هل صح أن ابن زياد كشف عن عانة الإمام السجاد (ع)؟
السؤال: هل صح أنَّ ابن زياد (لعنه الله تعالى) كشف عن عانة الإمام السجَّاد (عليه السلام) ليرى هل هو بالغٌ حتَّى يقتله؟
الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم
يُشير السائل إلى ما رواه الطبريّ عن أبي مخنف، عن سُليمان بن أبي راشد، عن حُميد بن مُسلم قال: «إني لقائمٌ عند ابن زياد حين عرض عليه علي بن الحسين فقال له: ما اسمك؟ قال: أنا علي بن الحسين، قال: أو لم يقتل الله علي بن الحسين؟! فسكت، فقال له ابن زياد: ما لك لا تتكلَّم؟ قال: قد كان لي أخٌ يقال له ـ أيضاً ـ علي، فقتله الناس، قال: إنَّ الله قد قتله، قال: فسكت علي، فقال له: ما لك لا تتكلَّم؟ قال: ﴿اللهُ يَتَوَفَّى الْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا﴾، ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَن تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ الله﴾، قال: أنت - والله - منهم، ويحك، انظروا هل أدرك؟ والله إنّي لأحسبه رجلاً. قال: فكَشَفَ عنه مري بن معاذ الأحمريّ، فقال: نعم قد أدرك، فقال: اقتله... الخبر» [تاريخ الطبريّ ج5 ص457، نهاية الأرب ج20 ص465، وغيرهما].
إذا بان هذا، فلنا بعض الوقفات، نذكرها ضمن أمور:
الأمر الأوَّل: أنَّ هذا الخبر قد رواه عددٌ من العلماء المتقدِّمين على الطبريّ زماناً، كما رواه جماعةٌ من المتأخِّرين عنه، من دون الزيادة المذكورة، وهي: الكشف عن الإمام السجَّاد (عليه السلام).
وهذا يكشف عن أنَّ هذه الزيادة من متفرِّدات الطبريّ ومَن وافقه، وليست ممَّا اتفقت عليه المصادر الناقلة للخبر. نكتفي بذكر شاهدٍ واحدٍ، مع الإحالة على سائر المصادر التي خلت منها هذه الزيادة.
روى ابن سعد الزهريُّ المتوفَّى [ت230هـ]، وفيه: «وأدخلتُ على بن زياد فقال: ما اسمك؟ فقلت: عليّ بن حسين. قال: أو لم يقتل الله علياً؟! قال: قلت: كان لي أخٌ يقال له علي أكبر مني قتله الناس. قال: بل الله قتله. قلت: ﴿اللهُ يَتَوَفَّى الْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا﴾. فأمر بقتله، فصاحت زينب بنت عليّ: يا ابن زياد، حسبك من دمائنا، أسألك بالله إنْ قتلته إلَّا قتلتني معه فتركه» [الطبقات الكبرى ج5 ص212].
ويمكن مراجعة ما أثبته مصعب الزبيريّ [ت236هـ]، والقاضي المغربيّ [ت363هـ]، وابن عبد البرّ [ت463هـ]، وابن الجوزيّ [ت597هـ]، وغيرهم [ينظر: نسب قريش ص58، المناقب والمثالب ص308، شرح الأخبار ج3 ص157، التمهيد ج9 ص157، المنتظم ج5 ص345، المقفى الكبير للمقريزيِّ ج3 ص337، وغيرها].
ومن ذلك يتَّضح خلو المصادر المذكورة من هذه الزيادة التي تفرَّد بنقلها الطبريّ، بل الثابت في مصادرنا المهمَّة أنَّ الإمام السجَّاد (عليه السلام) قد ردَّ على ابن زياد الملعون وأفحمه، بما يعكس الشجاعة الهاشميَّة المعروفة.
قال السيد ابن طاووس: «ثمَّ التفت ابن زياد (لعنه الله) إلى علي بن الحسين فقال: من هذا؟ فقيل: علي بن الحسين. فقال: أليس قد قتل الله علي بن الحسين؟! فقال له علي: قد كان لي أخٌ يسمَّى علي بن الحسين قتله الناس. فقال: بل الله قتله. فقال له علي: ﴿اللهُ يَتَوَفَّى الْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا﴾. فقال ابن زياد: وبك جرأةٌ على جوابي، اذهبوا به فاضربوا عنقه. فسمعت به عمَّته زينب، فقالت: يا بن زياد، إنك لم تبق منا أحداً، فإنْ كنت عزمت على قتله فاقتلني معه. فقال عليٌّ لعمَّته: اسكتي يا عمَّة حتَّى أكلمه. ثمَّ أقبل إليه فقال: أبالقتل تهدّدني يا بن زياد، أما علمت أنَّ القتل لنا عادة، وكرامتنا الشهادة. ثمَّ أمر ابن زياد بعلي بن الحسين (عليه السلام) وأهل بيته فحملوا إلى بيت في جنب المسجد الأعظم» [اللهوف على قتلى الطفوف ص202].
الأمر الثاني: أنَّ هذا الخبر من مرويات أهل العامّة، وهي ليست حجَّةً علينا، ولا سيما إذا خالفت مسلَّماتنا العقدية وثوابتنا التاريخيَّة، وهذه الزيادة المذكورة من أوضح مصاديق ذلك؛ ولذا لا يصحُّ قبولها أو التعويل عليها، كما هو واضح.
الأمر الثالث: أنَّ هذا الخبر المذكور ضعيفٌ من ناحية السند عندنا وعند العامة على حدٍّ سواء؛ ولذلك فلا يصح البناء عليه في إثبات الحقائق، خصوصاً في أمثال هذه الأمور المتعلِّقة بتاريخ سادات الورى (عليهم السلام).
أمَّا عندنا: فيكفيه وهناً وضعفاً أنَّه من مرويات حُميد بن مُسلم الأزديِّ الذي ثبت تورُّطه بحمل الرأس الشريف لأبي عبد الله الحسين (عليه السلام).
وأمَّا عندهم: فبأبي مخنف لوط بن يحيى، وقد صرَّح بذلك الشيخ محمَّد بن طاهر البرزنجيُّ في كتابه [صحيح وضعيف تاريخ الطبريّ ج9 ص261]، فراجع.
الأمر الرابع: أنَّ هذه الزيادة التي تفرَّد بها الطبريّ ـ ومن تابعه من المؤرِّخين ـ لا يُمكن التصديق بها أساساً؛ لكونها تخالف الواقع والوجدان، فإنَّ الإمام السجَّاد (عليه السلام) في معركة الطف كان رجلاً كبيراً، بل كان متزوِّجاً وابنه الإمام الباقر (عليه السلام) الذي حضر واقعة الطف بعمر أربعة أعوام، فكيف يُعقل أنْ يطلب ابن زياد الكشف عنه للتأكُّد من حال بلوغه!
1ـ روى اليعقوبيُّ عن الإمام الباقر (عليه السلام) أنه قال: «قتل جدِّي الحسين ولي أربع سنين، وإني لأذكر مقتله، وما نالنا في ذلك الوقت. وكان يُسمَّى أبا جعفر الباقر؛ لأنَّه بقر العلم» [تاريخ اليعقوبيِّ ج2 ص320].
2ـ وروى الكلينيُّ بسنده إلى زرارة قال: «قلت لأبي جعفر (عليه السلام): قد أدركت الحسين (عليه السلام) قال: نعم، أذكر وأنا معه في المسجد الحرام وقد دخل فيه السيل والناس يقومون على المقام، يخرج الخارج يقول: قد ذهب به السيل، ويخرج منه الخارج فيقول: هو مكانه...» [الكافي ج4 ص223].
الأمر الخامس: أنَّ الملاحَظ في الرواية المنقولة أنها لم تصرِّح بكشف العانة، وإنما الكشف عن البلوغ من عدمه. ومن الواضح أنَّ معرفة البلوغ لا تنحصر بالإنبات في شعر العانة فقط، فإنَّ نبات الشعر الخشن في الخدِّ وفي الشارب من العلامات أيضاً، فكيف حدد السائل خصوص العانة، مع أنَّ الرواية ساكتةٌ عن ذلك؟
الأمر السادس: لو سلَّمنا جدلاً ـ ولا نسلِّم ـ بأنَّ هذه الزيادة صحيحة، فهل فيها منقصةٌ لإمامنا السجَّاد (عليه السلام)، أم أنَّ ذلك من جرائم الحزب الأمويِّ التي ارتكبت بحقِّ أهل البيت (عليهم السلام)، وهل يحقُّ لمسلمٍ أنْ يفتخر بها أم يحترق ألماً لما جرى عليهم من أنواع الظلم والاضطهاد؟
إنَّ هذه الزيادة ـ لو صحَّت ـ فهي وصمةُ عارٍ في جبين الحزب الأمويِّ الغاشم وليست منقصة على الإمام السجَّاد (عليه السلام) الذي كان مُقيَّداً بقيود الظلم والاستبداد، على أنك قد عرفت عدم صحَّتها، لمخالفتها الواقع والوجدان، وكذلك المعايير العلميَّة في إثبات الحقائق.
والنتيجة النهائية من جميع ما تقدَّم، أنَّ هذه الزيادة المذكورة في السؤال من الكذب على الإمام السجَّاد (عليه السلام)، لمخالفتها الواقع والوجدان، ولسائر المعايير العلميَّة كما تبيَّن مفصَّلاً.. والحمد لله ربِّ العالمين.
اترك تعليق