هل عيد الأضحى عيد دموي، أم مرآة تكشف نفاق الإنسان الحديث؟

السؤال: عيد الأضحى عيدٌ دمويٌّ.. لقد اخترع البشر إلهاً يشترط الدم ليرضى. هذا المهرجان الأكثر دمويةً الذي يتطهَّر فيه الإنسان من ذنوبه عبر مذبحةٍ جماعيةٍ للكائنات الضعيفة! والمفارقة المقززة في ذلك الزهو الذي يعتري المضحّي وهو يمسك بالسكين، والبهجة التي تُزرع في قلوب الأطفال وهم يشاهدون الحيوان الذي كانوا يلاعبونه بالأمس، هو ذاته الذي يجب أنْ يروه اليوم معلقاً ومسلوخاً وسط تكبيرات الابتهاج! عيدٌ يفوح برائحة الموت والتقرب للإله بالدم. هذا الطقس هو عملية كيٍّ للوعي. طقسٌ لدينٍ يدرك أنَّ السيطرة على البشر تتطلب أولاً نزع حساسيتهم الفطرية تجاه العنف. أنْ تعتقد أنَّ هناك خالقاً للكون، يجلس على عرشه العظيم، بانتظار أنْ يذبح إنسانٌ حيواناً في بقعةٍ ما على الأرض لكي يغفر له ذنوبه.. هو قمة السايكوباثية الوجودية. أنا لا أرى في هذا العيد عيداً، بل أرى مذبحةً لكائناتٍ ضعيفةٍ ومأتماً سنوياً للعقل والرحمة.

: الشيخ معتصم السيد احمد

الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم

هذا الكلام لا يكشف عن حساسيّةٍ أخلاقيّةٍ بقدر ما يكشف عن عقليّةٍ انتقائيّةٍ تحبّ أنْ تتفاجأ بالأمور البديهيَّة، فجأةً يكتشف صاحب الشبهة أنَّ اللحم لا ينزل من السماء مغلَّفاً في علبٍ أنيقةٍ، وأنَّ الشاورما والبرغر والستيك لم تكن نباتاتٍ تأمّلت كثيراً ثمَّ قررت أنْ تتحوّل إلى وجبةٍ. فجأةً، في عيد الأضحى تحديداً، يستيقظ الضمير الإنسانيّ من سباته العميق، ويرى الدم، ويرفع صوته: يا للهول، هناك حيوانٌ يُذبح!

والعجيب أنَّ هذه الحساسيّة الموسميّة لا تتحرك عادةً أمام ملايين الحيوانات التي تُذبح يوميّاً في المسالخ الصناعيّة الباردة، ولا أمام ثقافة الاستهلاك التي تحوّل الحيوان إلى رقمٍ، ولا أمام المطاعم التي تبني اقتصادها على اللحم، ولا أمام الجلود والأحذية والحقائب والماركات الفاخرة، لكنَّها حين ترى مسلماً يذبح أضحيةً باسم الله تعالى، ويوزّع لحمها على أهله وفقرائه وجيرانه، تصرخ فجأةً: هذا عيدٌ دمويٌّ!

كأنَّ المشكلة ليست في الذبح نفسه، بل في أنَّ الذبح صار مكشوفاً، وله معنىً، وله ذكرٌ، وله شعيرةٌ. أمّا حين يكون الدم مخفيّاً خلف أبواب المصانع، ومقدّماً في طبقٍ فاخرٍ مع صلصةٍ، فحينها يصبح حضارةً ورُقيّاً وذوقاً عالميّاً.

أما قوله: «لقد اخترع البشر إلهاً يشترط الدم ليرضى»، فهو من أكثر العبارات استعراضاً وجهلاً في الوقت نفسه؛ لأنَّ القرآن نفسه قطع الطريق على هذا الفهم الساذج منذ البداية بقوله تعالى: ﴿لَن يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَٰكِن يَنَالُهُ التَّقْوَىٰ مِنكُمْ﴾ [الحج: 37]. فالله لا ينتفع بدمٍ، ولا يحتاج إلى لحمٍ، ولا ينتظر من الإنسان أنْ يريق شيئاً حتى يرضى كما تتصور الأساطير البدائية.

الأضحية ليست إطعاماً لله، بل تربيةٌ للإنسان، وهي ليست رشوةً سماويّةً، بل رمزٌ تعبّديٌّ وأخلاقيٌّ واجتماعيٌّ، يذكّر الإنسان بأنَّ ما يملكه ليس ملكاً مطلقاً له، وأنَّ القرب من الله لا يكون بالكلام الرومانسيّ عن الخير، بل بالتضحية، والبذل، وإطعام المحتاج، وكسر أنانيّة التملّك.

لكنّ صاحب الشبهة لا يريد أنْ يفهم الشعيرة من داخل معناها، بل يريد أنْ يعيد رسمها بصورةٍ كاريكاتوريّةٍ ثمَّ يضحك عليها! وهذه طريقةٌ سهلةٌ جداً: خذ أي فعلٍ إنسانيٍّ، افرغه من معناه، صوّره بأبشع زاويةٍ، ثمَّ أعلن انتصارك الأخلاقيّ.

يمكن بالطريقة نفسها أنْ تقول عن العمليّات الجراحيّة: إنّها «تمزيقٌ دمويٌّ لجسد الإنسان وسط أدواتٍ حادّةٍ»، وعن الولادة: إنّها «مشهدٌ مؤلمٌ مليءٌ بالصراخ والدم»، وعن دفن الموتى: إنّه «طقسٌ جماعيٌّ لوضع الجثث تحت التراب». كلّ شيءٍ يصبح بشعاً حين تنزع عنه معناه وسياقه.

عيد الأضحى لا يقول للإنسان: اقتل لأنَّ الله يحبّ الدم، بل يقول له: اذبح شهوتك قبل أنْ تذبح أضحيتك، واكسر أنانيّتك، وتذكّر إبراهيم حين قدّم طاعة الله تعالى على أعزّ ما يملك، وتذكّر أنَّ القرب الحقيقيّ لا يكون بادّعاء المشاعر، بل بالقدرة على البذل؛ ولهذا كانت الأضحية مشروطةً بالنيّة، وبالرحمة، وبإحسان الذبح، وبمنع التعذيب، وبإراحة الحيوان، وبألّا تتحّول الشعيرة إلى عبثٍ أو قسوةٍ أو استعراضٍ.

نعم، قد توجد ممارساتٌ خاطئةٌ: مَن يذبح أمام الأطفال بلا تربيةٍ ولا تمهيدٍ، أو يتعامل مع الحيوان بقسوةٍ، أو يحوّل المشهد إلى استعراضٍ فجٍّ.

وهذا يُدان شرعاً وأخلاقاً، لكنّ الفرق كبيرٌ بين نقد الممارسة الخاطئة وتشويه أصل الشعيرة. كما أنَّ وجود طبيبٍ سيءٍ لا يجعل الطب جريمةً، ووجود معلمٍ قاسٍ لا يجعل التعليم تعذيباً، ووجود متديّنٍ جاهلٍ لا يجعل الدين جهلاً.

أمّا الحديث عن «الأطفال الذين يشاهدون الحيوان الذي كانوا يلاعبونه بالأمس»، ففيه كثيرٌ من الابتزاز العاطفيّ وقليلٌ من الصدق، الطفل لا يحتاج أنْ يُربّى على القسوة، ولا أنْ يُصدم بمشهدٍ لا يناسب سنّه، لكنّه أيضاً لا ينبغي أنْ يُربّى على كذبةٍ حضاريّةٍ تقول له: إنَّ اللحم يولد في الثلّاجات. التربية الصحيحة لا تخفي حقيقة الحياة، بل تقدّمها برحمةٍ ووعيٍ: هذا كائنٌ خلقه الله، لا يجوز تعذيبه، ولا قتله عبثاً، ولا إهانته، وإذا ذُبح فباسم الله تعالى، ولغايةٍ مشروعةٍ، وبطريقةٍ لا تحمل شماتةً ولا وحشيّةً.

الوحشية الحقيقية ليست في شعيرةٍ تضبط علاقة الإنسان بالحيوان بضوابطَ أخلاقيّةٍ، بل في عالمٍ يأكل اللحم بشراهةٍ ثمَّ يتظاهر بالبراءة أمام مشهد الذبح، الوحشية في إنسانٍ يلتهم الحيوان طوال السنة ثمَّ يتذكّر حقوق الحيوان في يوم العيد فقط. الوحشيّة في حضارةٍ تخفي الدم كي لا يتعكّر مزاج المستهلك، لا لأنّها أكثر رحمةً، بل لأنّها أكثر قدرةً على تجميل القسوة.

والأطرف من ذلك: أنَّ بعض هؤلاء الذين يتكلمون عن «العيد الدمويّ»، لا يملكون مشكلةً مع الحروب، ولا مع سحق الشعوب، ولا مع صناعة السلاح، ولا مع قتل الإنسان للإنسان، ولا مع أنظمةٍ اقتصاديّةٍ تطحن الفقراء، لكنّهم يستيقظون فجأةً أمام خروف العيد، كأنَّ الدم يصبح مزعجاً فقط عندما يخرج من عنق أضحيةٍ، لا عندما يسيل في شوارع المظلومين، وكأنَّ التكبير هو الذي يزعجهم لا الدم نفسه.

عيد الأضحى ليس «عيد موتٍ»، بل عيد معنىً. الموت موجودٌ في كلّ حياةٍ بشريّةٍ، وفي كلّ غذاءٍ، وفي كل نظامٍ بيئيٍّ. لكن الإسلام لم يترك هذا الفعل غريزيّاً ولا عبثيّاً، بل ربطه باسم الله تعالى، وبالرحمة، وبالنيّة، وبالإطعام، وبالمسؤوليّة. فبدل أنْ يذبح الإنسان وهو غافلٌ، يذبح وهو ذاكرٌ، وبدل أنْ يأكل وحده، يطعم غيره، وبدل أنْ يتعامل مع الحيوان كشيءٍ، يتعامل معه كمخلوقٍ له حرمةٌ، حتى في لحظة الذبح.

المشكلة - إذن - ليست في عيد الأضحى، بل في عقليّةٍ تريد أنْ تحاكم الدين بمنطق اللقطة المبتورة. ترى الدم ولا ترى المعنى، ترى السكّين ولا ترى الرحمة، ترى الذبح ولا ترى الفقير الذي ينتظر نصيبه، ترى الشعيرة ولا ترى أنّها جاءت لتربّي الإنسان على البذل لا على الوحشية.

ومن حق الإنسان أنْ يناقش، وأنْ يسأل، وأنْ ينتقد الممارسات المؤذية، لكن ليس من حقّه أنْ يلبس جهله ثوب التفوّق الأخلاقيّ، ثمَّ يتحدّث كأنّه اكتشف مأساةً كونيةً اسمها: «الناس يأكلون اللحم». من أراد أنْ يكون نباتيّاً بدافع الرحمة فليكن، وله احترامه، أمّا أنْ يأكل من موائد العالم ثمَّ يزايد على عيد الأضحى، فهذه ليست أخلاقاً، بل مسرحيّة ضميٍر موسميّةٌ.

في المحصّلة، الدم الذي يراه صاحب الشبهة في الأضحية ليس دليلاً على دمويّة الدين، بل مرآةٌ تكشف نفاق الإنسان الحديث: يريد اللحم بلا ذبحٍ، والاستهلاك بلا مسؤوليّةٍ، والرحمة بلا التزامٍ، والأخلاق بلا معنىً. أمّا عيد الأضحى فيقول له بوضوحٍ: لا تهرب من حقيقة الحياة، ولا تجعل الطعام مجرّد شهوةٍ، ولا تجعل الحيوان مجرّد سلعةٍ، ولا تجعل العبادة مجرّد كلمةٍ. كلّ نعمةٍ لها ثمنٌ، وكلّ قربٍ يحتاج إلى تضحيةٍ، وليس لله حاجةٌ في دمٍ ولا لحمٍ، وإنّما يريد من الإنسان قلباً يتّقي، ويداً تُطعِم، وروحاً تعرف أنَّ العبادة ليست احتفالاً بالدم، بل تربيةٌ على الرحمة والبذل والخضوع لله تعالى.

والحمد لله رب العالمين.