فرية انشقاق مالك الأشتر عن أمير المؤمنين (ع)
السؤال: هل يصحّ الخبر المنسوب لـ «مصنف ابن أبي شيبة» والذي يذكره كتاب «صحيح أخبار صفّين والنهروان والجماعة، ج1، ص359» والذي يُفيد بأنَّ مالكاً الأشتر وقومه كادوا ينشقون عن جيش أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) والمسير نحو الشام لمبايعة معاوية بن أبي سفيان، حتَّى استمالهم الإمام علي (عليه السلام) بالوعد والمنى؟
الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم
اعلم - أيدك الله - أنَّ الخبر المشار إليه أوردته بعض مصادر العامَّة التاريخيَّة والحديثيَّة بطرقٍ مختلفةٍ، يجمعها الضعف وعدم النهوض للاحتجاج، وبيان ذلك كالآتي:
1ـ طريق ابن سعد والطبريّ:
أخرجه ابن سعد في [الطبقات الكبرى ج1 ص174]، والطبريّ في [تاريخ الرسل والملوك ج5 ص194]، بأسانيد تالفةٍ وضعيفةٍ جداً لا تقوم بها حجَّة.
2ـ طريق ابن أبي شيبة:
أخرجه أبو بكر ابن أبي شيبة في [المصنف ج7 ص532]، ومدار إسناده على «عاصم بن كليب، عن أبيه»، وعاصمٌ هذا وإنْ وثَّقه بعضهم، إلَّا أنَّ في حديثه علَّة؛ فقد نصّ الحافظ ابن حجر في [تقريب التهذيب ج1 ص462] على أنَّه صدوقٌ رُمِيَ بالإرجاء. وقال البزَّار: (في حديثه اضطراب)، وقال علي بن المدينيّ: (لا يُحتج به إذا انفرد) كما في [المقترب في بيان المضطرب ج1 ص169]. وحيث إنَّ عاصماً قد انفرد بهذا اللفظ الخطير، فإنَّ تفصيله مردودٌ علةً ونكارة.
والد عاصم وهو «كليب بن شهاب»: صدوقٌ، من الثانية، ووَهِمَ من ذكره في الصحابة، كما نصَّ على ذلك المزيّ وابن حجر [تقريب التهذيب ج1 ص462].
حتَّى لو تنزلنا جدلاً بقبول إسناد ابن أبي شيبة، فإنَّ المتن يعاني من علَّة الاضطراب المُسقط للاستدلال، حيث رُوِيَت ذات الحادثة بلفظٍ ينقض دعوى الشك والانشقاق.
فقد أخرجها معمَّر بن راشد في [الجامع ج11 ص448] بلفظٍ مغايرٍ تماماً، ونصّه: «أنَّ مالكاً الأشتر دخل على عليٍّ فقال: إنَّ الناس قد أنكروا بعض الأمر، وقالوا: ما أشبه الليلة بالبارحة، عتبنا أمراً فنحن في مثله..».
وهذا اللفظ يثبت أنَّ مالكاً الأشتر لم يفكر بالانشقاق أو المسير نحو الشام مطلقاً، بل كان سفيراً أميناً ينقل تساؤلات بعض العامة والجيش إلى الإمام علي (عليه السلام)، ممَّا ينفي دعوى التمرد والوعد بالمنى؛ إذ يُعد الأشتر من أخصّ أصحاب الإمام علي (عليه السلام) وقائد جيشه الأوفى، وتشهد سائر النصوص على ثباته وعمق بصيرته.
من ذلك: قول أمير المؤمنين عليٍّ (عليه السلام) فيه: «كان لي مالكٌ كما كنتُ لرسول الله» [خلاصة الأقوال ص277].
وكذا عند تأبين الإمام له عند استشهاده في مصر قال فيه: «ألا إنّ مالك بن الحارث قد قضى نحبه، وأوفى بعهده ولقى ربَّه... لو كان جبلاً لكان فنداً، ولو كان حجراً لكان صلداً» [تاريخ الإسلام ج2 ص336].
وكان يقول فيه: «ذهب - والله - أولو النهى والفضل والتقى، الذين كانوا يقولون فيصدقون، ويُدعَون فيجيبون، ويلقون عدوهم فيصبرون، وبقيت لي حثالة قومٍ لا يتعظون بموعظة، ولا يفكّرون في عاقبة، لقد هممت أنْ أشخص عنكم، فلا أطلب نصركم ما اختلف الجديدان» [الفتوح لابن أعثم ج4 ص66].
وقد قال (عليه السلام) - حين تكلّموا في مدى طاعة الأشتر لأوامره (عليه السلام) -: «ليت فيكم مثله اثنان، وليت فيكم مثله واحد» [المعيار والموازنة ص183].
يروي المحدّثون: أنَّه لما بعث الإمام علي (عليه السلام) مالكاً إلى مصر، كتب في حقّه رسالة إلى أهل مصر، وقد ورد فيها: «وإني قد بعثت إليكم عبداً من عباد الله، لا ينام أيام الخوف، ولا ينكل عن الأعداء، حذر الدوائر، من أشدّ عبيد الله بأساً وأكرمهم حسباً، أضرّ على الفجّار من حريق النار، وأبعد الناس من دنسٍ أو عار، وهو مالك بن الحارث الأشتر، لا نابي الضريبة ولا كليل الحد، حليم في الحذر رزين في الحرب، ذو رأيٍّ أصيلٍ، وصبرٍ جميلٍ، فاسمعوا له وأطيعوا أمره، فإنْ أمركم بالنّفر فانفروا، وإنْ أمركم أن تقيموا فأقيموا، فإنَّه لا يقدم ولا يحجم إلَّا بأمري، فقد آثرتكم به على نفسي نصيحةً لكم، وشدّة شكيمة على عدوّكم. عصمكم الله بالهدى وثبّتكم بالتقوى، ووفقنا وإياكم لما يحب ويرضى» [الغارات ج1 ص260].
ويُروى: أنَّه لما بلغ نبأ استشهاد مالكٍ بأرض الشام، وقد سُرَّ معاوية للغاية لهذا النبأ، قام خطيباً في أصحابه قائلاً: إنَّ علياً كان له يمينان قطعت إحداهما بصفّين، يعني عماراً، والأخرى اليوم» [ناسخ التواريخ ج1 ص287].
الخلاصة:
إنَّ الرواية التي اعتمد عليها كتاب «صحيح أخبار صفّين» هي روايةٌ ساقطةٌ بعلَّة الاضطراب المتنيّ، ونكارة اللفظ، وضعف الرواة وانفرادهم بالغرائب، والتحقيق العلميّ يثبت صيانة مقام مالك الأشتر النخعيّ عن هذه الدعوى المبتورة، وتوافق الروايات الصحيحة على كونه سيف الخلافة الشرعية الأوفى.
نكتفي بهذا القدر، والحمد لله أولاً وآخراً.
اترك تعليق