لماذا لم يقم أئمة أهل البيت (ع) برحلات تبشيرية؟
السؤال: لماذا لم يذهب أحدٌ من أئمة أهل البيت عليهم السلام للتبشير بالإسلام خارج المدينة كما خرج رسل المسيح (عليه السلام) ليبشروا فيه؟ وظلوا بالمدينة إلَّا أنْ يُخرجوا منها اضطراراً كما حدث مع الرضا (عليه السلام).
الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم
أولُ ما ينبغي الالتفات إليه أنَّ الإسلام في زمن الأئمة (عليهم السلام) لم يكن ديناً ناشئاً مجهولاً يحتاج إلى مَنْ يعرّف الناس بأصله، بل كان قد انتشر بالفعل من الصين شرقاً إلى شمال أفريقيا غرباً خلال عقودٍ قليلةٍ بعد رحيل النبي (صلى الله عليه وآله). فالحديث هنا ليس عن دينٍ محصورٍ في مدينةٍ صغيرةٍ يحتاج إلى أول بعثةٍ تبشيريةٍ، وإنَّما عن أمةٍ واسعةٍ ودولةٍ مترامية الأطراف كانت تعرف الإسلام اسماً وشعاراً وشعائر عامَّةً.
ومن هنا كانت المشكلة الأساسيَّة التي واجهها أئمة أهل البيت ليست مشكلة «وصول الإسلام إلى الناس»، بل مشكلة «حفظ الإسلام الصحيح من التحريف السياسيّ والفكريّ». فالدولة الأمويَّة ثم العباسيَّة كانت ترفع راية الإسلام وتنتسب إلى النبيّ، لكن الخلاف كان يدور على فهم الدين وقيادة الأمة وتفسير القرآن والسنَّة؛ ولذلك انصبَّ جهد الأئمة على بناء المرجعيَّة العلميَّة والفكريَّة للأمة أكثر من الانشغال برحلاتٍ دعويةٍ بعيدةٍ.
ثم إنَّ الظروف السياسيَّة كانت عاملاً أساسيّاً لا يمكن تجاهله، فأئمَّة أهل البيت لم يكونوا شخصياتٍ حرة الحركة تملك إمكانات السفر والتنقل كما تشاء، بل كانوا تحت رقابةٍ شديدةٍ من السلطات، يكفي أنْ نلاحظ أنَّ الإمام الكاظم (عليه السلام) قضى سنواتٍ طويلةً في السجون، وأنَّ الإمامين الهادي والعسكريّ (عليهما السلام) فُرضت عليهما الإقامة الجبريّة في سامراء، وأنَّ الإمام الصادق (عليه السلام) عاش مراقباً من الأمويين ثم العباسيين، وأنَّ الإمام الرضا (عليه السلام) لم يخرج إلى خراسان داعيةً مختاراً بل أُخذ إليها بأمر المأمون وتحت إشراف السلطة.
فكيف يُطلب من أشخاصٍ كانت السلطة تخشى تأثيرهم داخل المدينة، أنْ يطوفوا العالم بحريّةٍ وينشئوا مراكز دعويّةً مستقلّةً في البلدان المختلفة؟
بل إنَّ المتأمل في الواقع يجد أنَّ الأئمة مارسوا الدعوة والتعليم بطريقةٍ أخرى أكثر تأثيراً واستدامةً، وهي صناعة التلامذة وإرسالهم إلى الأمصار؛ فالإمام الباقر والإمام الصادق (عليهما السلام) مثلاً أسّسا مدرسةً علميَّةً ضخمةً، تخرَّج فيها آلاف الرواة والفقهاء والمتكلّمين، ثمّ انتشر هؤلاء في العراق وخراسان والحجاز واليمن وغيرها، فبدلاً من أنْ يسافر الإمام بنفسه إلى كلّ بلدٍ، قام بإعداد شبكةٍ واسعةٍ من العلماء والوكلاء الذين حملوا علوم أهل البيت إلى مختلف المناطق.
ولهذا نجد أسماء مثل: هشام بن الحكم، ومحمّد بن مسلم، وزرارة بن أعين، وغيرهم ممّن نشروا معارف أهل البيت في الأقاليم المختلفة. فالدعوة كانت موجودةً بالفعل، ولكن عبر التلامذة والوكلاء، لا عبر الرحلات الشخصيَّة للإمام.
كما أنَّ المقارنة مع رسل المسيح (عليهم السلام) ليست دقيقةً من جهةٍ أخرى؛ لأنَّ المسيحيَّة الأولى لم تكن تملك دولةً ولا مجتمعاً واسعاً يحتضنها، فكان انتشارها الجغرافيّ ضرورةً وجوديَّةً، أما أئمّة أهل البيت فقد كانوا يعيشون داخل مجتمعٍ إسلاميٍّ منتشرٍ أصلاً، وكانت معركتهم الأساسيَّة معركة الوعي والتفسير والقيادة الشرعيَّة، لا مجرّد التعريف باسم الدين.
بل يمكن أنْ يُقال: إنَّ بقاء الإمام في مركز العالم الإسلاميّ آنذاك كان أكثر فائدةً من خروجه إلى أطرافه؛ لأنَّ الأمّة كانت ترجع إليه في المسائل العلميَّة والعقائديَّة، وكانت الوفود والطلاب تفد إليه من مختلف المناطق، وقد تحوّلت المدينة المنوّرة في زمن الإمامين الباقر والصادق (عليهما السلام) إلى مركزٍ علميٍّ يقصده الناس من أنحاء الدولة الإسلاميَّة.
وفي المحصّلة، أنَّ هذا السؤال يفترض أنَّ نشر الدين لا يكون إلَّا بالسفر الشخصيّ، بينما التاريخ يشهد أنَّ الأئمة نشروا علومهم عبر التعليم، وتربية التلامذة، وإرسال الوكلاء، ومراسلة الأتباع، وبناء مدرسةٍ علميَّةٍ امتد أثرها إلى اليوم، كما أنَّ الظروف السياسيَّة القاسية التي فرضتها السلطات على الأئمة جعلت التنقل الحر أمراً شبه مستحيلٍ.
اترك تعليق