسين بن عليٍّ (عليهما السلام) يوم عاشوراء عارفاً بحقِّه، كان كمن زار الله (عزَّ وجلَّ) في عرشه» [المزار ص51].
إلى غيرها من الروايات.
إذا بان هذا التمهيد، فلنا عدَّة تعليقاتٍ نذكرها ضمن أمورٍ:
الأمر الأوَّل: أنَّ حكاية الثواب عن أئمَّة أهل البيت (عليهم السلام) لزيارة الإمام الحسين (عليه السلام)، سواءٌ كانت مطلقةً، أم في مناسباتٍ خاصَّةٍ، أم لمن زاره ماشياً، لا تخرج عن أحد أمرين؛ فإمَّا أنْ تكون منقولةً عن رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وإمَّا أنْ تكون صادرةً عن الإمام (عليه السلام) بما له من حقِّ التشريع بإذن الله تعالى. وعلى كلا التقديرين لا تلازم بين حكاية الثواب ونقله للناس وبين العمل به.
1ـ نظير الأوَّل ـ مع حفظ الفوارق والمقامات ـ ما نقله الصحابة عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) من المستحبَّات والمكروهات، فهل يلزمهم العمل بجميع ما نقلوه من المستحبَّات أو المكروهات؟
2ـ ونظير الثاني: ما حكاه العامَّة من أنَّ النبي (صلى الله عليه وآله) شرَّع الأذان ولم يؤذِّن في حياته قطُّ [يُنظر: فتح الباري لابن رجب ج5 ص296، المجموع للنوويّ ج3 ص79، وغيرهما]. وعليه، فلا يصحُّ الإشكال علينا بأنَّ ذكر الأئمَّة (عليهم السلام) لهذا الثواب العظيم يوجب عليهم العمل به، إذْ لا ملازمة بين ذكر الثواب ونقله إلى الناس ولزوم العمل به، كما تبيَّن وجهه.
وبعبارةٍ أُخرى جامعةٍ: إنَّنا نعتقد بحجِّيَّة كلام المعصوم، وفعله، وتقريره. ولذلك، فلو حكم باستحباب فعلٍ معيَّنٍ لكفى في ثبوت استحبابه، من دون حاجةٍ إلى فعله منه؛ لأنَّ قوله حجَّةٌ، من دون حاجةٍ إلى ضمِّ الفعل معه.
الأمر الثاني: أنَّ زيارة الإمام المعصوم (عليه السلام) لا تنحصر بكونها علنيَّةً وأمام الناس، بل قد تقع في السرِّ والخفاء أيضاً؛ لما تقتضيه بعض الحِكَم والمصالح، ونظير ذلك ما ورد في رواياتنا من أنَّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) حجَّ متخفِّياً عشرين حجَّةً، وذلك لما اقتضته الحِكمة والمصلحة في ذلك.
1ـ روى الشيخ الكلينيّ بسنده إلى ابن أبي يعفور، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: «حجَّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) عشرين حجَّةً مستسرَّةً، كلُّها يمرُّ بالمأزمين فينزل فيبول» [الكافي ج4 ص251].
2ـ وروى الشيخ الصدوق بسنده إلى سليمان بن مهران، قال: «قلتُ لجعفر بن محمَّد (عليه السلام): كم حجَّ رسول الله (صلى الله عليه وآله)؟ فقال: عشرين مستتراً، في حجَّةٍ يمرُّ بالمأزمين فينزل فيبول. فقلتُ: يا ابن رسول الله، ولِمَ كان ينزل هناك فيبول؟ قال: لأنَّه أوَّل موضعٍ عُبدت فيه الأصنام، ومنه أُخذ الحجر الذي نُحت منه هبل، الذي رمى به عليٌّ (عليه السلام) من ظهر الكعبة، لمَّا علا ظهر رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فأمر بدفنه عند باب بني شيبة، فصار الدخول إلى المسجد من باب بني شيبة سنَّةً لأجل ذلك» [علل الشرائع ج2 ص450].
إلى غيرهما من الروايات في هذا الباب.
وعليه، فلا يمكن الجزم بعدم زيارة أئمَّة أهل البيت (عليهم السلام) لقبر الإمام الحسين (عليه السلام)، لاحتمال كونها وقعت بعيداً عن أعين الناس، خصوصاً إذا لوحظت الظروف الأمنيَّة المشدَّدة آنذاك، وحرص السلطات الظالمة على المنع من زيارة قبر الحسين (عليه السلام)، بل وتعقُّب الزائرين ومعاقبتهم على ذلك، كما هو مسطورٌ في كتب التواريخ والسير.
الأمر الثالث: أنَّ عدم وجدان الرواية الدالَّة على زيارتهم (عليهم السلام) لا يعني عدم وقوع الفعل منهم، وإنَّما غاية ما يُقال: إنَّ المصادر التي وصلت إلينا لم تنقل جميع زيارات الأئمَّة (عليهم السلام) لقبر جدِّهم (عليه السلام).
ويؤيِّد ذلك: ضياع الكثير من الكتب والمصنَّفات، ككتاب «مدينة العلم» للشيخ الصدوق وغيره. وعليه، فلا يصحُّ الجزم بعدم صدور الزيارة منهم (عليهم السلام)، اعتماداً على ما وصل إلينا من الكتب والأخبار فحسب، كما هو واضحٌ.
الأمر الرابع: ذكرت بعض الأخبار أنَّ مولانا زين العابدين وابنه الباقر (عليهما السلام) قد زارا قبر الحسين (عليه السلام) في يوم الأربعين. كما ذكرت أُخرى أنَّ الإمام الصادق (عليه السلام) قد زار قبر جدِّه (عليه السلام) عندما جاء إلى الحيرة، بل ونصب خيمةً لإيواء بعض الزائرين لقبر جدِّه (عليه السلام).
1ـ روى السيد ابن طاووس، وفيه: «لمَّا رجع نساء الحسين (عليه السلام) وعياله من الشام، وبلغوا العراق، قالوا للدليل: مرَّ بنا على طريق كربلاء، فوصلوا إلى موضع المصرع، فوجدوا جابر بن عبد الله الأنصاري (رحمه الله)، وجماعةً من بني هاشم، ورجالاً من آل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قد وردوا لزيارة قبر الحسين (عليه السلام)، فوافوا في وقتٍ واحدٍ، وتلاقوا بالبكاء والحزن واللطم، وأقاموا المآتم المقرحة للأكباد، واجتمع إليهم نساء ذلك السواد، فأقاموا على ذلك أياماً» [اللهوف في قتلى الطفوف ص114].
ومعهم الإمامان السجَّاد والباقر (عليهما السلام)، كما هو واضحٌ.
2ـ وروى جعفر بن محمَّد بن قولويه بسنده إلى صفوان الجمَّال، قال: قال لي أبو عبد الله (عليه السلام)، لمَّا أتى الحيرة: «هل لك في قبر الحسين (عليه السلام)؟ قلتُ: وتزوره، جعلت فداك؟ قال: وكيف لا أزوره، والله يزوره في كلِّ ليلة جمعةٍ، يهبط مع الملائكة إليه، والأنبياء، والأوصياء، ومحمَّد (صلى الله عليه وآله) أفضل الأنبياء، ونحن أفضل الأوصياء. فقال صفوان: جعلت فداك، فنزوره في كلِّ جمعةٍ حتَّى ندرك زيارة الربِّ؟ قال: نعم، يا صفوان، الزم ذلك، يُكتب لك زيارة قبر الحسين (عليه السلام)، وذلك تفضيلٌ، وذلك تفضيلٌ» [كامل الزيارات ص222].
قال العلَّامة المجلسيّ (طاب ثراه) بعد نقله لهذا الخبر: (بيان: زيارته تعالى كنايةٌ عن إنزال رحماته الخاصَّة عليه وعلى زائريه (صلوات الله عليه). وقوله (عليه السلام): «وذلك تفضيلٌ»، أي: زيارة الربِّ) [بحار الأنوار ج98 ص60].
3ـ وروى ابن قولويه أيضاً بسنده عن موسى بن القاسم الحضرميّ، قال: «ورد أبو عبد الله (عليه السلام) في أوَّل ولاية أبي جعفر، فنزل النجف، فقال: يا موسى، اذهب إلى الطريق الأعظم، فقف على الطريق، وانظر، فإنَّه سيأتيك رجلٌ من ناحية القادسية، فإذا دنا منك، فقل له: هاهنا رجلٌ من ولد رسول الله (صلى الله عليه وآله) يدعوك...».
إلى قوله: «فقلتُ له: يا هذا، هاهنا رجلٌ من ولد رسول الله (صلى الله عليه وآله) يدعوك، وقد وصفك لي.
فقال: اذهب بنا إليه.
قال: فجئتُ به حتَّى أناخ بعيره ناحيةً قريباً من الخيمة، فدعا به، فدخل الأعرابي إليه، ودنوتُ أنا، فصرتُ على باب الخيمة أسمع الكلام ولا أراهما.
فقال له أبو عبد الله (عليه السلام): من أين قدمت؟
قال: من أقصى اليمن.
قال: أنت من موضع كذا وكذا؟
قال: نعم، أنا من موضع كذا وكذا.
قال: فيم جئت هاهنا؟
قال: جئت زائراً للحسين (عليه السلام).
فقال أبو عبد الله (عليه السلام): فجئت من غير حاجةٍ، ليس إلَّا للزيارة؟
قال: جئتُ من غير حاجةٍ إلَّا أنْ أُصلِّي عنده، وأزوره، فأُسلِّم عليه، وأرجع إلى أهلي...» [كامل الزيارات ص304].
والنتيجة النهائيَّة من كلِّ ذلك: أنَّ قول المعصوم (عليه السلام) حجَّةٌ، ولا حاجة إلى ضمِّ الفعل إليه. كما أنَّ زيارته لقبر جدِّه (عليه السلام) لا يلزم أنْ تكون علنيَّةً، بل يمكن أنْ تكون سرّاً، بعيداً عن أنظار السلطة الحاكمة. كما أنَّ المصادر التي وصلت إلينا لم تنقل جميع أفعال الأئمَّة (عليهم السلام)، حتَّى يُقال بعدم زيارتهم للقبر الشريف. بل قد ثبت في بعض الروايات أنَّ بعض الأئمَّة (عليهم السلام) قد زاروا قبر الإمام الحسين (عليه السلام)، بل ونصب أحدهم خيمةً لإيواء بعض الزائرين، كما تقدَّم بيانه وتفصيله. والحمد لله ربِّ العالمين.
اترك تعليق