هل ما حدث ليونس (ع) عقوبة أو ابتلاء أو ماذا؟

السؤال: هل حدث ما حدث مع نبيِّ الله يونس (عليه السلام) عقوبةً له على ترك الأولى كما يُقال، أو هو ابتلاءٌ لتزداد درجاته، أو هناك فلسفةٌ أخرى وراء ابتلاع الحوت له؟

: السيد محمد هادي الحسيني

الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم

إنَّ الذي لا ريب فيه ولا يعتريه شكٌّ في مدرسة العترة الطاهرة (عليهم السلام)، أنَّ الأنبياء (صلوات الله عليهم) معصومون من الذنب الكبير والصغير على حدٍّ سواء، في حال التبليغ وغيره. فيجب تفسير ما عليهم من البلاء، وما عانوه من صعابٍ، تفسيراً ينسجم مع عصمتهم وطهارتهم (عليهم السلام).

وعليه، فإنَّ ما نزل بنبيِّ الله يونس (عليه السلام) من العنت والبلاء الشديد، كابتلاع الحوت له ونحو ذلك، ممَّا ورد ذكرهُ في قوله تعالى: ﴿وَذَا النُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَىٰ فِي الظُّلُمَاتِ أَن لَّا إِلَٰهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: 87]، لا يخلو من وجوهٍ ذكرها علماؤنا الأعلام، وهي وجوهٌ عدّة، نذكر منها:

الأول: أنَّه كان مؤاخذةً خاصةً على تركه الأولى:

وذلك من باب أنَّ: «حسنات الأبرار سيئات المقرَّبين»، أي: إنَّه ليس عقاباً على معصيةٍ، ولا على فعلٍ قبيح كالذي يصدر من عامَّة الناس، كما قد يتبادر إلى الذهن من سماع كلمة العقاب لأول وهلة، وإنَّما هو مجازاةٌ له في رتبةٍ أعلى، لا تمسُّ أصل طهارة النبيّ، ولا تورث الشك في تبليغه الرسالة الإلهيَّة.

قال الشيخ مكارم الشيرازيّ: (لا شكَّ أنّ تعبير {مُغَاضِبًا} إشارةٌ إلى غضب يونس على قومه الكافرين، وكان مثل هذا الغضب في هذه الظروف طبيعيًّا تمامًا، إذ تحمَّل هذا النبيّ المشفق المشقَّة والتعب سنين طويلةً من أجل هداية القوم الضالّين، إلَّا أنّهم لم يلبّوا دعوته الخيّرة.. ومن جهةٍ أخرى، فإنّ يونس لمَّا كان يعلم أنّ العذاب الإلهيّ سينزل بهم سريعًا، فإنّ ترك تلك المدينة لم يكن معصيةً، ولكن كان الأولى لنبيٍّ عظيمٍ كيونس ألَّا يتركها حتَّى آخر لحظة ـ اللحظة التي سيعقبها العذاب الإلهيّ ـ ولذلك آخذه الله على هذه العجلة، واعتبر عمله تركًا للأولى. وهذا هو عين ما أشرنا إليه في قصّة آدم (عليه السلام) من أنّ المعصية ليست مطلقةً، بل نسبيَّةٌ، أو بتعبيرٍ آخر هي مصداق: «حسنات الأبرار سيّئات المقرّبين») [تفسير الأمثل ج10 ص232].

ويؤيِّده: ما قد يُستظهر من النص القرآنيّ، أو يُستشعر من توجيه الملامة والعتاب لنبيِّ الله يونس (عليه السلام)، كما في قوله تعالى: ﴿وَذَا النُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ...﴾، وقوله تعالى: ﴿فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُن كَصَاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نَادَىٰ وَهُوَ مَكْظُومٌ * لَّوْلَا أَن تَدَارَكَهُ نِعْمَةٌ مِّن رَّبِّهِ لَنُبِذَ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ مَذْمُومٌ * فَاجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَجَعَلَهُ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [القلم: 48-50].

الثاني: أنَّه كان من أجل تأديبه وتربيته:

قال العلامة الطباطبائيّ (قدس سره): (وقوله: ﴿إِنِّي كُنتُ مِنَ ٱلظَّٰلِمِينَ﴾ اعترافٌ بالظلم من حيث إنَّه أتى بعملٍ كان يمثّل الظلم، وإن لم يكن ظلماً في نفسه، ولا هو (عليه السلام) قصد به الظلم والمعصية، غير أنّ ذلك كان تأديباً منه تعالى وتربيةً لنبيّه ليطأ بساط القرب بقدمٍ مبرّأةٍ في مشيتها من تمثيل الظلم فضلاً عن نفس الظلم) [الميزان في تفسير القرآن ج14 ص315].

ويؤيِّده: ما رُوي عن الإمام الصادق (عليه السلام): «وإنَّما ابتلى الله الأنبياء ليُعلم صبرهم، وليرفع ذكرهم» [التمحيص ص34].

الثالث: أنَّه كان لرفع درجته وأن يبلغ مقاماً عليّاً:

قال السيد المرتضى (قدس سره): (فأمّا قوله تعالى: ﴿فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُن كَصَاحِبِ الْحُوتِ﴾، فليس على ما ظنّه الجهّال من أنّه ثقل عليه أعباء النبوّة لضيق خلقه فقذفها، وإنّما الصحيح أنّ يونس لم يقوَ على الصبر على تلك المحنة التي ابتلاه الله تعالى بها، وعرَّضه لنزولها به لغاية الثواب، فشكى إلى الله تعالى منها وسأله الفرج والخلاص، ولو صبر لكان أفضل) [تنزيه الأنبياء ص161].

ومحلّ الشاهد قوله (قدس سره): (المحنة التي ابتلاه الله تعالى بها... لغاية الثواب).

وعلى ذلك المعنى دلَّت بعض الأحاديث المروية عن الأئمة الطاهرين (عليهم السلام):

فعن الإمام الصادق (عليه السلام): «إن أشدَّ الناس بلاءً الأنبياء، ثم الذين يلونهم، ثم الأمثل فالأمثل» [الكافي ج2 ص252].

وعن الإمام علي بن الحسين (عليه السلام): «إنَّ الله (عزَّ وجلَّ) لم يرضَ للأنبياء بالدنيا، ولم يردها لهم، فابتلاهم فيها بمحنٍ لا يبتلي بها غيرهم، ليعظم لهم الأجر، ويرفع لهم الدرجات» [بحار الأنوار ج64 ص236].

وعن أبي عبد الله (عليه السلام): «إنَّ في الجنَّة لمنزلةً لا ينالها عبدٌ إلا ببلاءٍ في جسده، وإنَّ الأنبياء ليبتلون لينالوا تلك المنازل» [مسكن الفؤاد ص78].

وقد توَّج الحقّ سبحانه وتعالى خاتمة هذه الرحلة اليونسيَّة الفريدة بأعظم تتويجٍ فقال سبحانه: ﴿فَاجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَجَعَلَهُ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [القلم: 50]. وفيه إشارةٌ واضحةٌ إلى أنَّه قد حصلت له المنزلة الرفيعة، وأنَّه قد تمَّ بلوغ الغاية، وحصل له كمال التأديب والتربية، فتكون مؤيِّداً واضحاً لكلا الوجهين الأخيرين: «رفع الدرجة والتأديب والتربية».

على أنَّه لا مانع من الجمع بين الوجوه الثلاثة، فالبلاء أعمُّ من العقاب، ورفع الدرجة لا يكون هاهنا إلا نتيجةً للنجاح في البلاء والاختبار، فلا تعارض بين الوجوه الثلاثة، كما أنَّها لا تتعارض مع أصل العصمة الثابت عقلاً بالقطع واليقين.

وتجدر الإشارة أنّه يمكن استنتاج معنىً آخر ينبئ عن حكمةٍ عظيمةٍ أخرى من ابتلاء الأنبياء (عليهم السلام)، وهي أنّ الله سبحانه أراد أنْ يكون الأنبياء ـ وهم القادة الإلهيون حقًّا ـ أُسوةً لأقوامهم في مواجهة مصاعب الحياة، ورسائل حيّةً في الصبر والثبات لكُلّ من يعلم بسيرتهم من الأمم اللاحقة.

ومن هذا الباب ما ذكره أمير المؤمنين (عليه السلام) من وصف حالهم، وما وقع عليهم من الأذى وأنواع البلايا، قال (عليه السلام): «ولو أراد الله سبحانه لأنبيائه حيث بعثهم أن يفتح لهم كنوز الذهبان ومعادن العقيان... لفعل، ولكنَّ الله سبحانه جعل رسله أولي قوّةٍ في عزائمهم، وضعفةً فيما ترى الأعين من حالاتهم، مع قناعةٍ تملأ القلوب والعيون غنى، وخصاصةٍ تملأ الأسماع والأبصار أذى» [نهج البلاغة، الخطبة 192]. وتقدَّم: «وإنَّما ابتلى الله الأنبياء ليُعلم صبرهم، وليرفع ذكرهم».

والحمد لله ربّ العالمين، وصلَّى الله على خير خلقه محمدٍ وآله الطاهرين.