هل يصح زواج يزيد بن معاوية من أم كلثوم بنت السيدة زينب (ع)؟

السؤال: ما رأيكم بما كتبه أحد المخالفين: (هل تعلم أنَّ يزيد بن معاوية بن أبي سفيان متزوّجٌ من ابنة السيدة زينب ابنة عليٍّ، زوّجها له خالها الحسين؟ والقبر بالشام هو قبرها وليس قبر أُمّها؟ أخفى الشيعة ذلك وجعلوه قبر أُمّها زينب لكيلا يعرف المسلمون شيئاً عن أُمّ كلثوم حفيدة علي بن أبي طالب. هذا زواجٌ يُثبت أنَّ يزيد بريء من قتل الحسين وأنَّ خلافهما كان سياسيّاً وليس عقائديّاً كما يروّج الشيعة)؟

: السيد أبو اَلحسن علي الموسوي

الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم

اعلم - أيَّدك الله - أنَّ ما أُثير من دعوى تزويج يزيد بن معاوية بأُمّ كلثوم بنت السيدة زينب الكبرى (عليها السلام) ليس إلَّا من الموضوعات الواهية التي لا تثبت أمام التحقيق التاريخيّ والنسبيّ، بل هي مصادمةٌ للنقول المعتبرة عند الفريقين، ومجانبةٌ للمعقول والسياق السياسيّ والعقديّ الذي كان قائماً بين أهل البيت (عليهم السلام) وبني أُميَّة.

فإنَّ الثابت في كتب التاريخ والأنساب أنَّ معاوية بن أبي سفيان سعى في حياة الإمام الحسين (عليه السلام) إلى خطبة أُمّ كلثوم بنت عبد الله بن جعفر الطيار - وأُمُّها السيدة زينب الكبرى بنت أمير المؤمنين (عليه السلام) - لابنه يزيد، غير أنَّ الإمام الحسين (عليه السلام) ردَّ ذلك صريحاً، وأبى أن يزوّجها منه، ثمَّ زوّجها من ابن عمّها «القاسم بن محمد بن جعفر الطيار»، ولم يثبت في مصدرٍ معتبرٍ أنَّها صارت زوجةً ليزيد في يومٍ من الأيام.

وقد نقل هذه الواقعة غير واحدٍ من أعلام العامَّة والخاصَّة:

فمن العامَّة: ما رواه ابن سعدٍ والبلاذريّ بالإسناد إلى أُمّ بكر بنت المسوّر عن أبيها قال:

«كتب معاوية إلى مروان - وهو على المدينة - أن يخطب ‌أمّ ‌كلثوم ‌بنت ‌عبد ‌الله ‌بن ‌جعفر، وأمّها زينب بنت علي، وأمّها فاطمة بنت رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، على ابنه يزيد ويقضي عن عبد الله دينه، وكان خمسين ألف دينار، ويعطيه عشرة آلاف دينار، ويصدقها أربعمائة ويكرمها بعشرة آلاف دينار، فبعث مروان إلى ابن جعفر فأخبره، فقال: نعم، واستثنى رضاء الحسين بن علي.

فأتى الحسين فقال له: إنَّ الخال والد، وأمر هذه الجارية بيدك، فأشهد عليه الحسين بذلك. ثمَّ قال للجارية: يا بنيّة، إنَّا لم نخرج منَّا غريبة قط، أفأمركِ بيدي؟ قالت: نعم.

فأخذ بيد القاسم بن محمّد بن جعفر بن أبي طالب، فأدخله المسجد، وبنو هاشم وبنو أُميَّة وغيرهم مجتمعون، فحمد مروان الله وأثنى عليه، ثمَّ قال: إنَّ أمير المؤمنين قد أحبَّ أن يزيد القرابة لطفاً والحقَّ عظماً، وأن يتلافى ما كان بين هذين الحيين بصهرهما، وعائدة فضله وإحسانه على بني عمه من بني هاشم، وقد كان من عبد الله في ابنته ما يحسن فيه رأيه، وولى أمرها الحسين خالها، وليس عند الحسين خلاف أمير المؤمنين.

فتكلَّم الحسين، فحمد الله، وأثنى عليه، ثمَّ قال: إنَّ الإسلام دفع الخسيسة، وتمَّم النقيصة، وأذهب اللائمة، فلا لوم على مسلمٍ إلَّا في أمر مأثم، وإنَّ القرابة التي عظم الله حقَّها وأمر برعايتها، وأن يسأل نبيّه الأجر له بالمودّة لأهلها قرابتنا أهل البيت، وقد بدا لي أن أزوّج هذه الجارية مَن هو أقرب نسباً وألطف سبباً، وهو هذا الغلام، وقد جعلت مهرها عنه البغيبغة.

فغضب مروان وقال: غدراً يا بني هاشم؟!..» [الطبقات الكبرى ج1 ص415، أنساب الأشراف ج5 ص142].

ومن الخاصة: ما رواه ابن شهر آشوب: «.. أنَّ معاوية كتب إلى مروان - وهو عامله على الحجاز - يأمره أن يخطب أُمّ كلثوم بنت عبد الله بن جعفر لابنه يزيد، فأبى عبد الله بن جعفر، فأخبره بذلك، فقال عبد الله: إنَّ أمرها ليس إليَّ، إنَّما هو إلى سيدنا الحسين، وهو خالها.

فأخبر الحسين بذلك، فقال: أستخير الله تعالى، اللهمَّ وفّق لهذه الجارية رضاك من آل محمّد.

فلمّا اجتمع الناس في مسجد رسول الله، أقبل مروان حتى جلس إلى الحسين (ع)، وعنده من الجلَّة، وقال: إنَّ أمير المؤمنين أمرني بذلك، وأن أجعل مهرها حكم أبيها بالغاً ما بلغ، مع صلح ما بين هذين الحيين مع قضاء دينه، وأعلم أنَّ مَن يغبطكم بيزيد أكثر ممن يغبطه بكم! والعجب كيف يستمهر يزيد وهو كفو مَن لا كفو له، وبوجهه يستسقى الغمام. فردّ خيراً يا أبا عبد الله.

فقال الحسين (ع): الحمد لله الذي اختارنا لنفسه، وارتضانا لدينه، واصطفانا على خلقه، إلى آخر كلامه، ثمَّ قال: يا مروان قد قلت فسمعنا. أمَّا قولك: مهرها حكم أبيها بالغاً ما بلغ، فلعمري لو أردنا ذلك ما عدونا سنَّة رسول الله في بناته ونسائه وأهل بيته، وهو اثنتا عشرة أوقية، يكون أربعمائة وثمانين درهماً. وأمَّا قولك: مع قضاء دين أبيها، فمتى كنَّ نساؤنا يقضين عنَّا ديوننا؟ وأمَّا صلح ما بين هذين الحيين، فإنَّا قومٌ عاديناكم في الله، ولم نكن نصالحكم للدنيا، فلعمري فلقد أعيى النسب فكيف السبب؟ وأمَّا قولك: العجب ليزيد كيف يستمهر؟ فقد استمهر مَن هو خيرٌ من يزيد، ومن أبِ يزيد، ومن جدّ يزيد. وأمَّا قولك: إنَّ يزيد كفو مَن لا كفو له، فمَن كان كفوه قبل اليوم، فهو كفوه اليوم، ما زادته إمارته في الكفاءة شيئاً. وأمَّا قولك: بوجهه يستسقى الغمام، فإنَّما كان ذلك بوجه رسول الله، وأمَّا قولك: مَن يغبطنا به أكثر ممّن يغبطه بنا، فإنَّما يغبطنا به أهل الجهل، ويغبطه بنا أهل العقل.

ثمَّ قال - بعد كلامٍ -: فاشهدوا جميعاً أنّي قد زوّجت أُمّ كلثوم بنت عبد الله ابن جعفر، من ابن عمّها القاسم بن محمد بن جعفر، على أربعمائة وثمانين درهماً، وقد نحلتها ضيعتي بالمدينة - أو قال: أرضي بالعقيق -، وإنَّ غلَّتها في السنة ثمانية آلاف دينار، ففيها لها: غنىً إن شاء الله.

قال: فتغيَّر وجه مروان، وقال: أغدراً يا بني هاشم؟ تأبون إلَّا العداوة، فذكَّره الحسين خطبة الحسن عائشة وفعله، ثمَّ قال: فأين موضع الغدر يا مروان؟» [مناقب آل أبي طالب ج3 ص200].

وهذا وحده كافٍ في إسقاط أصل الدعوى؛ إذ لو كانت المصاهرة قد وقعت فعلاً لكانت من الوقائع المشهورة التي تتداولها كتب الأنساب والسير، لا سيَّما مع حرص الأُمويِّين على توظيف مثل هذه الأمور سياسيّاً، ومع ذلك لم يذكر أحدٌ من النسَّابين أو المؤرّخين المعتبرين أنَّ يزيد بن معاوية تزوَّج حفيدة أمير المؤمنين (عليه السلام).

ثمَّ إنَّ دعوى أنَّ القبر الموجود في الشام هو قبر أُمّ كلثوم لا قبر أُمّها السيدة زينب العقيلة (عليها السلام)، وأنَّ الشيعة أخفوا الحقيقة، دعوى مجرَّدةٌ عن الدليل، تخالف ما اشتهر واستفاض عند جمهور المؤرّخين وأرباب المقاتل من أنَّ المشهد المعروف في دمشق هو للسيدة زينب الكبرى (عليها السلام)، وقد تمَّت الإجابة عن هذا مفصَّلاً بعنوان: (أين قبر السيّدة زينب عليها السلام؟).

وأمَّا الاستنتاج القائل بأنَّ هذه المصاهرة المزعومة - لو ثبتت - تدلُّ على براءة يزيد من دم الإمام الحسين (عليه السلام)، فهو استدلالٌ ساقطٌ من جهاتٍ عديدة:

أوَّلاً: أنَّ دعوى أصل المصاهرة غير ثابتةٍ كما تبيَّن.

ثانياً: على فرض التسليم بوقوع المصاهرة، فلا يدلُّ ذلك على صحَّة العقيدة، ولا على براءة السيرة؛ فقد وقعت في التاريخ الإسلاميّ مصاهراتٌ بين بيوتاتٍ متخالفةٍ في العقيدة والسياسة، ولم تكن دليلاً على التزكية المطلقة.

ثالثاً: أنَّ النصوص التاريخيَّة المتكاثرة تنقل مواقف يزيد وتصريحاته بعد واقعة الطفّ، وتمثّلَه بأبيات ابن الزِّبَعْرَى المشهورة حين قال:

لَعِبَتْ هاشِـمُ بالمُلْكِ فـلا *** خَبَرٌ جاءَ ولا وَحْـيٌ نَزَلْ

وهي كلماتٌ تنطوي على طعنٍ خطيرٍ في أصل الرسالة والوحي، فضلاً عن رضاه الصريح بقتل سبط رسول الله (صلى الله عليه وآله).

فالنتيجة: أنَّ هذه الشبهة قائمةٌ على خلطٍ بين الأسماء والأنساب، وتحريفٍ للوقائع التاريخيَّة، ومحاولةٍ متكلَّفة لتخفيف بشاعة جريمة كربلاء، مع أنَّها من الحوادث التي انعقد إجماع الأُمَّة على عِظم فاجعتها وفداحة ما جرى فيها على عترة النبيّ (صلى الله عليه وآله).

نكتفي بهذا القَدْر، والحمد لله أوَّلاً وآخِراً.