معنى لقاء الله تعالى

السؤال: قال الله عز وجل: {مَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ اللهِ}، ما هو المراد بلقاء اللّٰه (عزَّ وجل)؟ هل هو لقاء حسي كلقاء بعضنا ببعض؟

: الشيخ أحمد الكعبي

الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم

وردت آياتٌ كثيرةٌ في «لقاء الله» أو «لقاء الربّ»، كقوله تعالى: {فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا} [الكهف: 110]، وقوله: {وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ لَكَافِرُونَ} [الروم: 8]، وقوله: {يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ} [الانشقاق: 6]، وغيرها من الآيات الكريمة.

واللقاء: هو المقابلة مع الارتباط، ومن آثاره: الرؤية والمواجهة والتوافي ونحو ذلك [ينظر: التحقيق في كلمات القرآن ج10 ص228].

ولا يخفى أنَّه ليس المراد بـ «لقاء الله تعالى» هو اللقاء الحسيّ - القائم على الرؤية البصريَّة والمواجهة الماديَّة -، فإنَّه قولٌ باطلٌ عقلاً، ومردودٌ كتاباً وسنةً بإجماع علماء الإماميَّة؛ لأنَّ اللقاء الحسيَّ الماديَّ يستلزم بالضرورة المقابلة في الجهة، والتحيُّز في المكان، وانطباع الأشعة أو الصور، وحدوث المواجهة، وهذه الأوصاف كلُّها من لوازم الماديَّة والإمكان والحدوث، والله سبحانه وتعالى قديمٌ أزليٌّ، متعالٍ عن الجهات والأقطار، لا تحدُّه الأمكنة ولا تحويه الأزمنة، كما قال جل شأنه: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} [الشورى: 11]، وقال محكِماً: {لا تُدْرِكُهُ الأَبْصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصارَ} [الأنعام: 103].

وعليه، فإنَّ الدليل العقليَّ القطعيَّ القائم على امتناع الجسميَّة والحلول يُعدُّ قرينةً حافَّةً بالنص تمنع من إرادة المعنى الماديِّ الظاهريِّ البدويِّ، وتوجب حمله على معنىً آخر لا يلزم منه هذا المحذور.

يضاف لذلك: لو كان المراد هو اللقاء والرؤية الحسيَّة؛ لكانت فضيلةً تختصُّ بالمؤمنين، بينما يعمِّم القرآن الكريم اللقاء ليشمل الكافرين أيضاً، كما في قوله تعالى: {فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ} [التوبة: 77]، فلو كان اللقاء هو الرؤية لكان المنافقون مشاهدين لله تعالى، وهو ما لا يقول به أحدٌ، مما يؤكِّد أنَّ اللقاء ليس بمعنى اللقاء والرؤية الحسيَّة، بل بمعنىً آخر، كالحضور يوم القيامة للمحاسبة والجزاء.

وقد ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام) تفسير اللقاء بالبعث، في قوله: «فأمَّا قوله: {بَلْ هُم بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ}، يعني البعث، فسمَّاه الله عزَّ وجلَّ لقاءه... وقوله: {مَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ}، يعني: مَن كان يؤمن بأنه مبعوثٌ فإنَّ وعد الله لآتٍ من الثواب والعقاب، فاللقاء ههنا ليس بالرؤية، واللقاء هو البعث، فافهم جميع ما في الكتاب من لقائه فإنَّه يعني بذلك البعث» [التوحيد للصدوق ص267].

ولعلَّ وجه تسمية البعث لقاءً، باعتبار أنَّ المعارف يوم القيامة تصير ضروريَّةً، ويُسلب المعاندون والمشكِّكون القدرة على الترديد والتشكيك في الحقائق والمعارف؛ لأنَّ الله تعالى يعرِّف نفسه لأوليائه، وتبرز كراماته عليهم، وتنقطع حجج المبطلين بظهور سطواته عليهم وانتقامه منهم، كما قال تعالى: {وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ وَقَدْ خابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْماً} [ينظر: مناهج البيان ج30 ص292].

فالمراد من «لقاء الله» هو المشاهدة الباطنيَّة والملاقاة الروحيَّة والمعنويَّة مع الله تعالى؛ وذلك لأنَّ الحجب ترفع يوم القيامة، وتظهر آيات الله في المحشر وجميع مشاهد ومواقف القيامة بنحوٍ يجعل الكافرين أيضاً يشاهدون الله ويلاقونه ببصائر القلوب وإنْ كانت تلك اللقاءات متفاوتةً.

وقد أفاد العلَّامة الطباطبائيُّ: أنَّ المقصود بـ«لقاء الله» هو أنْ يقف العبد بين يدي ربِّه موقفاً لا حجاب فيه يحجبه عنه، بل يكون مكشوف البصيرة، كما هو الحال يوم القيامة؛ ذلك اليوم الذي تظهر فيه الحقائق على ما هي عليه، وتنقطع فيه الأسباب، ويُزال كلُّ ساتر بين العبد وربِّه، وقد أشار القرآن الكريم إلى هذا المعنى في قوله تعالى: {وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ} [ينظر: تفسير الميزان ج١٦ ص١٠٢].

الخلاصة:

ليس المراد بلقاء الله تعالى هو اللقاء الماديَّ والرؤية الحسيَّة، بل المراد هو اللقاء الروحيانيُّ والمعنويُّ، فهو تجلي الخالق لعباده، حيث يقف العبد أمام ربِّه، وهذا الحدث يتجلَّى بصورةٍ متميِّزةٍ يوم القيامة، حين تُظهر الحقائق وتُكشف الأسرار، ويُحاسب الناس على أعمالهم في هذا اليوم، وتكون القلوب صادقةً والمواقف واضحةً، ويشهد العبد عظمة الله وجلاله، ممَّا يعكس حقيقة العلاقة بين الخالق وخلقه.

والحمد لله رب العالمين.