هل تأخر دفن النبي (ص) ثلاثة أيام؟
السؤال: هل فعلاً تأخَّر دفن النبيّ الخاتم (صلى الله عليه وآله) ثلاثة أيام؟
الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم
المعروف أنَّ النبيّ الأعظم (صلى الله عليه وآله) تُوفِّي يوم الاثنين الثامن والعشرين من شهر صفر من السنة الحادية عشرة للهجرة النبويَّة. وعلى هذا، فلو قيل بتأخُّر دفنه (صلى الله عليه وآله) ثلاثة أيامٍ كاملةٍ عن يوم وفاته، للزم أنْ يكون دفنه في يوم الخميس، مع أنَّ الروايات الواردة في المصادر لا تثبت ذلك.
نعم، ورد في بعض الروايات أنَّه دُفن ليلة الثلاثاء، وفي بعضها أنَّه دُفن ليلة الأربعاء. وعليه، فلا يصح القول بتأخُّر دفنه (صلى الله عليه وآله) ثلاثة أيامٍ عن يوم وفاته.
والصحيح في مسألة دفن النبيّ (صلى الله عليه وآله):
هو أنَّه دُفن في يوم الاثنين، وهو اليوم الذي تُوفِّي فيه ورحل إلى ربِّه شهيداً؛ وذلك لعدَّة أمور:
الأمر الأوَّل: أنَّ من جملة المستحبَّات في الشريعة الإسلاميَّة تعجيل الدفن وعدم تأخيره إلَّا لسببٍ معيَّن، ولم يكن هناك سببٌ يمنع من تعجيل دفنه (صلى الله عليه وآله)؛ ولذا يكون الإسراع في دفنه هو المطلوب شرعاً.
1ـ روى الشيخ الكلينيّ (طاب ثراه) بسنده إلى جابر، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): يا معشر الناس، لا ألفينَّ رجلاً مات له ميِّت فانتظر به الصبح، ولا رجلاً مات له ميِّت نهاراً فانتظر به الليل، لا تنتظروا بموتاكم طلوع الشمس ولا غروبها، عجِّلوا بهم إلى مضاجعهم يرحمكم الله، فقال الناس: وأنت يا رسول الله يرحمك الله» [الكافي ج3 ص١٣٧].
2ـ وروى أيضاً بسنده إلى السكونيِّ، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): إذا مات الميِّت أوَّل النهار، فلا يقيل إلَّا في قبره» [الكافي ج3 ص138].
إلى غيرهما من الأخبار الواردة في هذا المعنى.
3ـ وقال المحقق حبيب الله الخوئيُّ (طاب ثراه) - بعدما صرَّح بأنَّ الدفن كان يوم الاثنين -: (أنَّه نهى أنْ يُترَك الميت، وأمر بتعجيل الدفن إلَّا لضرورة اقتضت خلافه، حتَّى يحصل العلم الذي تطمئن به النفس، ولا أقلّ أنْ يكون الأمر بالتعجيل للاستحباب إنْ لم نقل بوجوبه، والنهي للكراهة لا للحرمة) [منهاج البراعة ج15 ص١٢١].
4ـ وقال السيد جعفر العامليُّ (طاب ثراه) في هذا الشأن: (أمَّا دعوى تأخير دفنه (صلى الله عليه وآله) يومين أو أكثر، فلا مبرِّر لقبولها؛ فإنَّ من الواضح أنَّ تجهيز رسول الله (صلى الله عليه وآله) ودفنه لا يحتاج إلى أكثر من ساعتين أو ثلاث على أبعد تقدير. فلماذا يبقى النبيّ الأعظم بلا دفن، مع أنَّ التعجيل في دفن الموتى مستحبٌ؟ ولم يكن عليٌّ (عليه السلام) ليفرِّط في هذا المستحب من دون داع أهم، أو سبب موجِب) [الصحيح من سيرة النبيّ الأعظم ج33 ص72].
الأمر الثاني: المعروف أنَّ اجتماع السقيفة عُقد يوم الاثنين، وهو اليوم الذي تُوفِّي فيه النبيّ (صلى الله عليه وآله)، وبايع فيه القوم أبا بكر حاكماً عليهم. وعلى هذا، يكون اجتماع السقيفة والبيعة قد انتهيا يوم الاثنين أو الثلاثاء.
وقد دلَّت النصوص على أنَّهم لم يحضروا تجهيز النبيّ (صلى الله عليه وآله) ولا دفنه، ممّا يعني أنَّ دفنه (صلى الله عليه وآله) كان قبل يوم الثلاثاء جزماً، وهو ما نذهب إليه من أنَّه (صلى الله عليه وآله) دُفن يوم الاثنين نفسه.
1ـ قال العلَّامة ابن شهر آشوب (طاب ثراه): «قال أبو جعفر (عليه السلام): قال الناس: كيف الصلاة عليه؟ فقال عليٌّ: إنَّ رسول الله إمامٌ حيّاً وميتاً، فدخل عليه عشرة فصلُّوا عليه يوم الاثنين وليلة الثلاثاء حتَّى الصباح ويوم الثلاثاء حتَّى صلَّى عليه الأقرباء والخواصّ، ولم يحضر أهل السقيفة، وكان عليٌّ (عليه السلام) أنفذ إليهم بريدة، وإنَّما تمَّت بيعتهم بعد دفنه» [مناقب آل أبي طالب ج1 ص٢٠٦].
أقول: إنَّ قوله: «فصلُّوا عليه يوم الاثنين وليلة الثلاثاء حتَّى الصباح ويوم الثلاثاء حتَّى صلَّى عليه الأقرباء والخواص» ظاهرٌ في دفنه (صلى الله عليه وآله) يوم الثلاثاء، وهو خلاف ما تقدَّم وما سيأتي من قول أصحابنا في المسألة. كما أنَّه موافقٌ لكلمات العامَّة، وكذلك منافٍ لذيل الرواية نفسها، لكونها نصَّت على عدم حضور أهل السقيفة في الدفن، وليس «من المعقول أنْ تستمر السقيفة هذا المقدار من الوقت، فإنَّ غاية ما يُمكن قوله هو أنَّها استمرَّت بضع ساعات لا أكثر، ولم تستمر قطعاً من يوم الاثنين إلى يوم الثلاثاء» [يُنظر: الصحيح من سيرة النبيّ الأعظم ج33 ص47]، ولذلك فلا يُمكن الالتزام بهذه الجزئية من الرواية.
2ـ روى ابن أبي شيبة بسنده إلى عروة بن الزبير: «أنّ أبا بكر وعمر لم يشهدا دفن النبيّ (صلى الله عليه [وآله] وسلم)، كانا في الأنصار، فدُفِن قبل أن يرجعا» [المصنف ج21 ص144].
3ـ وقال ابن حجر العسقلانيُّ - في شرحه قول عائشة: «دخلتُ على أبي بكر فقال: في كم كفَّنتم النبيّ؟» -: (يُحتمل أنْ يكون السؤال عن قدر الكفن على حقيقته؛ لأنَّه لم يحضر ذلك، لاشتغاله بأمر البيعة) [فتح الباري ج3 ص٢٠١].
4ـ وقال السيد جعفر مرتضى العامليُّ (طاب ثراه): (ولم يحضر دفن رسول الله (صلى الله عليه وآله) أكثر الناس؛ لما جرى بين المهاجرين والأنصار من التشاجر في أمر الخلافة... إلى قوله: إنَّ النبيّ (صلى الله عليه وآله) دُفن قبل انتهاء أهل السقيفة من سقيفتهم، وقد ذكرنا ذلك أكثر من مرَّة) [الصحيح من سيرة النبيّ الأعظم ج33 ص٧٠].
5ـ وقال أيضاً (طاب ثراه): (قد صرَّح المفيد (رحمه الله) بأنَّ دفن رسول الله (صلى الله عليه وآله) كان في يوم الاثنين في الثامن والعشرين من شهر صفر، وهذا هو المؤيَّد بالشواهد العديدة، وذلك في غياب أكثر المهاجرين والأنصار؛ لانشغالهم في السقيفة) [الصحيح من سيرة النبيّ الأعظم ج33 ص72].
6ـ ويؤيِّد ذلك: ما روي عن عائشة من عدم علمهم بدفن النبيّ (صلى الله عليه وآله) حتَّى سمعوا صوت المساحي في جوف الليل [يُنظر: مصنف عبد الرزاق ج3 ص520، السيرة النبوية لابن هشام ج4 ص1077].
الأمر الثالث: لقد صرَّح جمعٌ من العلماء بأنَّ دفنه (صلى الله عليه وآله) كان في يوم الاثنين الذي تُوفِّي فيه، من دون حضور القوم، نذكر قسماً منهم:
1ـ قال الشيخ المفيد (طاب ثراه): (ونزل علي بن أبي طالب (عليه السلام) القبر فكشف عن وجه رسول الله (صلى الله عليه وآله) ووضع خده على الأرض موجهاً إلى القبلة على يمينه، ثمَّ وضع عليه اللبن وهال عليه التراب. وكان ذلك في يوم الاثنين لليلتين بقيتا من صفر سنة إحدى عشرة من هجرته وهو ابن ثلاث وستين سنة. ولم يحضر دفن رسول الله (صلى الله عليه وآله) أكثر الناس، لما جرى بين المهاجرين والأنصار من التشاجر في أمر الخلافة، وفات أكثرهم الصلاة عليه لذلك... وقد جاءت الرواية: أنَّه لما تمَّ لأبي بكر ما تمَّ وبايعه من بايع، جاء رجل إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) وهو يسوِّي قبر رسول الله (صلى الله عليه وآله) بمسحاة في يده فقال له: إنَّ القوم قد بايعوا أبا بكر) [الإرشاد ج1 ص١٨٩].
2ـ وقال المحقق حبيب الله الخوئيُّ (طاب ثراه): (والصواب أنَّه (صلى الله عليه وآله) دُفن في اليوم الذي قبض، وهو رأي المحقِّقين من علمائنا الإماميَّة، كما صرَّح به عماد الدين الطبريُّ في كامل البهائيِّ. وتولَّى تجهيزه في ذلك اليوم أمير المؤمنين علي (عليه السلام) على ما مضى الكلام فيه مفصَّلاً، والقوم قد اشتغلوا عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) بأمر البيعة) [منهاج البراعة ج15 ص١٢١].
3ـ وقال أيضاً: (إذا انضمَّ قولُُ أبي جعفر الطبريّ: «وبويع أبو بكر يوم الاثنين في اليوم الذي قبض فيه النبيّ (صلى الله عليه وآله)»، إلى قولِ المفيد في الإرشاد: «وقد جاءت الرواية أنَّه لما تمَّ لأبي بكر ما تمَّ وبايعه من بايع جاء رجلٌ إلى أمير المؤمنين وهو يسوِّي قبر رسول الله (صلى الله عليه وآله) بمسحاة في يده.. الحديث»، ينتج: أنَّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) دفن في اليوم الذي قبض) [منهاج البراعة ج15 ص١٢١].
4ـ وقال السيّد جعفر مرتضى العامليُّ: (ودخل أمير المؤمنين (عليه السلام) والعبَّاس بن عبد المطَّلب، والفضل بن العبَّاس، وأسامة بن زيد ليتولوا دفن رسول الله... إلى قوله: ونزل عليٌّ القبر، فكشف عن وجه رسول الله (صلى الله عليه وآله) ووضع خدَّه على الأرض موجهاً إلى القبلة على يمينه، ثمَّ وضع عليه اللبن، وأهال عليه التراب. وكان ذلك في يوم الاثنين، لليلتين بقيتا من صفر سنة عشر من هجرته (صلى الله عليه وآله)، وهو ابن ثلاث وستين سنة» [الصحيح من سيرة النبيّ الأعظم ج33 ص٦٩].
إلى غيرها من كلمات الأعلام في هذه المسألة.
والنتيجة النهائيَّة من كلِّ ذلك: أنَّ النبيّ الأعظم (صلى الله عليه وآله) دُفن في نفس اليوم الذي استشهد فيه، ولم يتأخَّر ثلاثة أيام.. والحمد لله ربِّ العالمين.
اترك تعليق