لماذا لا يتزوج الشيعة في شهر محرم الحرام؟
السؤال: من البدع المشهورة عند الشيعة عدم إقامة مراسم الزواج في شهر محرَّم؛ لأنَّه الشهر الذي قُتل فيه الحسين، ولكن نجد في كتبهم أنَّ علي بن أبي طالب تزوَّج بعد وفاة السيدة فاطمة بأيامٍ ولم ينتظر نهاية الشهر، وأوَّل امرأةٍ تزوَّجها بعد وفاة السيدة فاطمة هي السيدة الأموية أمامة بنت أبي العاص بن الربيع؟
الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم
تضمَّن السؤال المتقدِّم ثلاثة محاور رئيسة:
الأوَّل: الزعم بأنَّ امتناع الشيعة عن الزواج في شهر محرَّم بدعة.
والثاني: الادعاء بأنَّ أمير المؤمنين (عليه السلام) تزوَّج بعد شهادة الصدِّيقة الزهراء (عليها السلام) بأيامٍ قليلة.
والثالث: القول بأنَّ أوَّل امرأة تزوَّجها بعد الزهراء (عليها السلام) هي أمامة بنت أبي العاص الأموية.
وللوقوف على حقيقة هذه المسائل وبيان الصواب فيها نتكلَّم في أمور ثلاثة.
الأمر الأوَّل: الزواج في شهر محرَّم:
لا يخفى أنَّ شيعة أهل البيت (عليهم السلام) لا يعتقدون بحرمة الزواج في شهر محرَّم الحرام في حدِّ نفسه، ولا يمنعون منه بعنوانه الأوَّلي، وإنَّما الحكم الشرعيّ عندهم هو الجواز كسائر أهل الإسلام.
نعم، هم يتركون الإقدام عليه باعتبار أنَّ هذا الشهر من مواسم الحزن والعزاء على مصاب أهل البيت (عليهم السلام)، والشيعيُّ الحقيقي يفرح لفرحهم ويحزن لحزنهم كما ورد في بعض الأخبار؛ ولذلك لا يُستحسن فعل ذلك؛ لكونه منافياً لشعائر الأحزان. وهذه مسألة أُخرى نابعة من حبِّهم ومودَّتهم لأهل بيت النبي (صلَّى الله عليه وآله) المأمور بها في القرآن الكريم.
ومن ذلك يتضح: أنَّ ما ذكره السائل - من أنَّ امتناع الشيعة عن الزواج في شهر محرَّم من البدع - ليس في محلِّه، بل هو افتراء عليهم، لأنَّ البدعة هي إدخال ما ليس من الدين في الدين، والشيعة لم تدَّعِ يوماً حرمة الزواج في شهر محرَّم حتَّى يصدق عليها هذا العنوان، وإنَّما جرى تركه عندهم لكونه مظهراً من مظاهر مواساة أهل البيت (عليهم السلام)، ومشاركةً لهم في أحزانهم، لا باعتقاد حكمٍ شرعيٍّ يحرِّم الزواج في هذا الشهر.
نعم، قد يحرم الزواج فيه بعنوان ثانوي، كما لو كان موجِباً لهتك حرمة أهل البيت (عليهم السلام) - والعياذ بالله تعالى -، ولكنَّ هذا من العناوين الطارئة، كما هو واضح، ومن أراد الوقوف على كلِّ ذلك فليراجع كلمات فقهاء الإماميَّة في هذه المسألة.
وزبدة الكلام: أنَّ الشيعة (أعزَّهم الله تعالى) لا يعتقدون بحرمة الزواج حتَّى يُقال بأنه بدعة وإدخال شيء في الدين، وإنما كان ترك الزواج من باب المواساة والمودَّة لأهل البيت (عليهم السلام)، كما قلنا.
الأمر الثاني: زواج الإمام (ع) بعد الزهراء (ع) بأيام:
لا يخفى أنَّ أصل ما نُقل من أنَّ أمير المؤمنين (عليه السلام) تزوَّج بعد شهادة الصدِّيقة الزهراء (عليها السلام) بأيامٍ قليلة يرجع إلى كتاب (قوت القلوب) لأبي طالب محمَّد بن علي بن عطية الحارثي المكِّي، وهو من أعلام الصوفية، وليس من علماء الإمامية كما هو واضح. ثمَّ انتقل هذا الخبر إلى بعض مصنفات الإمامية.
مضافاً إلى أنَّ الخبر المذكور قد أورده مؤلِّف الكتاب مرسلاً من دون سند، بل ذكره بلفظ «يُقال»، وهو من صيغ التمريض التي تدلُّ على التضعيف وعدم الجزم بثبوت الخبر، كما هو معلوم عند أهل الفن.
قال ما نصُّه: «يُقال: أنه تزوَّج بعد وفاة فاطمة (صلوات الله عليها وعلى أبيها) بتسع ليالٍ، ونكح أمامة ابنة زينب ابنة رسول الله (صلَّى الله عليه [وآله] وسلَّم)، كانت فاطمة (صلوات الله عليها) أوصته بذلك» [قوت القلوب ج2 ص412].
وعليه، فلا يصح الادّعاء بأنَّ أمير المؤمنين (عليه السلام) قد تزوَّج بعد شهادة الصدِّيقة الزهراء (عليها السلام) بأيامٍ قليلة؛ إذْ لا وجود لهذا المضمون في المصادر الإمامية المعتبرة، كما بيَّنا.
وللمزيد من التفصيل والتحقيق عن ضعف هذه الدعوى وفسادها، يُراجع الجواب المنشور في مركزنا بعنوان: (هل تزوَّج الإمام علي (ع) بعد الزهراء (ع) بتسع ليال)؟
الأمر الثالث: زواج الإمام (ع) من أمامة:
إنَّ زواج الإمام (عليه السلام) من أمامة ابنة أبي العاص وابنة السيّدة زينب بنت النبي الأعظم (صلَّى الله عليه وآله) أو ربيبته ـ على الخلاف المعروف ـ ثابتٌ ولا إشكال فيه، بل إنَّ هذا الزواج كان بوصيةٍ من الصدِّيقة الزهراء (عليها السلام) وطلبها؛ وذلك لما كانت تتمتع به السيدة أمامة من صفاتٍ حميدةٍ، وأخلاقٍ رفيعةٍ، كما يكشف عن ذلك وصية الزهراء (عليها السلام) بها.
1ـ روى سُليم بن قيس: «بقيت فاطمة (عليها السلام) بعد وفاة أبيها رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) أربعين ليلةً، فلما اشتد بها الأمر دعت علياً (عليه السلام) وقالت: يا بن عمّ، ما أراني إلَّا لما بي، وأنا أوصيك أنْ تتزوَّج بنت أختي زينب تكون لولدي مثلي» [كتاب سُليم ص٣٩٢].
2ـ وروى الفتَّال النيسابوريّ أنَّ الزهراء (عليها السلام): «يا بن عمّ، أوصيك أوَّلاً أنْ تتزَّوج بعدي بابنة أختي أمامة، فإنها تكون لولدي مثلي، فإنَّ الرجال لابدَّ لهم من النساء. قال: فمن أجل ذلك قال أمير المؤمنين (عليه السلام): أربعة ليس إلى فراقهنَّ سبيل، بنت أبي العاص أمامة أوصتني بها فاطمة» [روضة الواعظين ص ١٥١، بتصرُّف]، إلى غير ذلك من المصادر المعروفة.
والنتيجة النهائيَّة من كلِّ ذلك: أنَّ الشيعة لا يعتقدون حرمة التزويج في شهر محرَّم الحرام حتَّى يكون بدعةً كما زعم السائل، وإنّما يمتنعون عن ذلك حباً ومودةً لأهل البيت (عليهم السلام). كما أنَّ قصَّة زواج أمير المؤمنين (عليه السلام) بعد شهادة الزهراء (عليها السلام) بأيامٍ قليلةٍ باطلةٌ وغير صحيحة. وأنَّ زواجه (عليه السلام) من السيدة أمامة ابنة أبي العاص ثابتٌ ولا إشكال فيه، وأنَّه كان بوصيةٍ من الصدِّيقة الزهراء (عليها السلام)، كما تبيَّن كلُّ ذلك بالتفصيل.. والحمد لله ربِّ العالمين.
اترك تعليق