هل غفر أمير المؤمنين (ع) للشيخين غصبهما الخلافة؟
السؤال: ما هي القيمة السنديَّة والتاريخيَّة للخطبة المنسوبة للإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) في (تاريخ الطبرّي)، والتي يذكر فيها عفوه عن الشيخين في مسألة الولاية؟ وهل وردت هذه الخطبة بمضمونها في الجوامع الحديثيَّة المعتمدة عند الشيعة الإماميَّة؟ وهل يمكن أنْ يغفر ويسامح الإمام الشيخين في الإمامة التي هي من أصول الدين؟
الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم
اعلم - أيَّدك الله - أنَّ الخطبة المشار إليها أوردتها مصادر العامَّة التاريخيَّة كـ «تاريخ الطبريّ» و«وقعة صِفِّين»، في سياق الردِّ على وفد معاوية بن أبي سفيان إلى أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) في صِفِّين، والذي ضمَّ (حبيب بن مسلمة الفهريّ، وشرحبيل بن السمط، ومعن بن يزيد).
وقد ورد النص في المصادر التاريخيَّة المتقدّمة بصيغتين متقاربتين:
1ـ رواية ابن جرير الطبريّ [ت310هـ]:
«..ثمّ استخلف الناس أبا بكر، واستخلف أبو بكر عمر، فأحسنا السيرة، وعدلا في الأمّة، وقد وجدنا عليهما أنْ تولَّيا علينا - ونحن آل رسول الله -، فغفرنا ذلك لهما..» [تاريخ الأمم والملوك ج5 ص8].
2ـ رواية نصر بن مزاحم المنقريّ [ت212هـ]:
«..وقد وجدنا عليهما أنْ تولّيا الأمر دوننا، ونحن آل الرسول، وأحقّ بالأمر، فغفرنا ذلك لهما، ثم وُلِّي أمر الناس عثمان فعمل بأشياء عابها الناس عليه..» [وقعة صفّين ص201].
ويقع الكلام حول هذا الخبر من جهتين:
الجهة الأولى: إسناد الخبر:
إنّ إسناد هذا الخبر عند إخضاعه لمعايير علم الجرح والتعديل عند مدرسة الجمهور ساقطٌ عن الاعتبار والحجيَّة، ولا يصمد أمام النقد العلميّ الإسناديّ؛ وذلك لعلّتين:
الأولى: أنّ رواية الطبريّ من طريق أبي مخنف لوط بن يحيى، وهو عند نقّاد الحديث من العامَّة متروك الحديث ولا يُحتجّ به. قال عنه الذهبيّ: (إخباريّ تالف، لا يوثق به)، وتركه أبو حاتم وغيره [ينظر: ميزان الاعتدال ج3 ص419].
وأمّا رواية نصر بن مزاحم المنقريّ فإنّ نفس نصر مضعَّف، قال عنه الدارقطنيّ: (ضعيف)، وقال الجوزجانيّ: (كان نصر زائغاً عن الحق مائلاً... يروي عن الضعفاء أحاديث مناكير) [الموضوعات لابن الجوزي ج1 ص378].
والثانية: أنّ في الطريق سليمان بن أبي راشد الأزديّ، وهو مجهول العين والحال، لم يرد له ذكرٌ أو توثيقٌ في أمَّات الكتب الرجاليَّة، ولم يترجم له أحدٌ يبيّن ضبطه أو عدالته [ينظر: المعجم الصغير لرواة الطبريّ ج1 ص221].
وعليه؛ فالرواية ضعيفةٌ، ولا تصلح للاحتجاج العقديّ.
الجهة الثانية: دلالة الخبر:
يتضح معنى هذا الخبر ببيان أمور:
1ـ كان أمير المؤمنين علي (عليه السلام) في مقام محاججة أهل الشام - جيش معاوية -، الذين كانوا يطالبون بدم عثمان، ويتّهمون الإمام بالتحريض عليه. فجاء سياق الخطاب لبيان سياسته السلميَّة مع مَن تقدمه – أي: أبو بكر وعمر -، ومقارنتها بالأحداث التي أدت إلى قتل عثمان، تبياناً وتفنيداً لادّعاءات معاوية.
2ـ عبارة: «فغفرنا ذلك لهما»، لا يمكن أنْ تدلَّ على المسامحة على ما فعلاه من غصب حقّه؛ حيث إنَّ الخلافة هي أحد شؤون الإمامة التي هي جعلٌّ إلهيٌّ ومنصبٌ ربانيٌّ كالنبوَّة، ثبتت بالنصّ والتعيين كحديث الغدير.
فلا يراد من «غفرنا لهما» هو إسقاط الحقّ الثابت لهم، ومسامحتهما على غصبهما الخلافة؛ وقد صرّح (عليه السلام) بكون الخلافة أحد استحقاقاتهم الشرعيّة بقوله: «تولّيا الأمر دوننا، ونحن آل الرسول، وأحقّ بالأمر».
فـ(المغفرة) مشتقّة من (الغَفْر)، وهو الستر والتجاوز. والمقصود هنا هو: التجاوز عن المظلمة الشخصيَّة في الدنيا، والسكوت عن المنازعة بالسيف حقناً لدماء المسلمين، وليس إقراراً بشرعيَّة الخلافة.
3ـ فالمراد هو أنّه لم ينازعهما الأمر عمليّاً لقلّة الناصر، عملاً بوصيّة رسول اللّه (صلى الله عليه وآله)، بدلالة ما ورد في الخطبة الشقشقيَّة: «فسدلت دونها ثوباً، وطويت عنها كشحاً، وطفقت أرتئي بين أن أصول بيد جذّاء، أو أصبر على طخية عمياء.. فرأيتُ أنّ الصبر على هاتا أحجى، فصبرت، وفي العين قذى، وفي الحق شجىً..».
فإنَّه (عليه السلام) وصف اليد بـ «الجذَّاء» كنايةً صريحةً عن انعدام الناصر والمعين؛ لذا يكون معنى: «فغفرنا ذلك لهما»، أي سكتنا عن حقّنا نحن آل الرسول وأحقّ بالأمر.
4ـ إنّ موقف أمير المؤمنين (عليه السلام) من الرجلين ثابت بالأدلّة اليقينيّة، وعباراته (عليه السلام) في الخطبة الشقشقية وغيرها واضحة جليّة، كقوله: «أما والله، لقد تقمّصها فلان، وإنّه ليعلم أنّ محلّي منها محلّ القطب من الرحى..».
بل جاء ذلك في نصوص ثابتة عند العامّة، فقد رووا: أنّ عليّاً (عليه السلام) كان يرى أنّ أبا بكر وعمر كانا في خلافتهما «ظالمين فاجرين»، وفي لفظٍ آخر: «كاذبين آثمين غادرين خائنين» [ينظر: صحيح مسلم ج5 ص152، صحيح ابن حبان ج14 ص577].
نكتفي بهذا القدر، والحمد لله أولاً وآخراً.
اترك تعليق