هل حب علي (ع) مجرد عاطفة أم علامة إيمان؟

السؤال: لما كان من مقتضيات الإيمان أنَّه لما علم رسول الله -صلى الله عليه وسلم -ما سيكون بعده، وما سيقول الخوارج في علي (رضي الله عنه)، وما سيدفع إليه على (عليه السلام)، ويمنى به من الاضطرار أو إلى أن يرى قتل البعض في مصلحة الكل، وعلم – (صلى الله عليه وسلم) -أن هذا مما يتزلزل له قلوب الذين لا يفقهون، عد حب علي (عليه السلام) ركنًا من أركان الإيمان [ابن هبيرة الحنبلي، الإفصاح عن معاني الصحاح ٤٠٠/٦]. يعني الأمر بحب عليٍّ فقط حتى لا يكرهه الناس بسبب الحق بجانبه في حروبه، لا لأنَّه إمام مفترض الطاعة!

: الشيخ معتصم السيد احمد

الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم

من العجيب أنْ يحاول صاحب الإشكال تحويل كلام ابن هبيرة إلى دليلٍ ضد إمامة عليٍّ (عليه السلام)، مع أنَّ أقصى ما يدلُّ عليه كلامه ـ لو تمَّ قبوله ـ أنه يذكر حكمةً من حكم التشديد النبويّ في حب عليٍّ، لا أنَّه يحدد العلَّة الوحيدة لهذا الحب، ولا أنَّه ينفي ما وراء ذلك من مقامٍ وولايةٍ وإمامةٍ.

فالنبيُّ (صلى الله عليه وآله) عندما يقول في عليٍّ (عليه السلام): «لا يحبُّك إلا مؤمنٌ، ولا يبغضك إلَّا منافق»، لا يتحّدث عن عاطفةٍ شخصيةٍ عابرةٍ، ولا عن حبّ مجاملةٍ لصحابيٍّ فاضلٍ، بل يجعل الموقف من عليٍّ (ع) علامةً فاصلةً في باطن الإيمان والنفاق. وهذه منزلةٌ لا يمكن اختزالها في عبارةٍ سطحيةٍ من قبيل: أراد النبي أنْ يمنع الناس من كراهية عليٍّ بسبب حروبه. نعم، هذا من جملة الحكم، لكنه ليس كل الحقيقة.

وهنا تقع مغالطة صاحب الإشكال، فهو يتعامل مع كلام ابن هبيرة وكأنه نصٌّ نبويٌّ ناسخٌ لكلّ أدلّة الإمامة، مع أنَّه مجرد توجيهٍ من عالمٍ متأخرٍ يحاول أنْ يفسر لماذا شدد النبي على حبّ عليٍّ.

وحتى هذا التوجيه لا يخدمه كما يتوهّم، بل ينقلب عليه؛ لأنَّ ابن هبيرة نفسه يعترف بأنَّ عليّاً (عليه السلام) سيكون في موضع الحق، وأنَّ قلوباً ستتزلزل بسبب قتاله، فجاء النبي ليجعل حب عليٍّ ركناً من الإيمان حتى لا يضل الناس في فهم موقفه.

وهذا معناه ببساطةٍ: أنَّ علياً ليس رجلاً عادياً اختلف مع غيره في معركةٍ سياسيةٍ، بل هو ميزانٌ إيمانيٌّ خطيرٌ، حتى احتاج النبي إلى أنْ يسبق الأحداث ويحصّن الأمة من الانقلاب عليه، فأي مقامٍ هذا الذي إذا حاربه الناس تزلزل إيمانهم؟ وأي شخصيةٍ هذه التي يجعل النبي بغضها علامة نفاقٍ؟ وهل كلُّ صحابيٍّ قاتل أو خاصم أو اختلف مع الناس قال فيه النبي مثل هذا؟ أم أنَّ علياً له خصوصيةً لا يريد القوم الاعتراف بها كاملةً؟

ثمَّ إنَّ القول بأنَّ النبيَّ أمر بحبّ عليٍّ حتى لا يكرهه الناس بسبب حروبه لا ينفي الإمامة، بل يؤكد جانباً من ضرورتها؛ لأنَّ الإمام الحق لا بد أنْ يبتلى بمن يخرج عليه، ومن يحرّف موقفه، ومن يلبس على الناس أمره، فكان من مقتضى الحكمة النبوية أنْ يربط الأمة بعليٍّ قبل وقوع الفتنة، وأنْ يجعل حب عليٍّ علامة إيمانٍ، وبغضه علامة نفاقٍ، حتى لا يأتي إنسانٌ بعد ذلك ويقول: كانت المسألة مجرد صراعٍ سياسيٍّ بين أطرافٍ متساويةٍ.

لو كان عليٌّ مجرد واحدٍ من المتنازعين، لما كان بغضه نفاقاً، ولو كانت حروبه مجرد اجتهادٍ عاديٍّ، لما صار حبه ركناً في الإيمان. ولو كان موقفه قابلاً للمساواة مع موقف الخارجين عليه، لما احتاج النبي إلى هذا البيان الحاسم، فالنص النبويُّ لا يقول: أحبُّوا علياً لأنه قريبٌ مني فقط، ولا يقول: لا تكرهوه لأنه سيدخل في حروبٍ محرجةٍ، بل يقول: الموقف من عليٍّ يكشف حقيقة الإيمان والنفاق.

والأغرب أنَّ صاحب الإشكال يظن أنه وجد مخرجاً، بينما هو في الحقيقة وقع في إلزامٍ أشد. فإذا كان النبي قد علم أنَّ علياً سيُدفع إلى حروبٍ يكون الحق فيها معه، وأنَّ قلوباً ستتزلزل بسبب ذلك، فجعل حب عليٍّ ركناً من الإيمان، فالسؤال هنا: ماذا يكون موقف من وقف في وجه عليٍّ؟ وماذا يكون موقع من بغضه؟ وماذا تكون قيمة التبريرات التي تحاول جعل المعسكرين على حد سواءٍ؟

كلام ابن هبيرة، لو أُخذ كما هو، لا يقول إنَّ علياً مجرد شخصٍ يجب ألَّا نكرهه، بل يقول إنَّ علياً سيدخل معارك يلتبس أمرها على الناس، وإنَّ الحق سيكون معه، وإنَّ النبي عالج هذا الالتباس مسبقاً بأنْ جعل حبَّه من الإيمان، وهذا قريبٌ جداً من مضمون النصوص التي تجعل علياً مع الحق، والحق مع عليٍّ، وتجعله باباً لفهم الفتنة لا طرفاً عادياً فيها.

أما الإمامة فلا تثبت عند الشيعة من حديث الحب وحده حتى يأتي صاحب الإشكال ويقول: هذا الحديث لا يدل على الإمامة. نحن لا نقول إنَّ حديث «لا يحبك إلا مؤمن ولا يبغضك إلا منافق» هو الدليل الوحيد على الإمامة، بل هو جزءٌ من منظومةٍ كاملةٍ من النصوص والمواقف: حديث الغدير، وحديث المنزلة، وحديث الثقلين، وحديث الدار، ومقام عليٍّ في العلم والقضاء والجهاد والطهارة والقرب من رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فمحاولة عزل حديثٍ واحدٍ عن كل هذه المنظومة ثمَّ تفسيره بتفسيرٍ لا ينفي الإمامة أصلاً، ليست بحثاً علمياً، بل مناورةٌ ضعيفةٌ.

هناك فرقٌ بين أنْ نقول: من حكم الأمر بحب عليٍّ أنَّ الأمة ستحتاج إلى هذا الحب عند الفتنة، وبين أنْ نقول: لا توجد لعليٍّ ولايةٌ ولا إمامةٌ، وإنما المطلوب مجرد محبةٍ عاطفيةٍ.

الأول كلامٌ معقولٌ، والثاني قفزةٌ بلا دليلٍ. لأنَّ الحكم لا تلغي المقامات، والغايات لا تنفي العلل، وبيان سببٍ من أسباب التشديد في حب عليٍّ لا يعني نفي سائر الأدلة على إمامته.

بل إنَّ جعل حب عليٍّ ركناً في الإيمان يكشف أنَّ المسألة أعمق من العاطفة. فالإيمان لا يقوم على حب شخصٍ لمجرد القرابة أو الشجاعة أو الذكريات الجميلة، وإنما يقوم على الارتباط بالحق الذي يمثله ذلك الشخص. ولذلك صار حب عليٍّ إيماناً لأنَّ علياً يمثل خط الهدى بعد رسول الله، وصار بغضه نفاقاً لأنَّ بغضه ليس مجرد خصومةٍ شخصيةٍ، بل رفضٌ للحق الذي جسّده وحمله ودافع عنه.

ومن هنا يتضح أنَّ العبارة التي حاول صاحب الإشكال أنْ يجعلها ضربةً للإمامة هي في الحقيقة شهادةٌ على خطورة موقع عليٍّ (عليه السلام). فالنبي لم يوصِ بحبّه بوصفه رجلاً محبوباً فحسب، بل بوصفه موضع امتحان الأمة بعده. ومن كان موضع امتحان الأمة في الإيمان والنفاق، وكان الحق معه في الفتن، وكان بغضه علامة نفاقٍ، فاختزاله في مجرد "صحابيٍّ يجب ألا نكرهه" تسطيحٌ مضحكٌ للنص النبوي.

وفي المحصلة، أنَّ هذا الإشكال مبنيٌّ على مغالطةٍ واضحةٍ: أخذ حكمةٍ جزئيةٍ من كلام ابن هبيرة، ثمَّ تحويلها إلى نفيٍ شاملٍ للإمامة. وهذا لا يصح عقلاً ولا علماً، فلو قلنا إنَّ النبي شدد على حب عليٍّ لأنَّ الناس ستلتبس عليهم حروبه، فهذا لا ينفي إمامته، بل ينسجم معها تماماً؛ لأنَّ الإمام الحق هو الذي تحتاج الأمة إلى ميزانٍ نبويٍّ كي لا تنقلب عليه عند الفتنة.

أما أنْ يقال: الأمر بحب عليٍّ فقط حتى لا يكرهه الناس، لا لأنه إمامٌ مفترض الطاعة، فهذا منطقٌ ضعيفٌ؛ لأنَّ كلمة "فقط" لم يقلها النبي، ولم يقلها ابن هبيرة، وإنما أضافها صاحب الإشكال من جيبه ليهرب من دلالة النصوص. والحقيقة أنَّ النصوص لم تأمر بحب عليٍّ لتصنع له عاطفةً هامشيةً، بل لتجعل موقف الأمة منه كاشفاً عن موقفها من الحق بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله).

فحب عليٍّ ليس وردةً عاطفيةً توضع على قبر التاريخ، بل موقفٌ إيمانيٌّ من إمام الحق، ومن لم يفهم هذه الحقيقة سيظل يحاول أنْ يحوّل النصوص العظيمة إلى مجاملاتٍ أخلاقيةٍ، وكأنَّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) كان يوزع الأوسمة لا يبيّن معالم الدين.

والحمد لله رب العالمين.